Friday 27/06/2014 Issue 15247 الجمعة 29 شعبان 1435 العدد
27-06-2014

مبارك عليكم الشهر أيها المغردون في عالمنا الافتراضي

كانت الدراسات الاجتماعية والثقافية حتى عهد قريب تركز في الأساس على المجتمعات المحلية محللة عناصرها الأربع «الجماعة، والتفاعل، والروابط، والمكان والزمان» باعتبار هذه المجتمعات الصغيرة - قياساً بما هو في العالم الافتراضي اليوم - هي البيئة الذي يعيش فيه الفرد ويكتسب ثقافته منها وينمي مهاراته الحياتية والذاتية فيها.ومع بزوغ عصر العولمة وميلاد ثقافة «التكنو» ظهر نوع جديد من الجماعات الإنسانية في دنيا ثانية أطلق على عالمها «المجتمعات الافتراضية، أو الرقمية» التي تتشابه مع مجتمعنا الحقيقي في وجود الأفراد، وقيام التفاعل بينهم، وتقاسم الروابط، وتبادل المشاعر، وحضور عنصر الزمان دون أن يكون للمكان أدنى أهمية.

وبتطور العالم الافتراضي هذا، وتنوع مجتمعاته، واتساع أفقه، وسهولة التعامل معه،أصبحت هناك ساحات وفضاءات رحبة مفتوحة لم تكن معروفة للتفاعل الإنساني، وظفها البعض توظيفاً إيجابياً، وجعلها البعض الآخر سبيلاً للتمرد والثورة بدءاً من التمرد على الخجل والانطواء وانتهاء بالثورة على الأنظمة السياسية مروراً بالتمرد على الأخلاق العامة واللياقة واللباقة، ، الأمر الذي جعل العنف في عالمنا الافتراضي سواء اللفظي منه أو الرمزي أو الصورة ظاهرة اجتماعية/ ثقافية مقلقة للسياسي والاجتماعي والمصلح والمثقف، وموضوعاً حياً وهاماً.

ويمكن إرجاع هذا السلوك المشين، والتوظيف السلبي للتقنية من قبل شريحة عريضة في المجتمع السعودي

إلى:

* اعتقاد المعنف أن هذا السلوك لا يعدو أن يكون لوناً من ألوان النقد، الذي هبت رياحه وعلا كعبه بعد الشعور باتساع مساحة الحرية في عصر العولمة الجديد.

* شخصنة الحوار في عالم الإنترنت، ونقله من دائرة التركيز على نقد الخطأ الذي هو من طبيعة البشر إلى توجيه سهام النقد للذات المقارفة، مع أن البون بينهما شاسع، والفرق واضح، ولكن النفوس ضعيفة والأهواء والنوازع قوية.

* غياب العقوبة جراء جهل شريحة عريضة من المجتمع بحقه في طلب الاقتصاص، أو ميله وركونه لتجنب دخول المحاكم والجلوس عند القضاة، أو أن القضية وصلت لكرسي القضاء إلا أن الأدلة لم تكن كافية، وربما أعلن الحكم إلا أن التنفيذ لم يتم، أو أن إطالة المرافعات وتعقيد الإجراءات صرف العديد من المواطنين عن الاستمرار في المطالبة بحقهم المنصوص عليه في مواد النظام، أو أن المعنف مجهول الهوية ولم تتمكن الأجهزة الأمنية التوصل له.

* الأدلجة الفكرية، إذ أن التيارات والمذاهب والجماعات والحركات الإسلامية وجدت في عالمنا الافتراضي مساحة مفتوحة للتسويق والتشويق وكسب الأتباع، وفي المقابل ضرب المخالفين في المنهج والفكر وربما المعتقد.

* سهولة صدور الكلمة ووجود من يصفق لها، مما جعل المغرد مثلاً يكتب حروفه ويصف كلماته ويسطر عبارته وهو جالس على أريكته وقد غاب عن ذهنه أثر هذه الكلمات والآفاق التي ستبلغها وعمق الجرح النفسي والمعنوي الذي ستحدثه.

* غياب الضمير المستشعر لعظم مسئولية الكلمة ووجوب الحذر والتروي قبل البوح بها، واعتقاد المعنف سهولة التنصل من آثار ما قال وتبعات ما كتب .

* دعم البعض من المغردين مادياً ومعنوياً من جهات خارجية، سواء كان الداعم شخصاً أو مؤسسة من مؤسسات مجتمع مدني أو إحدى الجهات الحكومية أو الجماعات الحركية.

هذه دعوة للمغرد الذي أغراه العالم الافتراضي فصال وجال واغتاب ونم وكذب واتهم أن يعتذر لربه قبل غيره وأن يكون له مع دخول شهر رمضان المبارك ميلاد جديد مع الله أولاً ثم مع الناس كل الناس، عليه كما على غيره ممن يريد ما عند الله أن ينتصر على نفسه وهواه والشيطان، وأن يجمع شتات ذاته، وأن يعيد صفحات تاريخه، يقلب السجل الذي سيسأل عنه، يقرأ ويتفكر، يحزن ويستبشر، يتذكر كم هي الفرص التي منحاها أياه الرب وضاعت من بين يديه سريعا كلمح الصبر أو هي أقرب ولم يبق له منها إلا وخز الضمير وسياط الخطيئة، يحاول هذا الإنسان صاحب النفس اللوامة جهده أن يبرم عهداً صادقاً مع الله ألاّ تضيع هذه الفرصة التي حلت بساحته وهو قوي شديد دون أن يستغلها في رفع رصيده من الحسنات..

العاقل اللبيب الذي يستجمع قواها ويحاول حرق ماضيه مهما كانت صفحاته سوداء لعلها أن يفوز في استغلال الفرصة التي تشرئب الأعناق انتظراً لها غداً أو بعد غد، والجاهل المسرف المفرط من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، أسأل الله أن يبلغنا شهر رمضان ونحن بأمن وصحة وسعادة وآمان وأن يوفقنا فيه للعمل الصالح الخالص الصواب وكل عام وأنتم بخير وإلى لقاء والسلام.

مقالات أخرى للكاتب