Sunday 29/06/2014 Issue 15249 الأحد 01 رمضان 1435 العدد
29-06-2014

فسقى لهما ثم تولى إلى الظل

استوقفتني فكرة المقال عندما استبصرت صنائع المعروف في سورة القصص, وكأن حشود الرِعاء تصطف أمامي, ومن دونهم امرأتين تذودان, وكان مشهداً زاخراً ختامه {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} إنه نبي الله موسى عليه السلام وقد حمل قيمة عظيمة, وإحاطة أعظم بأركان تلك الصناعة الإنسانية التي لم تدخل المعامل, ولم تمر على مواصفات ومقاييس

ولم توضع لها لوائح وإجراءات، فكانت نموذجاً لابد من بسطه, وبدايةً تحولت إلى قرار, ونهايةً أصبحت تشريع, ونهجاً حرياً بأن يُحْتذى وإلا «كانت أمة هي أربى من أمة».

قال تعالى في قصة موسى عليه السلام: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} (24) سورة القصص} آية 23 -24.

إنها لحظاتٌ غاية في خصوصيتها, تحمل أضواء عظيمة للنفس الإنسانية، يمتزج فيها الشعور بقيمة المعروف والتآزر والوعي المطلق بأنه لابد من دفقة شعور تملأ المكان, ليكون ذلك الفضاء حكاية تروي صياغة مختلفة لنمط حياة كانت تخلو من دفء المعروف، {لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}، كما تباهي بكفاءة الباذلين الذين لا يُتبعون المعروف بالمن والأذى.

هو مشهد استجلبه الإحساس العميق بقيمة التعاون والشعور بالآخرين، ولا أبالغ إن قلت إن صناعة المعروف إستراتيجية استوطنت غراسها مبادئ الإسلام، وأحاطت بسلوك المسلمين, وكانت لتلك الصناعة حكايات مذهلة سيطرت على مفاصلها, وتدفقت مع (ماء مدين) ونبي الله موسى عليه السلام في قصص قرآني مثير, تحول إلى سلوك ومنهج, وعلائق تسللت إلى دوائر الناس فكانت ملء حديثهم، ومحور فلسفتهم، يقول المتنبي وهو من ملأ الدنيا وشغل الناس:

ولم أر كالمعروف أما مذاقه

فحلو وأما وجهه فجميل

وفي الجانب الآخر يقول شاعر الجاهلية ابن أبي سلمى:

ومن يصنع المعروف في غير أهله

يكن حمده ذماً عليه ويذمم

ومهما يكن فإن حضور الذم عند ابن أبي سلمى لا يعادل المذاق الحلو عند المتنبي، والمختلف هنا أننا قد نملك القدرة على صنع المعروف ولكننا قد لا نملك الكفاءة في أن لانخطف تفاصيل كرامة الإنسان خلاله، وقد لا نحسن أن نتولى إلى الظل.

- المستشار التربوي بمكتب معالي نائب الوزير لتعليم البنات

مقالات أخرى للكاتب