Monday 14/07/2014 Issue 15264 الأثنين 16 رمضان 1435 العدد
14-07-2014

مأزق الرأسمالية في القرن الواحد والعشرين

بعد تحسن النمو الاقتصادي وانخفاض التفاوت في الدخل بين الطبقة العليا والبقية منتصف القرن العشرين، الذي استعرضه المقال السابق، عاد هذا التفاوت للارتفاع التدريجي منذ الثمانينات، حتى بلغ حالياً أكثر مما كان عليه في العقد الثاني من القرن العشرين!

هنا يتساءل مؤلف كتاب «رأس المال في القرن الواحد والعشرين»: هل سيكون العالم مملوكاً للتجار فاحشي الثراء وكبار المدراء، أم ستمتلكه الدول النفطية أو البنك الصيني؟ ويجيب: من المبكر تحذير القارئ بأنه عام 2050 قد يدفع إيجار سكنه لأمير قطر، إلا أننا الآن في نفس الوضع الحاد الذي كان عليه أسلافنا أوائل القرن التاسع عشر: نشهد تغيرات جسيمة في الاقتصاد حول العالم، ومن الصعب معرفة مدى تأثيره بين البلدان وداخلها في توزيع الثروة والدخل. لدراسة ذلك بمنهج علمي فأهم مصدرين استند عليهما الكتاب، هما: مصادر توزيع الدخل، ومصادر توزيع الثروة وعلاقة الثروة بالدخل. وسأعرض هنا أهم نتائج الكتاب.

النتيجة الأساسية للكتاب، هي أن حركة توزيع الثروة تكشف عن آليات قوية في الاقتصاد تدفع بالتناوب نحو التقارب والتباعد بين الطبقة العليا والبقية.. فما هي هذه الآليات؟ أهم الآليات التي تدفع نحو التقارب وتقليل التفاوت في توزيع الثروة والدخل، تتأثر أساساً بانتشار المعرفة والاستثمار في التدريب والمهارات. ومن آليات التقارب قانون العرض والطلب، إضافة إلى حركة رأس المال والعمال التي تشكل صورة أخرى لهذا القانون، ربما تتجه نحو التقارب.

ثمة اعتقاد بأن قوى أخرى تدفع تجاه التقارب، كتكنولوجيا الإنتاج، حيث تتجه مع الوقت لمزيد من المهارات لفئات من العمال، مما يجعل مشاركة العمال في الدخل تزيد، بينما مشاركة رأس المال تنخفض.. أي فرضية تفوق رأس المال البشري على رأس المال المالي والعقاري، وتفوق كفاءة المدراء على كبار المساهمين «الهوامير»، وتفوق المهارة على القرابة والعلاقات الشخصية.. وثمة اعتقاد متفائل آخر، بأنّ صراع الطبقات سيتقلّص تلقائياً نتيجة تحسن أحوال المعيشة.. للأسف هذان الاعتقادان المتفائلان لا تدعمهما إلاّ أدلة قليلة، بأن مشاركة العمال في الدخل الوطني زادت بوضوح على المدى الطويل، بينما أهمية رأس المال غير البشري هي بنفس الدرجة التي كان عليها في القرن الثامن عشر والتاسع عشر.

أما الآليات التي تدفع للتباعد ولمزيد من التفاوت وتوسيع الفجوة بين الطبقة العليا والبقية، فهي للأسف أقوى كثيراً من آليات التقارب مهما كانت فاعلية انتشار المعرفة والمهارات في التقارب، حتى عند الاستثمار المناسب للمهارات وعندما تكون كل ظروف السوق نشطة وفعّالة فآليات التباعد تظل قوية.. إنها نتيجة مؤلمة.. فما هي هذه الآليات؟

أولاً، سرعان ما ينفصل الأعلى دخلاً عن البقية بهامش واسع (حتى اعتماد الكفاءات فإنه لا يمنع التباعد أيضاً). وأهم من ذلك: ثانياً، هناك مجموعة من قوى التباعد مرتبطة بعملية تراكم وتركيز الثروة عندما يكون معدل النمو الاقتصادي (الدخل والناتج) ضعيفاً، بينما عائد رأس المال عال (كأرباح الشركات وبيع الممتلكات والإيجارات العقارية)؛ وهذا حجر الأساس في فكرة الكتاب كله، والمعضلة الرئيسية التي تمثل التهديد الأكبر للتوزيع المتساوي للثروة على المدى الطويل.

توضح بيانات القرن العشرين أن التفاوت في الدخل (نسبة مشاركة الـ 10% الأعلى دخلاً في الاقتصاد الوطني) تقلص في أمريكا من 45-50% حتى وصل في الأربعينات إلى 30 -35%، واستمر على هذا النحو حتى السبعينات، ثم عاد في الثمانينات يرتفع تدريجياً حتى بلغ عام 2008 نحو 50% وهي نسبة خطيرة، لكنه انخفض قليلاً بعد ذلك. هذه النسبة تعكس ابتعاداً لم يحصل من قبل لذوي الدخل المرتفع جداً عن العاملين (الموظفين والعمال)، وفصل حاد لطبقة كبار المدراء عن البقية في الشركات الكبرى. أحد التفسيرات لذلك هو أن المهارات والإنتاجية لهؤلاء المدراء ارتفعت فجأة مقابل بقية العاملين، لكن لا توجد أدلة تدعم ذلك؛ إنما التفسير المتسق مع بعض الأدلة هو أن هؤلاء المدراء لديهم السلطة لتحديد أجورهم، أحياناً بلا حدود، وأحياناً أكثر بلا علاقة واضحة مع إنتاجيتهم. وإذا كان هذا ما نجده في أمريكا بوضوح، فمثله على نحو أقل في بريطانيا، وأقل منهما في اليابان وألمانيا وفرنسا.

في فرنسا وبريطانيا وألمانيا التوجه كان مشابهاً لأمريكا، فنسبة رأس المال الخاص إلى الدخل الوطني كانت بين 6 و 7 أضعاف، ثم تقلصت إلى ما بين 2-3 أضعاف حتى عام 1970، لتعود للارتفاع من جديد بين 5-6 أضعاف عام 2010. يبدو أن قوتي التباعد هاتين

(تفاوت الدخل، ونسبة رأس المال / الدخل الوطني) ستنضمان مع بعضهما في القرن الواحد والعشرين، بل هذا ما حصل فعلاً إلى حد ما، وربما تصبح ظاهرة عالمية قد تقود إلى مستوى عال من تفاوت في الدخل لم يسبق له مثيل.

ما هي أسباب قوة آليات التباعد في العقود الأخيرة، وما هي مآلاته؟ تظهر النتائج أنّ ذلك قد يرجع إلى عودة النمو البطيء للاقتصاد؛ فإذا بقي معدل النمو أقل كثيراً من معدل عائد رأس المال، مثلما حصل في أغلب فترات التاريخ حتى القرن التاسع عشر، فالمرجح أن يزداد التفاوت في توزيع الثروة إلى مستويات عالية؛ وفي تلك الحالة فمن المتوقع أنّ الثروة الموروثة ستنمو أسرع من الناتج والدخل. الناس الذي يرثون الثروة يحتاجون لتوفير مجرّد جزء من دخلهم من رأس المال لينمو رأس المال أسرع من الاقتصاد ككل.

هذه القوة التباعدية قد تُدعم بآليات أخرى.. مثلاً معدل التوفير قد يزيد بحدة مع الثروة.. إنها الآلية المزعزعة للاستقرار: الأغنى يحصل على ثروة أكبر، والتي أقلقت حتى أكبر المدافعين عن الرأسمالية. وأكثر من ذلك أنّ متوسط معدل العائد الفعلي على رأس المال قد يكون أعلى عندما يكون وقف رأس المال الأولي الفردي أعلى. والحالة يمكن أن تتفاقم عبر قانون الندرة لريكاردو: السعر العالي للأراضي أو النفط يساهم في بنية التباعد.

الخلاصة أنّ قوى التقارب منتشرة في بلدان معينة لوقت محدد، لكن قوى التباعد يمكنها في أي نقطة أن يكون لها اليد العليا، كما يبدو أنه يحصل الآن في بدايات القرن الواحد والعشرين. فما هي الاستنتاجات والاقتراحات التي يخرج بها المؤلف؟

يتبع

alhebib@yahoo.com

مقالات أخرى للكاتب