Wednesday 30/07/2014 Issue 15280 الاربعاء 03 شوال 1435 العدد
30-07-2014

نريد إعادة الجمال لمدننا البشعة؟

في يوم العيد اشتقتُ للتجول في المدينة التي ترعرع بها شبابي (بريدة)، وكنت أنتقل من شارع لآخر، وأستذكر الأماكن والساحات. ومع أن سيل الذكريات في المعتاد يبهج النفس ويسليها إلا أن التجول في شوارع بريدة القديمة جلب لي حزناً وحسرة. الحزن على ما آلت إليه تلك الشوارع من فوضى معمارية ونشاز في التجانس المعماري في التصميم والتنفيذ والألوان. والحسرة على ضياع ملامح المدينة القديمة. كانت البيوت مبنية من الطين، لكنها كانت متجانسة في طرازها المعماري، ولونها واحد، وبعض البيوت تكسوها تيجان بيضاء من الجص؛ ما يميزها. كانت المدينة جميلة ببيوتها، وتبهج النفس في شوارعها وبراحاتها.

اليوم بريدة القديمة قبيحة وبشعة؛ فالبنايات الأسمنتية صناديق مصمتة، ألوانها متنافرة؛ بعض بارز، وبعضها ضامر، والسائد هو سوء البناء والتصميم. ويزيد من القبح لوحات المحال والمؤسسات؛ فبعضها فوق بعض، قديمها قبيح، وجديدها فج في اللون والحجم. يخيل لي أن كل مبنى في شارع الخبيب مثلاً علق عليه مئات الأطنان من خردة الحديد الصدئ، التي تحمل لوحات بعضها عفا عليها الزمن، منها المعترض، ومنها المتدلي، ومنها الذي أبهتت الشمس ألوانه. هذه الفوضى في واجهات عمائر شارع الخبيب لا تخفي فوضى أخرى. ففتحات المكيفات مسدودة ببلك، بعضها أصبح عششاً للعصافير ونوافذ مكسرة. وبعدما ترمد العين من هول القبح في جوانب الشوارع لا يملك السائر في شارع من شوارع المدينة القديمة إلا أن يضحك كمداً؛ كيف أصبحت هذه المدينة الجميلة مثيرة للاشمئزاز في شوارعها؟ فالأرصفة مكسرة، والأشجار التي كانت أشجاراً لم يبقَ منها سوى جذوع ميتة، واللوحات الإرشادية المرورية والبلدية متنوعة، معظمها مائل أو منثنٍ، والغالب فيها صدئ وباهت الألوان. وهناك فوق الرصيف بقايا قواعد حديدية للوحات إعلانية، كانت هناك يوماً ما.

شوارع بريدة القديمة ليست استثناء في قبحها؛ فمعظم المدن السعودية تشاطرها هذه الظاهرة، بما في ذلك الرياض وجدة؛ فهناك شبه اتفاق بين عموم بلديات وأمانات مدن المملكة على إهمال المدن القديمة داخل المدن الكبيرة، وتركها تتحول لغابة من الفوضى المعمارية. هذه المدن كانت جميلة ومتميزة في مظهرها المعماري في الماضي، ويكاد يكون لكل مدينة نمط، حسب موقعها الجغرافي وبيئتها ومناخها وتوافر مواد البناء المحلية. كل ذلك دُمّر وهدم وحل محله نشاز صارخ من البنايات الأسمنتية سيئة التصميم والتنفيذ؛ حتى بات القبح سمة للمدن السعودية القديمة.

مقالي اليوم هو مقال حسرة وملامة لكل من ساهم في جعل مدننا قبيحة، إما بالإهمال أو بتوجيه الاهتمام عنها لمناطق أخرى. ولكنّ هناك أملاً، وهناك عشماً. فالأمل هو أنه ما زال هناك وقت متاح لإعادة الجمال لتلك المدن بإعادة تنميط السمة المعمارية لكل مدينة، ووضع معايير صارمة. والعشم أن يكون هناك مساهمة من الدولة في تكاليف إعادة التأهيل المعماري للمدن السعودية القديمة؛ فالجدوى الاقتصادية للاستثمار في ذلك من ذوي العقارات غير مشجعة؛ وليكن هناك مشروع وطني لذلك. ولعل هذا يصل لعناية خادم الحرمين الشريفين؛ فيأمر بأن تكون مدننا القديمة جميلة كما كانت.

mindsbeat@mail.com

Twitter @mmabalkhail

مقالات أخرى للكاتب