Thursday 07/08/2014 Issue 15288 الخميس 11 شوال 1435 العدد
07-08-2014

الموقف التأريخي في خطاب خادم الحرمين الشريفين -أيده الله- إعذار وإنذار

ففي مواقف الأزمات، ومواطن المحن، ومحطات الصلائب، ومنعطفات التأريخ تبرز حكمة العقلاء، وعقل الحكماء، ورأي الموفقين المسددين، وسداد الرأي، وحنكة الرجال، ومواقف العظماء، ليكون منهم ما يصحح المواقف، ويجنب الأمة مواطن الزلل، ويعيد الأمور إلى نصابها، ويقطع الطريق على المزايدين، ونحن في منعطف تأريخي، ومنحنى من أصعب ما مرّ على الأمة في تأريخها المعاصر، فتن ومتغيرات، وأحوال وتحولات، ومحن وأزمات تمر بعالمنا العربي والإسلامي على وجه الخصوص، تكالبت الأمم على أمة الإسلام، وتوالت الجراح على فلسطين الجريحة، وكثرت التداعيات والتبس الحق بالباطل، وتحير الناس، وبرز دعاة الفتنة في ظل هذه الظروف، يخدمون أعداء الإسلام والمسلمين، وأعداء وطن الإسلام المملكة العربية السعودية بأطروحاتهم، ومزايداتهم، وتنظيراتهم التي يقدمون فيها أنفسهم مدافعين عن حقوق المسلمين وحرماتهم، وهم يصطفون مع من يرومون خلخلة وحدة بلاد المسلمين، وإحداث الفتن فيها، ويحسنون القبيح، ويقبحون الحسن، ويدفنون الحسنات، ويقعون على العلل والهنّات، يحققون أهداف وتنظيمات وجماعات لها دورها وأثرها فيما يحدث من فتن، فيأتي نداء العقل والحكمة والإنسانية من مليك مفدى، ورجل عظيم، ووالٍ عادل، وحاكم راشد، يحمل قلبًا يحدب لا على وطنه وأمته فحسب، بل على أمة الإسلام، ويحزنه ما حصل ويحصل لكل مواطن ومسلم، حدد فيه الداء، وبين الدواء، وأعذر إلى الله وأبرأ ذمته، وأنذر وحذّر من كل ما ينتظر المنطقة خصوصًا، والعالم أجمع من خطر ينضوي في مشكلة مستعصية، وداء عضال، وخطب داهم عانت وتعاني منه أوطان المسلمين بل والعالم أجمع، إنه الإرهاب المتمثل في فكر وسلوك مشين، وعمل فاسد مفسد، يستهدف الصلاح، ويدمر مظاهر الخير، ويهلك الحرث والنسل، ويأتي على كل مظاهر الحياة، يتحول المبتلى بفكره إلى شخصية مقطوعة الانتماء, إقصائية التواصل والعطاء، مشحونة بالعداوة والبغضاء، تتلذذ بالتصنيف والتكفير، وتتعطش للدماء، وتستمتع بالأشلاء تعادي، تكاثرت نصوص الوحيين بالتحذير من هذا المسلك، ومن سلوكه، فكل الأديان اتفقت على مقصد رئيس ألا وهو الصلاح والإصلاح، والجزاء يوم القيامة إنما هو على عمل الصالحات، وفي مقابل ذلك جميع الرسل أرادوا هذا الصلاح وسعوا إليه، وحملوا رايته، وحاربوا الفساد والإفساد، فهذا نبي الله شعيب عليه السلام يقول: {إِنْ أُرِيدُ إِلاّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفيقِيَ إِلاّ بِاللّهِ}، ويقول لقومه: {وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، وموسى عليه السلام يقول لأخيه هارون: {وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}، ويأمر الله تعالى نبيه وخليله محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمته تبع له فيقول: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا}, وتشريعات الإسلام في كل أمر حتى في الجهاد بريئة من هذا العمل، وهو الفساد، ولكنه ديدن المفسدين الذين أخبر الله أنهم في كل الأمم والأديان، وعلى رأسهم اليهود الذين هم دهاقنة الفساد ودعاته، قال الله عنهم: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}، وهو شأن المنافقين الذين قال الله عنهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}، وهو شأن الخوارج الذين عمَّ البلاء بهم وبفكرهم عبر جماعات وتنظيمات مختلفة ترعى العنف والإرهاب، والقتل والدماء باسم الدين والدين منهم براء، يشوهون الدين، وينفرون منه، ويعتمدون في هذا أفظع الأساليب وأشنعها كما هو حاصل منهم، ولهذا لا نستغرب كثرة التحذير منهم في أحاديث المصطفى الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في مثل قوله صلى الله عليه وسلم : «يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم, وصيامه مع صيامهم, يقرؤون القرآن لا يجوز تراقيهم, يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية, يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان, لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد», وقوله صلى الله عليه وسلم: «دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا», قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا, قَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا», قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ».

إن هذه هي مشكلة الوقت الحاضر، وهي الخطر الداهم الذي أصدر فيه خادم الحرمين الشريفين -أيده الله- خطابه التأريخي صرخة نذير، وصوت تحذير، ورسالة إلى كل العالم الذي قد تغريه السياسات، وتحركه المصالح، ولا يهمه من يناصر في سبيل تحقيق هذه الأهداف، فيكون مناصرًا لهذه الجماعات الإرهابية كما هو الواقع حتى تنامى خطرها، وتفاقم ضررها، وكثر سواد المتعاطفين معها ومن أسف، وصدق خادم الحرمين الشريفين -أيده الله- حينما قال عنها: «حتى توهمت بأنه اشتد عودها، وقويت شوكتها، فأخذت تعيث في الأرض إرهاباً وفساداً، وأوغلت في الباطل كاتمة ومتجاهلة لقول المقتدر الجبار: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (18) سورة الأنبياء.

إن من المعيب والعار أن هؤلاء الإرهابيين يفعلون ذلك باسم الدين فيقتلون النفس التي حرم الله قتلها، ويمثلون بها، ويتباهون بنشرها، كل ذلك باسم الدين، والدين منهم براء، فشوهوا صورة الإسلام بنقائه وصفائه وإنسانيته، وألصقوا به كل أنواع الصفات السيئة بأفعالهم، وطغيانهم، وإجرامهم».

وإن مثل هذه الجماعات الإرهابية لا يمكن أن تجابه بردود أفعال، أو مواقف فردية، وإنما يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته، على اعتبار أن هذا مشترك يجب أن تتفق العقول والقلوب على رفضه واستنكاره، وتجاوز ذلك إلى خطوات عملية يغلب فيها موقف الأديان، ومنطلق العقل السليم، وإلا فسيكون الثمن باهظًا، وهم أول من يدفع هذا الثمن، وما قضية فلسطين وما يحصل فيها من إرهاب يهودي غاشم تجاوز كل الأعراف والقيم إلا مثال لنتيجة التهاون، وازدواجية المعايير, والانحياز إلى المحتل، فهذا إرهاب دول، وهو من أخطر أنواع الإرهاب كما قال خادم الحرمين الشريفين -أيده الله- ومن المحزن المؤسف المبكي أن «كل ذلك يحدث تحت سمع وبصر المجتمع الدولي بكل مؤسساته ومنظماته بما في ذلك منظمات حقوق الإنسان، هذا المجتمع الذي لزم الصمت مراقباً ما يحدث في المنطقة بأسرها، غير مكترث بما يجري ، وكأنما ما يحدث أمر لا يعنيه».

إنها كلمة تأريخية من ولي أمر المسلمين في هذه البلاد ليقيم الحجة على هذا المجتمع الذي يكيل بمكيالين، وينظر مصالحه في خضم الدماء والأشلاء، وينحاز بكل جراءة إلى الظالم المستبد المتغطرس الذي لا يرقب إلاّ ولا ذمة في المسلمين، لافتًا -أيده الله- النظر إلى أن هذه الصور القاتمة التي يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليتها ستكون انعكاساتها على الواقع أمرًا لا يُطاق، وسيكون نتيجة ذلك ما هو سنة الله، فالظلم إلى زوال، وكتب الله على نفسه هلاك الظالمين: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا }، {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}، وإذا كان المجتمع الدولي قد أسس منذ قيام هيئاته ومنظماته على معايير العدل والحق، والقيم المشتركة فإن النسبية في التعامل مع الواقع وازدواجية المعايير ستخلق أجواء الإرهاب، وتعين الإرهابيين على أن يقدموا أنفسهم، ويختطفوا كل مبادرة للسلام أو التعايش أو التسامح، بل سيصدق هذا الواقع ما يحاول أعداء السلام إذكاءه وإحياءه من صراع الحضارات, ويؤدي إلى خروج جيل لا يؤمن بغير العنف، رافضًا السلام ومؤمنًا بصراع الحضارات لا بحوارها، وهل سيقبل عقلاء العالم أن تؤول الأمور إلى هذه النتائج المدمرة, إنه صوت العقل والسلام والتعايش من بلد السلم والسلام, ومليك الحكمة والسداد، الذي ينقل بلغة المشفق الناصح ما تفيض به نصوص الشريعة وقواعدها ومقاصدها، وما أوضحه علماء الأمة سلفًا وخلفًا مما هو سبب الصلاح والإصلاح، وسبيل تحقيق المثالية في العلاقات الدولية مع الأمم الأخرى، والتي جسد المثالية فيها سيد الخلق وقدوة العالم وأسوتهم نبي الرحمة والسلام صلى الله عليه وسلم، من أرسله الله رحمة للعالمين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، في تعامله مع جيرانه اليهود في المدينة، حيث كانت وثيقة المدينة الصورة المثلى لهذا التعايش, وحفظت للمسلمين واليهود حقوقهم، وكانت حقبته من أزهى عصور تأريخ الحضارات، فما أحوج العالم إلى الاهتداء بهذا الهدي المثالي، وقراءة هذه السيرة العطرة، واستجلاء معالم التواصل والتعاون والتعايش والتسامح والسلام والأمن والأمان منها في ظل هذه الأحداث والفتن التي أتت على الأخضر واليابس.

وإننا لنرى أن إمامنا ومليكنا الموفق قد أعذر إلى الله، وأبرأ ذمته، وأقام الحجة، وقدَّم ما يمكن أن يمثل خارطة الطريق، ووثيقة العمل لمستقبل الأيام، وما أحوج المجتمع الدولي إلى أن ينظر فيما طرحه، وأن يتدبر واقعه، وأن يتخذ من هذا الخطاب منطلقًا لمعالجات عملية متوازنة عادلة لما تمر به المنطقة عمومًا، وفلسطين خصوصًا.

أما اللفتة التي أجد أن من واجبي كمسؤول عن جامعة عريقة، هي جامعة علوم السيادة والريادة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي قامت على خدمة العلوم الشرعية في خبرة تراكمية جاوزت خمسة وستين عامًا، وأسهمت بتزويد هذا الوطن الغالي بالعلماء والقضاة والدعاة والمفتين والموجهين والمرشدين، أقول إن من واجبي أن أتحدث عنها، لأنني أستشعر أننا أول المعنيين بها في هذه الجامعة؛ لأنها بيت العلماء والمرجعية لهم، وكما أكد ذلك خادم الحرمين الشريفين في لقائه بالعلماء، وحملهم هذه المسؤولية، وأقول استجابة للتوجيه الكريم: لبيك يا خادم الحرمين الشريفين، لبيك فنحن أول من جند ويجند نفسه ومؤسسته لذلك، كلنا جنودك ونعاهد الله ثم نعاهدك أن نقوم بواجبنا، وأن نحقق رغبتك فيما يحمي عقيدتنا ووطنا، ومقدساتنا وثوابتنا، فلقد أعذرت، وأبلغت ونشهد الله على ذلك، فمؤسساتنا الشرعية، وعلماؤنا وقادة الرأي والفكر فينا يتحملون هذه المسؤولية، لتقديم الصورة النقية الصافية، والرؤية الوسيطة، والمنهج السليم نهج سلف هذه الأمة لتبرئة الإسلام مما ألحقه به زورًا وبهتانًا دعاة الفتنة، والضلالة والانحراف ممن يعطون وولاءهم للجماعات والتيارات والتنظيمات المعادية للمنهج الصحيح، والله يا خادم الحرمين الشريفين إنها لمسؤولية عظيمة، وإن الظرف كما أوضحتم رعاكم الله «فأمتنا تمر اليوم بمرحلة تاريخية حرجة، وسيكون التاريخ شاهداً على من كانوا الأداة التي استغلها الأعداء لتفريق وتمزيق الأمة، وتشويه صورة الإسلام النقية»، حقًا إنها مرحلة حرجة، وواقع مُرّ، والتفاف على نقاء الإسلام واختطاف له، وتشبيه على الخاصة قبل العامة، وإعادة منهج البدع والخوارج القائم على التكفير واستحلال الدماء عبر أفكار الجماعات والتنظيمات ليكون- ومن أسف- هو الخديج المشوه الذي يعبرون به عن الإسلام، والإسلام منه براء، وتوظيف للمصطلحات الشرعية لتكون هي أسلوب التضليل والدس، وإلا فعن أي إسلام يتحدثون وهم يستحلون دماء المسلمين والمعصومين، بل ويذبحونهم كالخراف، هل يصدر هذا ممن يعظم أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، هل يكون هذا ممن يقرأ هذا الوعيد الإلهي: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}، هل يكون الإسلام خروجًا على الأئمة والحكام، وتجاوزًا لكل الحدود فيسبيل خلافة مزعومة؟ والله من يتأمل هذه التصرفات وهو ممن يعلم مبادئ الشريعة لا يمكن أن تنطلي عليه، لكنه الاختطاف والاختراق، والدعم المعلن والخفي ليكون هؤلاء أدوات لأعداء الإسلام في ضرب وحدة بلاد المسلمين، وتمزيق شملهم.

إن مثل هذه الشبهات والترهات والأباطيل والتمويهات لا يمكن أن يكشفها إلا من حددهم خادم الحرمين الشريفين في خطابه ولقائه، فعلماء المسلمين هم من يوجه المجتمعات، ويكشف الشبهات، وينفي عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وواجبهم كبير، «أن يقفوا في وجه من يحاولون اختطاف الإسلام وتقديمه للعالم بأنه دين التطرف، والكراهية، والإرهاب، وأن يقولوا كلمة الحق، وأن لا يخشوا في الحق لومة لائم». وإنني أغتنمها فرصة لأقول جوابًا على هذا النداء الملكي: إن جامعتكم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تتحمل القسط الأكبر في هذا الشأن لما أشرت إليه، وهي قادرة - بإذن الله - بوحداتها ومنسوبيها وأعضاء هيئة التدريس فيها، وبما تتوافر عليه من خبرة ورصيد علمي شرعي أن تكون مع أخواتها من الجامعات السعودية حصنًا لشبابنا وفتياتنا من هذه الأفكار المتطرفة، وأن تصطدم دعوات أئمة الضلال والفتنة بقوة الحق وسلطان العلم, وإنني أقول ذلك مذكرًا نفسي وزملائي وإخواني, وأرى أن الوقت ليس وقت تلاوم أو تخاذل أو مجرد تنديد، بل هو وقت عمل وجهود متواصلة، تلتقي فيه القلوب والمشاعر والأفكار والآراء على رفض هذه المبادئ الضالة والأفكار المنحرفة، والسلوكيات الإجرامية التي اخترقت مجتمعنا وشبابنا، وتسللت إلى بيوتنا عبر هذه التقنيات والشبكات والأدوات، ومسؤوليتنا نتجاوز فيها الوعظ العام، والتحذير المطلق إلى الطرح المؤصل، والحوار العلمي، والتقارب والتواصل مع الشباب، واستنطاق هممهم، واستنهاض عزائمهم، ليكون هذا الاجتماع على الثوابت صخرة صلدة تصطدم بها تلكم الدعوات، فإن هذا هو ما يدعونا إليه ديننا في عموم الأحوال، وفي أوقات الأزمات والفتن، فالله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ*وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}، ويقول في شأن الفتن والأزمات والفتن: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ الَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، ويقول: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}، يقول الشيخ عبدالرحمن السعدي - رحمه الله - على هذه الآية: «هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطاً للمؤمنين وسروراً لهم وتحرزاً من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته،لم يذيعوه، ولهذا قال: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة.

وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا فيحجم عنه؟».

ورسولنا صلى الله عليه وسلم قال قولاً بليغًا، يعد منهاجًا للخروج من الفتن، وطريقًا للسلامة منها، يسلم به المرء من دعاة الفتن الذين هم - ومن أسف - من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، فقال صلى الله عليه وسلم في حديث عظيم: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ», فالمخرج من الفتن والعاصم من الانحراف والوقوع في الخلل, والتأثر بالدعاة على أبواب جهنم, والذين هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا أن نلزم جماعة المسلمين وإمامهم, هذه هي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الجامعة لمن رام النجاة في ظل الدعوة التي هي سبب دخول النار، فإن لزوم جماعة المسلمين أمر واجب بشريعة الله, دلت عليه الأدلة الواضحة الصريحة القاطعة من الكتاب والسنة, وإذا تقرر هذا فإنه يحرم قطعًا الخروج عليها لأي سبب من الأسباب, ومهما كانت الدوافع والعلل والمبررات, قولاً أو فعلاً.

إن المخرج من هذه الفتن يكمن في لزوم كتاب الله عز وجل وفي لزوم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, في الفقه في دين الله جل وعلا؛ فإن الإنسان إنما يؤتى بسبب جهله وقصور علمه فيضل، أو أن يؤتى بسبب غلبة الهوى على قلبه فيضل بسبب ذلك.

فهكذا عرف حذيفة رضي الله عنه الفتن لما سأل وتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم عنها وما الذي يقيه منها، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم قدوته وأسوته ودليله, -وهو كذلك-, وما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة -والأمة داخلة في الخطاب- من الوسائل العظيمة للنجاة من الفتن, وتأسيسًا على ذلك يحسن أن نتوسع في هذا المجال, لأن هذا هو موضوع المحاضرة, فمما يقي من الفتن الثبات على المبادئ، فإن مبادئ دين الله هي الطريق المنجي - بإذن الله - عز وجل من الفتن.

وبعد: فهذه وقفات وخواطر ومشاعر أرى أن من الواجب المشاركة بها تلبية لنداء مليكنا، واستجابة لتوجيهاته، وهي تضاف إلى منجزاته النوعية، ووقفاته التأريخية التي لا تستغرب من مقامه - أيده الله -، تستمد قوتها من مضامينها الشرعية، وتوقيتها المسدد، ولغتها القوية، ومنطقها الحكيم، ودلالاتها المتنوعة المهمة، فهي بحق منهاج عمل، وخارطة طريق، ونبراس مضيء أطلقها ملك شجاع، وحاكم يخشى الله ويخافه ولا يخاف في الحق لومة لائم، أخرست ألسن الحاقدين، وألجمت المزايدين الذين يشكلون في مواقفهم ومشاركاتهم أدوات تحركها أيدي الغدر والخيانة، تجاسرت على اتهام المملكة وقيادتها في مواقفها وسياساتها، حتى بلغت الجرأة ببعضهم مبلغًا لا يصدقه عقل، ليأتي هذا الخطاب المبارك كاشفًا للحقائق، مبينًا للثوابت، داعمًا للحق، داحضًا للباطل.

فبوركت إمامنا وبوركت أيامك، وحفظك الله من كل سوء، وإنا لنحتمي بالله ونعتصم به أن يديم على هذه البلاد أمنها وإيمانها، ويدرأ عنها كيد الكائدين وفساد المفسدين وضلال المضلين، ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يحفظ قادتنا وولاة أمرنا، وأن ينصرهم ويعز بهم دينه إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين،,,

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

مقالات أخرى للكاتب