04-10-2014

العامل يقدِّم درساً بليغاً

استقدمته شركة للعمل سائقاً بسيطاً لإيصال العمال للمواقع داخل المدينة. ولأنه مسلم، وعمره فوق الخمسين، ملتزم بمواعيد العمل ومخلص في عمله؛ أضاف له مدير الشركة عملاً آخر نهاية الدوام؛ ليتولى مشاوير العائلة؛ فكسب زيادة في الدخل؛ كانت مشجعة له لمضاعفة الجهود والتلطف مع العائلة التي لم تنسَ إكرامه بما أمكن، ولاسيما أنهم مع الأيام عرفوا أن أكثر ذريته من البنات، إضافة لزوجته ووالديه الذين يقوم برعايتهم.

انشغل ذات يوم، ولاحظوا أنه مشتت الذهن؛ فاستوضحوا الأمر، فأفصح أنه ينهي إجراءات والديه للقدوم للحج؛ إذ إنه كان طيلة الفترة السابقة يجمع الريالات لهذه الفضيلة والبر.

زاد إعجابهم به، وبعد شهور انشغل مرة أخرى «ماذا بك يا أبا بكر (وهذا هو اسم السائق الهندي)»؟ قال: المعذرة؛ فإني انشغلت بأوراق استقدام زوجتي للزيارة للعمرة. لا تثريب عليك، وفقكم الله.

بعد أشهر أصابته الحالة «قل أيها الرجل الطيب ماذا دهاك»؟ اعذروني عن التأخير ساعة؛ لأني تورطت في زحام مروري حينما توجهت لشراء مصوغات ذهبية لأرسلها لزوجتي التي تجهز لزواج ابنتنا الكبرى؛ إذ إن العادات عندنا أن أهل البنت المسلمين يجهزونها لزوجها، وعند غير المسلمين هي التي تدفع المهر أيضاً! أعانك الله، وما مشروعك المقبل؟ بدأتُ منذ مدة بجمع جهاز التي تليها. تعجبوا من جده ومثابرته وإخلاصه لأسرته ووالديه.. لكن كيف يغطي هذه المصاريف الثقيلة على من هو مثله؟ اكتشفوا أنه يوم إجازته يرتبط بمواعيد عدة للعمل في المنازل في السباكة والكهرباء وما يستطيع عمله. حسناً، كيف تعلمت هذه المهنة؟ من عمال الشركة؛ كنت أراقب عملهم وأسألهم، وهم لا يبخلون علي بالمعلومات بحكم علاقتي الطيبة معهم؛ فأنا صديق للجميع، ولا أؤذي أحداً.

وهل تكسب جيداً من هذا العمل؟ أنا لا أشترط، وحين أنهي عملي أقول لصاحب العمل ما تمده لي فهو نعمة وفضل من الله، وأشهد أن أكثر السعوديين كرماء مع من يعاملهم بصدق وأمانة، بل إنهم يطلبون هاتفي للاتصال بي لحجز موعد أيام العطل الأسبوعية حينما يحتاجون لخدمتي، ودخلي يزيد كل يوم.

قابلت الرجل ذات يوم كأي إنسان يحتاج لخدماته، ومن الفضول أو (اللقافة) التي اعتادها من عمل في الصحافة دخلت معه في حديث عن عصاميته ومثابرته لكسب الرزق خدمة لنفسه وأسرته، خاصة والديه، فمما قال (بعد التصحيح والتنقيح وتعديل الكلمات المقلوبة وتجبير المكسور): إن في بلادكم خيراً كثيراً لمن أوتي البصيرة والتفكير السليم في مصالحه دون اكتراث بكلام الناس وعقدة العيب الاجتماعي، مع القناعة بتبدل المفاهيم وتغير الثقافات، وإن واقع الحال هنا مع تطور المملكة يُلزم الشاب أن يكون مرناً إلى حد يلتقط به لقمة عيشه، وتكوين نفسه، والتجرد من عوالق ثقافية اجتماعية يتجاوزها الزمن ويُصِر على التمسك بها فئات من الناس كقيم اجتماعية، حتى وإن كانوا يعتزون بها فهي لا تصلح للزمن الحاضر، ولا تضيف لحساباتهم الريالات. سألته: أنت حَجَجْت بوالديك وزوجتك، وزوّجْت بناتك، وحققت لهم بعض الأماني، فماذا بعد؟ أجاب: أنهيت مؤخراً إنشاء عمارة من ثماني شقق، وأجرتها بالكامل، غير منزلي الخاص.

@alialkhuzaim

مقالات أخرى للكاتب