08-10-2014

توقيت التصريح

) رب كلمة قالت لصاحبها دعني، عبارة تعد مما أثر عن العرب وتناقلوها على مر العصور، ووظفوها في كثير من المواقف والأحداث في كتب الأدب والتراث بصفة عامة، وعند العرب من الحكم، والأمثال، والأشعار ما هو أبعد من ذلك وأبلغ، للحساسية المفرطة بينهم في كل شيء، ولهذا فالكلمة في المجتمع العربي قد تودي بحياة قائلها، هم من أجل ذلك كثيراً ما يستشهدون في هذه الأبيات، للتحذير من الكلمة في غير مكانها، وفضل الصمت حينا:

يموت الفتى من عثرة بلسانهِ

وليس يموت المرء من عثرة الرجلِ

فعثرته بالرأي تودي برأسه

وعثرته بالرجل تبرا على مهلِ

) من المستحسن، وحتى لا تقع تحت تأثير العاطفة ألا تكتب، أو تناقش قضية إلا بعد هدوئها، حتى لو افتقد المقال بعض أهميته ورواجه عند القارئ، الأهم دائماً في المقال الأمانة والاتزان في الطرح. هذه المقدمة جرني إليها تصريح رزين وهادئ من أحد المسؤولين في حديثه عن (رفاهية المواطن السعودي)، ولكي نكون منصفين، فإن المواطن السعودي ينعم بحياة لا مثيل لها، من حيث الأمن والاستقرار. والأمن الملموس عندنا من أكبر النعم على الإنسان، وهو المفتاح الحقيقي لأي رفاهية في كل مجتمع، أما ما عداه من وسائل فهو مكمل له.

) الإشكال في القضية، أو الموضوع هو (توقيت التصريح) أمام وسائل الإعلام، فقد صدر متزامناً مع انتظار الشعب السعودي للقضاء الشرعي في أن يقول كلمته في أكبر أزمة يمر بها ألا وهي (أزمة الإسكان)، حيث كانوا يعقدون آمالاً كبيرة على (هيئة كبار العلماء) بالموافقة على فرض رسوم على الأراضي البيضاء، ولا سيما أن هذه المؤسسة الدينية مستقلة تمام الاستقلال، فالإسكان أصبح مشكلة وهما مؤرقا للجيل الحاضر، وجيل المستقبل، ولا سيما الشباب الذين يشكلون ما نسبته 70% من عدد السكان، وكانوا في ترقب تام، لأي قرار، أو فتوى، أو خبر لمعالجة الأزمة التي نبعت من خطأ استراتيجي، أو سلوك إداري، أو نحو ذلك، ولهذا تأجيل البت فيه من (هيئة كبار العلماء) شكل صدمة لديهم، دون أن يستوعبوا سبب التأجيل، وأبعاد إحالته لمجلس (الاقتصاد الأعلى) التي تتجه إليه الأنظار، بوصفه في الوقت الحالي الأمل الوحيد، ولاسيما أنه برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، المعروف بمدى حبه، وحنانه، وشفقته، وحرصه على المواطن ورفاهيته، ولهذا عد البعض إحالته خطوة إيجابية وبداية انفراج. إذن أسبوع ساخن تزامن معه تصريح خالف ذلك الهاجس الكبير الذي أصبح وأمسى حديث المجالس في حينه، هذا من جهة، من جهة أخرى قد تثير بعض التصريحات حفيظة مؤسسات حكومية أخرى حملت أمانة هذا الملف بكل مشكلاته، وهمومه وتعقيداته، وأثارته في عدة محافل، ولقاءات، ومنتديات، فيفاجأ المسؤول بتصريحات يحس أنها مقصودة ضد سياسته، أو تطعن في مصداقيته في تحجيم المشكلة التي هي بالفعل حديث الرأي العام.

) في اعتقادي لو أن (وزارة التخطيط والاقتصاد) وهي من الوزارات التي أصبح ينظر لها المجتمع السعودي بشيء من التفاؤل في مرحلتها الحالية، أقول لو أنها تبنت القضية مع شقيقاتها من مؤسسات الدولة، كوزارة الإسكان، والعدل، وحاولت الحضور مع (هيئة كبار العلماء) وكان لها كذلك الحضور القوي أمام الرأي العام لكان التصريح المشار إليه على المواطن أخف في وطأته.

) مع ذلك الزخم الكبير والسخط سأظل متفقاً مع من يشير إلى أن الرفاهية، ورغد العيش التي يعيشها المواطن السعودي لا يقارن بها شعب من الشعوب إلا النادر، وكم كنا متخوفين من عواقب ذلك الرخاء إذا لم نقابله بالشكر للخالق أولاً، وللحكومة الرشيدة ثانياً، ونخشى أشد الخشية إذا لم نحسن استثمار هذه الظروف في بناء الإنسان واستثمار طاقاته أن يكون لذلك آثار سلبية كبيرة على مجتمعنا في الأمد البعيد.

dr.alawees.m@gmail.com

dr_alawees@hotmail.com

مقالات أخرى للكاتب