قصة قصيرة

نهاية

(1)

تسميه الرجل النبيل، ويسميها في نفسه الحبيبة القريبة البعيدة. كل مساء تتصل به في تمام العاشرة، تقرأ عليه نصاً قصصياً قصيراً، يستمع إليه بشغف يصفق لها بإعجاب، لكنه يعترض دائماً على النهاية؛ «هذه النهاية لا تصلح غيريها» «النهاية يا هدى يجب أن تكون حادة وصادمة» «القارئ لا ينتظر نهاية عادية، يريد نهاية مفاجئة، نهاية تدهشه».

في البدء قرأت كتاباته النقدية، فرأت فيها روحاً علمية تعرف كيف تنفذ إلى عمق النصوص القصصية، فقررت أن تتصل به لتعرض عليه نتاجها؛ لكنها أبداً لم تكن تتوقع أن تستدرجها الحكاية إلى هذه النهاية.

وفي البدء أيضاً استقبل مكالمتها الأولى بحذر تعوده، وقطع عليها مديحها لكتاباته أكثر من مرة، لكنه كان يلمس في صوتها دفئاً غريباً، ويستشعر في كلماتها صدقاً حقيقياً وللمرة الأولى في حياته يسمح لامرأة أن تستدرجه وتسمعه نصها، كان دائماً يعطي رقم فاكسه، أو يرسل إيميله، وينتظر النصوص ليقرأها ثم يبدي رأيه فيما بعد. لكنه مع هدى استسلم بسرعة، ولم يندم أبداً، إذ وجد نفسه أمام كاتبة حقيقية، تمتلك موهبة فذة، ورغبة في التعلم، وروحاً بريئة، وأيضاً لم يكن يتوقع أن تقوده الحكاية إلى هذه النهاية.

(2)

خمس سنوات من الشغف والتصفيق والإعجاب، ولم يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام. أومأت كثيراً في قصصها إلى أن الإعجاب تحول إلى حب، وفي كل مرة يتعامل مع نصوصها ببرود الناقد، وفي كل مرة تقرر أن تتوقف عن الاتصال به، وحين تقترب عقارب الساعة من العاشرة مساء، تشتعل أطراف أصابعها، وتظل تقاوم رغبة جارفة في الضغط على أرقام هاتفه، تقترب من الهاتف وتبتعد، تقترب وتبتعد، وتقترب تقترب تماماً كالمدمن، وحين تضغط آخر رقم تتمنى لو أنها لم تفعل، تتمنى ألا يرد، فيفاجئها صوته الأجش : أهلاً هدى، ماذا لدينا هذا المساء؟!

تعجبها صيغة الجمع هذه، تسعدها، تشعرها أن هناك شيئاً مشتركاً بينهما، شيئاً نما وتطور، وتحول، تدركه في نفسها تماماً، وتستشعره في صوته، في خطابه الذي سحب منه كلمة الأخت هدى، وأصبح يناديها هدى بلا ألقاب بل يتلذذ كثيراً بنطقه: «شوفي هدى... لحظة لحظة هدى غيري هذه الكلمة... يا هدى هذا النص مختلف تماماً عن كل نصوصك السابقة... هدى توقفي لحظه، أعيدي المقطع الأخير... رائع رائع يا هدى...» منذ متى حدث هذا التحول؟ منذ متى حذف كلمة الأخت، وتحول من ضمير المفرد إلى ضمير الجمع؟ منذ متى ؟ استغرق خمس سنوات ليقترب منها هذه المسافة البعيدة، فهل سيستغرق خمس سنوات أخرى ليقترب أكثر، وهل سيستغرق خمساً أخرى ليعترف أنه يحبها؟ كم تبقى من العمر لتصل إلى هذا الاعتراف؟ وكم سيتبقى من عمره هو؟

تدرك أنها بذلت كل ما في وسعها، كل شيء تقريباً يقول بوضوح إنها تحبه: نصوصها، صوتها، موعدها الليلي الذي لا تخلفه أبداً، فماذا يريد أكثر من ذلك؟ لا تستطيع أن تتقدم أكثر، وهو لم يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، ما الذي يخيفه؟ ما الذي يجعله متردداً إلى هذا الحد؟

خمس سنوات لم يسألها حتى عن اسمها كاملاً، عن عائلتها، هل هي متزوجة أم لا « كما يفعل المشرفون على الصفحات الثقافية حين تتصل لنشر نصوصها» لم يقل لها ولا مرة إن صوتها جميل، لم يقل لها ولا مرة إنه ينتظرها مع أنه يرد قبل أن يكمل الهاتف رنته الأولى، ماذا ينتظر وكل شيء فيها يقول إنها تحبه بشغف، هل يتلذذ بعذابها أم يتلذذ بتعذيب نفسه؟ لماذا ظلت هذه المسافة الفاصلة بينهما على الرغم من كل هذا القرب؟!

أسئلة حائرة تعلقها في المسافة القريبة البعيدة بينهما، تملأ بها فراغ انتظار الساعة العاشرة ولا تسألها أبداً، تنتظر... تنتظر فقط أن يحسها بنفسه.

(3)

قبل العاشرة مساء بربع ساعة يدخل مكتبته، يقفل الباب بإحكام، ويعود ليتأكد أكثر من مرة بأنه مقفل ، يجلس إلى مكتبه، يتظاهر بأنه يكتب، يمسك القلم، يحركه على الورقة البيضاء، ولا يكتب شيئاً، عيناه وقلبه، وتفكيره كلها تحوم حول الهاتف إلى جواره، وحين تدق العاشرة، يرن الهاتف، فترقص طيور، وترفرف أجنحة، وبلهفة العاشق المنتظر يرفع السماعة : أهلاً هدى...

هل قرأت نبرة الشوق العالية في صوته؟ هل أحست بوجيب قلبه وارتعاش يديه؟ منذ متى بدأ هذا التحول؟ منذ متى بدأ يرتجف وهو يكلمها؟ منذ متى بدأ يتخفى بمكالماتها ويوصد أبوابه؟

كان يدرك أن شيئاً كبيراً حدث في علاقته بهدى ، لم تعد علاقة المعلم بالمتعلم ولا علاقة المستشار بالمستشير، صوتها تغير، نبرتها، نصوصها ، رسائلها القصيرة في الجوال التي تبدؤها عادة بـ»صباحك سكر، مساؤك سعادة ، صباح الأمل، مساء الشوق» النصوص المقتبسة التي تختارها، هو أيضاً تغير، فرحه برسائلها، ردوده، إعجابه، انتظاره المتلهف، إحاطة مكالماتها بهذا الحذر والسرية، هل أحبها؟ لا يريد أن يعترف لها ولا لنفسه، لكنه يدرك الآن أن العلاقة لم تعد كما كانت، شيء ما يضطرب في داخله، في كل مرة يوشك أن يقوله ينتظر أن تقوله، لكنهما لا يقولانه أبداً. ما الذي يخشاه؟ ما الذي يجعله متردداً إلى هذا الحد؟ هل يخاف على صورته النبيلة التي رسمتها له أن تخدش؟ كانت دائماً تحدثه عن المثقفين الذين يتخيلون في مكالمة أي أنثى تحدثهم دعوة لعلاقة، ويبدأون في نصب شباكهم، ذكرت له أسماء يعرفها جيداً، وفي كل مرة تؤكد له أنه مختلف، لكنه الآن بدأ يغرق في بحيرة الحب الدافئة، ومع هذا لا يريد أن يعترف ، صورته أمامها ، صورته أمام نفسه ، صورته أمام زوجته التي تستمع إلى جل مكالماته مع طالباته، وتحترق غيرة، لكنها تقول في نفسها هذا جزء من عمله وتتصبر مرغمةً، وفي نفسها بعض الاطمئنان، هل قتلت هدى هذا الاطمئنان ؟ بالتأكيد فعلت، يلمس هذا في سخرية زوجته حين تتصل وتجد هاتفه مشغولاً لفترة طويلة ولا يرد، فترسل له رسالة قصيرة: «صباحك سكر...»

الليلة وهو ينتظر مكالمتها، كان يشعر أن شيئا ً ما سيحدث ربما تقول ما تخشى قوله ، وربما يبدأ هو... ربما....

(4)

كان صوتها مختلفاً وهي تقرأ عليه آخر نص؛ لم تقل له مساء الهنا، بدأت مباشرة في قراءة نصها:

«كل صباح تستيقظ على أنغام طرقة المتصل على زجاج نافذتها، الساعة السادسة تماماً طق.. ططق ططق.. طق ططق ططق... فتنهض مبتهجةً، تزيح الستارة بحذر حتى لا يشعر بها ويطير، تنظر إليه بإعجاب من خلف الستارة، وهو يتشبث بأطرافه الناعمة في حديد النافذة ويمد منقاره إلى الزجاج وينقر، لابد أنه يرى صورته في الزجاج العاكس فيظنها عصفورة أخرى، ويبدأ في تقبيلها، إذا فنقره قبلات، تبتسم للفكرة، وتتمنى لو تفتح النافذة، وتأخذه في أحضانها، وتمسح على رأسه، وتمسَّد ريشه الملون وتمنحه قبلات حقيقية، وحضناً دافئاً، وحباً يبحث عنه، لكنها تؤجل الفكرة خشية أن تفقده، وتكتفي باستهلال صباحها بريشه الملون وعزفه الخاص على زجاج نافذتها.

خمس سنوات وهي تستيقظ على قبلات الطائر العاشق الحذر، منذ أن انتقلوا إلى بيتهم الجديد هذا، وطائرها الملون لا يخلف موعده، الساعة السادسة تماماً يبدأ في إرسال قبلاته، طق، ططق ططق، طق ططق ططق.

حين سمعت الطرق للمرة الأولى نهضت فزعة، استوت في سريرها وأخذت في التلفت بحثاً عن مصدر الصوت، لم يكن من جهة الباب، أصاخت سمعها جيداً، كان الطرق يتوقف قليلاً ثم يعود، تبينت أنه من جهة النافذة، فكرت، كيف يمكن لشخص أن يصعد إلى الدور الثاني ليطرق نافذة بهذا العلو؟ من يكون؟ لابد أنه عاشق، ولكن من هذا العاشق الذي رآها وهي لم تكمل يوماً وليلة في بيتهم الجديد؟ هل رآها أحد البارحة وهي تقف في النافذة لتملأ رئتيها بهواء الحي الجديد؟ لقد أقفلت أضواء الغرفة تماماً قبل أن تقف في النافذة، تذكرت فيلماً مصرياً تعذر على البطل الوصول إلى حبيبته، فأحضر سلماً طويلاً تسلقه وطرق عليها النافذة، وحين فتحت النافذة دفعت السلم فسقط الحبيب المغامر... ضحكت في سرها وهي تفكر أن الموقف ربما يتكرر. تحركت بخطوات حذرة باتجاه النافذة، أزاحت الستارة برفق وترقب، فرأته من خلال الزجاج العاكس، يتشبث بأطرافه الناعمة بحديد النافذة، ويمد منقاره وينقر : طق.. ططق ططق...

ابتسمت لصباحها الأول في بيتهم الجديد، ورأت في هذا العصفور الذي أيقظها فألاً حسناً ربما يكون بشارة بالحبيب المنتظر، ربما يكون بشارة بأيام من السعادة، ومنذ ذلك اليوم وهي تستيقظ على أنغام طرقه المتصل كل صباح، ومنذ ذلك اليوم وهي تضع له كل مساء كأسين أنيقين خلف النافذة في أحدهما ماء وفي الآخر بعض حبوب الذرة، لكنه لم يقترب ولو مرة واحدة من الحب ليأكل ولا من الماء ليشرب، في كل مرة يأتي ليقبل نفسه في الزجاج العاكس ويمضي، لم يكن يرها، لم يشعر بها، لم يلمس كل ما تقدمه له، لم يكن يرى إلا صورته يقبلها ويمضي.

هذا الصباح قررت أن تستدرجه إلى غرفتها، تركت الستارة مفتوحة، واربت النافذة ووقفت إلى جوارها بانتظاره. وصل في موعده الثابت، وقف على حديد النافذة نظر إلى حيث تعوّد أن ينظر، رأى عصفورته الأثيرة تهتز، شعر بتغيّر ما، تلفت يمنة ويسرة عاود النظر إلى الأمام، فرأى شيئاً يمتد إليه... وبسرعة متناهية حلق بعيداً في الفضاء دون أن يلتفت.

كانت قد أعدت نفسها لهذه النهاية، سحبت كأسيها المملوءين بالماء والحبوب إلى الداخل، فتحت النافذة تماماً، وبدأت في إلصاق الأوراق السوداء العازلة لتلغي الصورة المنعكسة في الزجاج، وأقفلت النافذة تماماً، ثم سحبت من تحت سريرها لوحاً خشبياً مقصوصاً بعناية، أخرجت الشاكوش والمسامير، ألصقت اللوح الخشبي فوق النافذة، وازنت أطرافه، وبدأت تدق مساميرها».

ساد صمت ثقيل قبل أن يصرخ بإعجاب:

الله!! رائع يا هدى؛ هكذا تكون النهاية. نص محكم، ونهاية مدهشة، رائع يا هدى رائع لم تقل شيئاً، لم يسمع سوى صوت نشيج متقطع، وسماعة تقفل بهدوء يائس.

- د. حسن حجاب الحازمي