28-10-2014

محمد بن نايف.. حديث أمانة الدين وأمان الوطن

يمرُّ بنا هذا العام الهجري الجديد 1436هـ الذي دخلنا أبوابه، بعد عشرين عاماً من أول حدث إرهابي في المملكة الذي تتابع بعده أحداث إرهابية رسمها وخطَّط لها نفر من الغلاة، ضعيفو النفوس، وكارهو التنمية، وفيروسات الوحدة الوطنية من الخارج والداخل. وأبدع في تنفيذها بعض أبنائنا الذين ضلُّوا وأضُّلوا. نَعَمْ إنّ تلك الفئة الباغية، كانت السبب وراء الأحداث الإرهابية التي مرت بهذا الوطن.

الذي ظلّ -ولله الحمد والمنّة- شامخاً بقيادته وبأبنائه المخلصين، فلم يستسلم ولم يخضع، بل مارس الدفاع عن كيانه وحماية مقوماته التنموية بكل ما يملك من مقومات القوة الحقيقية.

رجل الأمن الأول في هذا الوطن الكبير (المملكة العربية السعودية) صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية -سلمه الله- من أولئك الذين شملهم صفات الخطاب الملكي الذي ألقاه سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود -أيده الله- لما كان وقتئذ ولياً للعهد مساء يوم الخميس 6 جمادى الأولى 1425هـ الموافق 24 يونيو 2004م: «لا يشتد العزم عند الرجال المخلصين لربهم ثم لوطنهم إلا بالتوكل على الله القائل جل جلاله: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ}.. وهو الرجل الذي لعب دوراً يعتبر الأبرز في مكافحة الإرهاب، ليس على الصعيد المحلي بل على الصعيد الدولي؛ الأمر الذي أعطى المملكة الدور الريادي في محاربة الإرهاب.. وهو الرجل الذي تعلَّم من والده الأمير نايف -رحمه الله- صناعة الأمن والأمان، والاتزان في الحاضر ومراحل المستقبل.

«خادم الحرمين استشعر واجبات الدين وإنسانية الضمير والوعي بخطر الإرهاب وتنظيماته على العالم دون استثناء» بهذه الكلمات الفولاذية في مواقف عزمها، الذهبية في مضمونها، المدركة لواجباتها، بدأ الخطاب الأميريّ في معرض رِّده على أسئلة الإعلاميين عقب وقوفه يوم الاثنين 6 من ذي الحجة 1435هـ الموافق 30 سبتمبر 2014م على استعدادات الأجهزة المعنية بشئون الحج والحجاج المشاركة في تنفيذ الخطة العامة لموسم حج عام 1435هـ، وذلك بحضور صاحب السمو الملكي الأمير منصور بن متعب بن عبدالعزيز وزير الشئون البلدية والقروية، وصاحب السمو الملكي الأمير خالد بن بندر بن عبدالعزيز رئيس الاستخبارات العامة، وصاحب السمو الأمير الدكتور خالد بن فيصل بن تركي وكيل الحرس الوطني للقطاع الغربي، وصاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبدالله بن عبدالعزيز أمير منطقة مكة المكرمة رئيس لجنة الحج المركزية، وصاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة المدينة المنورة رئيس لجنة الحج بالمنطقة، وأصحاب المعالي أعضاء لجنة الحج العليا، وأعضاء لجنة الحج المركزية وقادة القطاعات الأمنية وكبار المسؤولين في وزارة الداخلية.

ما إن سمعْتُ هذه الكلمات الدافقة، إلا وارتسمتْ في ذاكرتي زاوية من زوايا الأقوال التي سايرتها الأفعال التي تتمثل فيها عمق المبادئ والمُثل والقيم والمنطلقات الدينية والسياسية والثقافية والحضارية والإستراتيجية التي يسير وفقها وطننا الأبي -أعزه الله وأدام أمنه-. فها هو خادم الحرمين الشريفين يقول في آخر المواقف وأشجعها وأجرئها وأصدقها وفي كلمة استمع إليها العالم العربي والإسلامي والمجتمع الدولي أجمع باهتمام كبير يوم الجمعة 5 شوال 1435هـ الموافق 1 أغسطس 2014م، والتي جاءتْ بلهجة صارمة وبصراحة تعكس شعور مقامه الكريم بالضيق من تعاطي المجتمع الدولي مع القضايا الخطيرة في المنطقة بل مشاركته فيها إما بالتحريض أو الصمت المستهجن والمزري مما تسبَّب في تلك المعاناة التي يعيشها الوطن العربي ودخل بها في نفق مظلم ليس له نهاية؛ حيث جاء نداءه بقوله: «من مهبط الوحي ومهد الرسالة المحمدية أدعو قادة وعلماء الأمة الإسلامية لأداء واجبهم تجاه الحق جل جلاله، وأن يقفوا في وجه من يحاولون اختطاف الإسلام وتقديمه للعالم بأنه دين التطرف، والكراهية، والإرهاب، وأن يقولوا كلمة الحق، وأن لا يخشوا في الحق لومة لائم، فأمتنا تمر اليوم بمرحلة تاريخية حرجة، وسيكون التاريخ شاهداً على من كانوا الأداة التي استغلها الأعداء لتفريق وتمزيق الأمة، وتشويه صورة الإسلام النقية».. وقال: «اليوم نقول لكل الذين تخاذلوا أو يتخاذلون عن أداء مسؤولياتهم التاريخية ضد الإرهاب من أجل مصالح وقتية أو مخططات مشبوهة، بأنهم سيكونون أول ضحاياه في الغد، وكأنهم بذلك لم يستفيدوا من تجربة الماضي القريب، التي لم يسلم منها أحد.. اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.. اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد..{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}.. وهي الكلمة التي قال فيها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية -سلمه الله- في نفس مشهد الاستعداد ذاك : «إنّ كلمة الملك عبدالله التي وجّهها أخيراً للأمة العربية والإسلامية وللعالم أجمع أوضحت حقائق الأمور بعدما صمت العالم على جرائم الجماعات الإرهابية والدول والمنظمات التي تمارس تلك الجرائم وتدعم وتمول تلك التنظيمات».

خلال السنوات الماضية تعرّضت المملكة لهجمات إرهابية لكنها تجاوزتْ آثارها بكل حكمة واقتدار، وفشل الإرهاب في تعطيل هذه المسيرة الخيرة. كما فشل في الإخلال بعلاقات المملكة المزدهرة مع العالم من حولنا. فتتابعتْ تدفّقات الخير والنماء على هذه الأرض الطيبة رغم تلك المؤامرات الدنيئة؛ حيث القناعة الراسخة بأنّ المولى عزّ وجل يحفظ أمن هذا الوطن. وفي هذا الباب قال سموه -حفظه الله- بقول الفخر والعزة: «الأجهزة الأمنية السعودية واجهت بكل قدرة واقتدار مئات العمليات الإرهابية بتوفيق الله ثم بخبرة وكفاءة وجهوزية أجهزة الأمن السعودية، وقدمت المملكة العربية السعودية بذلك تجربة أمنية هي محط تقدير العالم واستفاد منها الكثير من الدول في مواجهة الإرهاب».

وبما أنّ مشهد الدولة اليمنية يشيع حالياً فيه معارك عنيفة هي «الأسوأ» من نوعها منذ بدء التحركات في الشارع اليمني ضد نظام الرئيس السابق، علي عبدالله صالح، الذي اضطر إلى التخلي عن السلطة لصالح نائبه عبد ربه منصور هادي، بعد ضغوط دولية وخليجية كبيرة. فلم يكم المشهد ذلك غائباً عن سمو الأمير إذ قال: «يؤسفنا ما آل إليه الوضع في اليمن الشقيق الذي يضر بمصالح الشعب اليمني ويعطي للقاعدة التي تتمركز عناصرها في اليمن وللحوثيين مجالاً لتعريض أمن اليمن ودول الجوار للخطر».. وهي نظرة لا يدانيها نظرة.

وفي هذه اللحظات أيضاً يترافق مع وقفة التاريخ: صوت وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز عبر وسائل الإعلام، ليعلن وبكل جرأة متجاوزاً عملية السكوت والصمت بأنّ: «.. تنظيم داعش لم يتكون بشكل عشوائي وإنما برعاية دول وتنظيمات بكل إمكاناتها ونواياها السيئة، وسنواجه بحزم هذا التنظيم وغيره.. وفيما يتعلق بالتحالف الدولي ضد داعش فهذا مطلب ملح وهذه التنظيمات تمارس إرهابها في مناطق إستراتيجية ومهمة، وترك هذه التنظيمات تعمل دون عقاب ومواجهة حاسمة خطر يتهدد قواعد الأمن والسلم الدوليين».

وفي حلكة هذه اللحظات الأكثر ظلاماً في التاريخ الحديث الذي فاق مرحلة الدهشة وعدم الاستيعاب، يجيء صوت الأمير شمعة يحاول ضوؤها أن ينتشر إلى آخر هذا النفق الحالك، الذي جرَّتْ أولئك الشرذمة الشريرة كل أفعالهم النكراء إلى أعماق الظلام، حيث قال: «هناك من يستغل تصرفات بعض من يدعون الانتماء إلى الإسلام، في حين يخالفون نهجه وتعاليمه ويسيئون بأعمالهم الإرهابية إليه وإلى المنتمين إلى هذا الدين العظيم».

ثم رسم -يحفظه الله- إطاراً واضحاً ومحدداً لهذه المواجهة الصريحة بحروف مضيئة بنورها، وكالشمس وضوحاً وبياناً: «نحن واثقون كل الثقة بأجهزة الأمن ورجالها المخلصين وتعاون المواطنين وتجاوبهم مع ما يتطلبه أمن وطنهم وسلامتهم واستقرارهم» وقال في توضيح آخر: «نحن قادرون بحول الله وقدرته على حماية حدودنا مع اليمن وصيانة أمننا، وهذه التنظيمات تعلم جيدًا حزمنا وعزمنا تجاه كل من تسول له نفسه المساس بأمننا واستقرارنا وكما يقال لكل حادث حديث».

ومن بين ثنايا كلام سموه الكريم يأتي التذكير بالنعم التي أنعم الله بها على هذا الوطن الماجد، الذي سيظلّ بإذن الله تعالى آمناً بحفظه ورعايته ثم ارتباط أهله الوثيق بتعاليم الشريعة السمحة وبوحدته الوطنية التي تتعالى فوق الصغائر، وتَقْوَى بالتلاحم والتعاضد والتكاتف والتعاون. وهو المنهج الذي بدأه الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيّب الله ثراه- وأكمله أبناؤه الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد ويسير عليه -الآن- خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود -ألبسه لباس الصحة والعافية-، وعضديه ولي العهد الأمين ووليّ ولي العهد.. حيث قال : «المملكة ولله الحمد وهي تعيش ذكرى توحيدها على يد المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- ومرور 84 عاماً على إعلان وحدتها نعمت خلال هذه المسيرة المباركة بأعلى درجات الوئام والتلاحم والتراحم فيما بين أبنائها وبينهم وبين قيادتها واتجاه وطنهم ولهذه الوحدة أسبابها ودواعي استمرارها وهي أنها قامت على أساس من العقيدة الإسلامية والأخوة في الدين والتوحد في الهدف والعلاقة الواضحة بين القيادة وأفراد المجتمع.. كل فرد سعودي يشعر بالوحدة والتضامن مع إخوانه من أبناء هذا الوطن مما عزز ولله الحمد الاستقرار بين أبناء الشعب السعودي الكريم وقوى أواصر الأخوة والشعور بالمصير المشترك وتنامت لديهم مشاعر الإحساس بوحدة الوطن واستشعروا بأن التماسك والوحدة الوطنية هي المقوم الأساس لأمن وطنهم واستقراره وتطوره وازدهاره ولذلك ظلت المملكة بمنأى عن تأثير الأوضاع والأحداث المحيطة بها، ونسأل الله أن يديم علينا نعمة الأمن والاستقرار».

هذه مقاربة تفاعلية لبعض ما ورد في نصِّ تصريحات سمو وزير الداخلية، ومازالت أصداؤه تتردد في مجالسنا ومنتدياتنا الوطنية؛ لما تشكِّلُه من المنهج الواضح لسياسة المملكة العربية السعودية، وحكايتها الآفاق الدينية والإنسانية والحضارية والخلاّقة.

أسأل الله الكريم أن يحفظ أمتيْنَا العربية والإسلامية من كل شر، وأنْ يعجِّل بصلاح الحال والمآل، وأنْ يكتب الخير والصلاح للإنسانية جمعاء، كما أسأله تعالى أن يحفظ وطننا الشامخ، وأن يسبغ نعمه عليه، وأن يسدد على طريق الخير والصلاح والتوفيق والتأييد مسيرة قادتنا وولاة أمرنا.

Twitter: @alshamlan641

مدير الإعلام التربوي بإدارة التربية والتعليم بمحافظة وادي الدواسر

مقالات أخرى للكاتب