مرفت بخاري
عندما نفقد شغف الحوار ونصبح غير مكترثين بالأحداث في محيطنا، ويصبح الليل كالنهار ويتساوى الشعور، فلا يحركنا ساكن، ولا يهمنا غياب، ولا يبهجنا حضور، وكأننا أجساد بلا روح؛ لا عيون تدمع، ولا قلوب تخشع... حينها فقط نكون قد أصبنا بقسوة القلب، وهو أشد أمراض القلوب فتكًا بنا.
داء عضال لا يفرق بين الحاجة والاكتفاء، هو أشد اختبار قد نشهده في حياتنا.
ولا يُكرم المرء فيه على الإطلاق، ولا يُضره ذلك لأنه ببساطة لم يعد يهتم لآراء الغير فيه. فالمدح والذم خارج نطاق اهتمامه، وسيّان كل ما في الحياة، سيّان.
قد تبدأ القسوة من خيبة مصير، من ألم كتب علينا أن نغلفه بيقين، أو من شعور بالخذلان تكرّر حتى أصبحت الروح تتقن الصمت أكثر من البوح. وقد تكون تراكمات لمواقف صغيرة، لكنها ظلت تضرب نفس المكان في القلب حتى تجبّر وتكلّس. ومع مرور الوقت، يتسلل هذا الشعور الصامت، ويبدأ الشخص في عدم الانتباه إلى أنه تغيّر. فالحزن يصبح مملًا، والفرح بلا طعم، حتى تصير الحياة مجرد سلسلة من الأيام المتشابهة يسكنها البرد في لهيب الصيف.
حين نغرق في هذا الصمت، وهذا البرود واللامبالاة، نلاحظ أننا لا نحرّك مشاعرنا كما كان في السابق. لا نتحسس لحظات الفرح ولا نجد أنفسنا في لحظات الحزن. نشعر أن كل شيء حولنا قد أصبح بلا معنى، وتصبح جميع التفاعلات وكأنها تجرى في عالم لا ننتمي إليه ولا يشبهنا. حينها فقط ندرك حجم الوجع والحسرة وضياع العمر سدى، بلا هدف، بلا قيمة. نكتشف أن نسختنا الجديدة بإصدارها الحالي ترفضنا شكلًا ومضمونًا.
وقد تأتي اللحظة التي تنكشف فيها الذات أمام نفسها، ولكنها تظهر في لحظات ضعفها، حين نكون أقل دفاعًا وأكثر عرضة للانكسار. قد تكون أمام مشهد بسيط في التلفاز، أو طفل صغير يبكي، أو حتى أغنية قديمة تحرك فينا شيئًا غائبًا. نذرف الدموع فجأة، لا لأنها ترتبط بما يحدث أمامنا، بل لأنها ترتبط بما يكمن في أعماقنا. فنحن لا نبكي على المشهد، بل نبكي على أنفسنا التي نسينا كيف كانت، وعلى اللحظات التي لم نحتسب فيها شعورنا، وعلى الروح التي دفناها تحت ركام الأيام.
ثم تبدأ العودة الخافتة، ببطء شديد، كما لو أن القلب يتلمس طريقه بين الظلال. قد تكون خطوة بسيطة، مثل ابتسامة حقيقية تظهر لأول مرة بعد وقت طويل، أو لمسة يد تلامس يد شخص آخر دون حساب. نسمح للحزن بأن يمر دون أن يبقى، ليغسل ما تراكم في داخلنا من آلام. هذه ليست بداية الشفاء، لكنها خطوة أولى نحو الحياة مرة أخرى.
بيننا وبين أنفسنا، نكتشف أن القسوة ليست نهاية، بل مرحلة عابرة. قد لا يعود القلب كما كان، ولكن هذا لا يعني أنه توقف عن الشعور. ربما أصبح أكثر انتباهًا، وأكثر قدرة على استقبال الحب والألم. قد لا يعود كما كان، ولكنه يظل حيًا، قادرًا على النبض، قادرًا على أن يشعر. تلك هي الحياة، دائمًا قابلة للعودة، دائمًا قابلة لأن تُكتب من جديد.
تظل القسوة مرحلة عابرة، مهما طالت، فهي جزء من الرحلة التي نعيشها. قد نعتقد في لحظات معينة أننا فقدنا قدرتنا على الشعور، وأن القلب قد توقف عن النبض، لكننا نكتشف أنه ما زال فينا مكان لنبض جديد، ينبض في صمت، وبخجل ربما ولكن بقوة. حين نتوقف عن مقاومة مشاعرنا، نسمح لأنفسنا أن نعيش من جديد، أن نتنفس الحياة بكاملها، بما فيها من ألم وفرح.
لا تعود الحياة إلى ما كانت عليه، ولكنها تصبح أكثر صدقًا مع نفسها ومعنى. نبدأ في قبول ما مررنا به، وفي احتضان كل لحظة جديدة بثقة أكبر، لأننا نعلم أن القلب، رغم قسوته أحيانًا، يظل قادرًا على النبض. ومن هنا، يبدأ كل شيء من جديد فاستودعوا قلوبكم من قسوتها واحذروا بأن تتجمد الدماء في العروق فلا مكان لنا بين الناجين.
كونوا بخير..