د. إبراهيم بن جلال فضلون
«الطعام رزق، فلا تهدره»، مثل مأثور وحكمة ورثناها عن أجدادنا، تحمل في طياتها رسالة واضحة عن قيمة الطعام وأهمية الحفاظ عليه. لكن، للأسف، في عالمنا اليوم، حيث تتسارع وتيرة الحياة وتزداد التحديات الاقتصادية والبيئية، يظل موضوع الفقد والهدر الغذائي من القضايا التي تستحق وقفة تأمل عميقة لا سيما في ظل العادات الاجتماعية التي تُعلي من قيمة الكرم والضيافة، فتخيل معي، كم من الطعام يُنتج يوميًا حول العالم، وكم منه يذهب هباءً دون أن يستفيد منه أحد؟
في المملكة العربية السعودية، تصل نسبة الفقد والهدر الغذائي إلى 33.1 %، أي أن ثلث الطعام تقريبًا يُفقد أو يُهدر، وهو رقم يثير القلق ويستدعي تحركًا جماعيًا عاجلًا..
وبالتالي كثيرًا ما نرى موائد عامرة بأطعمة كثيرة تُترك دون استهلاك، فتتحول إلى نفايات تلوث البيئة وتُهدَر الموارد.
الفقد والهدر الغذائي ليس مجرد رقم أو إحصائية، بل هو قصة حقيقية عن موارد تُهدر، وأموال تُضيع، وأرواح يمكن أن تحيا أو تُغذى لو تم استغلال هذه الموارد بشكل أفضل.
فوفقًا لدراسة حديثة لنتائج القياس الميداني الثاني للفقد والهدر، أعلنت عنها الهيئة العامة للأمن الغذائي برعاية وحضور وزير البيئة والمياه والزراعة، وتدشن منصة «لتدوم»، أن نسبة الفقد والهدر الغذائي في المملكة انخفضت إلى (27.9 %) في عام 2025 مقارنة بـ(33.1 %) في عام 2019، وهو ما يمثل انخفاضًا قدره (16 %) خلال ست سنوات، بما يترجم التزام المملكة بتحقيق مستهدفات الإستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي ورؤية المملكة 2030..
إذاً يُمكن للنفايات الغذائية في السعودية أن تطعم ما يقارب 1.26 مليون شخص سنويًا!
تخيل حجم المعاناة التي يمكن تخفيفها لو تم توجيه هذا الطعام إلى المحتاجين بدلًا من هدره..
والسؤال لماذا يحدث هذا الفقد والهدر؟ لهما أبعاد اقتصادية وبيئية خطيرة.
من الناحية الاقتصادية، يُهدر المال الذي يُنفق على إنتاج وتوزيع الطعام، مما يؤثر سلبًا على الاقتصاد الوطني. أما من الناحية البيئية، فإن تحلل النفايات الغذائية في مكبات القمامة يُنتج غازات دفيئة تسهم في تغير المناخ، وهو تحدٍ عالمي يهدد مستقبل كوكبنا.. أما الأسباب فمتعددة، منها: (ضعف نظم التخزين، وعدم وجود آليات فعالة لإدارة الفائض الغذائي، قلة الوعي المجتمعي بأهمية تقليل الهدر.
العادات الاجتماعية التي تشجع على تقديم كميات كبيرة من الطعام في المناسبات والحفلات تلعب دورًا كبيرًا في زيادة الفاقد).
يقول الكاتب الأمريكي بنجامين فرانكلين: «الاستعداد للمستقبل يبدأ بالتصرف بحكمة في الحاضر»، وهذا ينطبق تمامًا على كيفية تعاملنا مع الطعام.. ففي السعودية، الفواكه والخضراوات هي الأكثر تعرضًا للفقد والهدر، حيث تصل النسبة إلى حوالي 39.5 %.
هذا الرقم يعكس قصورًا في سلاسل التوريد والتخزين، ويُظهر الحاجة الملحة لتطوير البنى التحتية وتبني تقنيات حديثة للحفاظ على جودة الطعام وتقليل الفاقد.
لكن، لا يجب أن نغفل أن هناك أملًا وفرصًا كبيرة للتغيير. فقد بدأت المملكة في تبني مبادرات مثل «شهادة صفر هدر» التي تهدف إلى تقليل النفايات الغذائية من خلال تنظيم وإدارة فائض الطعام بشكل أفضل.
وتدشين منصة «لتدوم»، كُلها مبادرات ليست مجرد إجراءات تقنية، بل هي دعوة للمجتمع بأسره ليكون جزءًا من الحل.. ولنجعل من كل وجبة فرصة للتفكير: هل نستهلك ما نحتاجه فقط؟ هل نشارك فائضنا مع من يحتاج؟ هل نُعلم أطفالنا قيمة الطعام وأهمية عدم إهداره؟
فكما قال المفكر الفرنسي أندريه جيد: «ليس الفقر أن تملك القليل، بل إن تشتاق إلى الكثير»، فالهدر هو نوع من الفقر الذي يمكننا جميعًا أن نكافحه.
في النهاية، العقول الصافية تدرك أن الفقد والهدر الغذائي قضية اجتماعية وإنسانية قبل أن تكون اقتصادية أو بيئية.
وهنا دعوة لكل فرد منا ليكون واعيًا ومسؤولًا، لأن التغيير يبدأ من البيت، ومن المطبخ، ومن كل قرار نتخذه يوميًا. لنعمل معًا على بناء مجتمع يحترم الطعام، يحافظ على موارده، ويضمن مستقبلاً أفضل لأجيالنا المقبلة..
ولنرفع شعارًا جديدًا: «كل لقمة تُحسب، وكل طعام له قيمة». لأن في كل حبة رز، وفي كل ثمرة فاكهة، يكمن الأمل في عالم أكثر عدلاً واستدامة.