عبدالله العولقي
دخلَ الوزيرُ يعقوب بن داود على الخليفة العباسي المهدي مُسْرِعاً، فعلم الخليفةُ أنّ هناك أمراً جللاً وراء هذه العجلة! فاستوى جالساً ليستمع إلى ما جاء به وزيرُه من أخبار، التقط الوزيرُ أنفاسه وعندما هدأتْ نفْسُه قليلاً، قال للخليفة بصوتٍ هامسٍ: سيّدي لقد هجاك بشارُ بن بُرْد، هذا الزنديقُ الملحد، فاستشاط الخليفة غضباً، ثم قال: بأيّ شيء؟! فاعتذر الوزير، فألحّ عليه الخليفة، فقال الوزير: والله لو خيّرتني بين إنشادي أبيات الهجاء وبين ضربِ عنقي، لاخترتُ ضرب عنقي!
وبعد أخذٍ وردٍ في الكلام، اتفقا أنْ يكتبَ الوزيرُ الأبيات في ورقةٍ دون أنْ يُنشدها أمام الخليفة، ففعل الوزير، وما إن قرأ الخليفةُ الأبياتَ حتى قرّر أنْ يعاقب الشاعر!، وكان قدْ بلغه من مجون بشار بن برد واستهتاره بالشعائر الدينية، فأمر الخليفة بجلده سبعين سوطاً على عدد سنوات عمره!، ولكنّ العجوزَ الكهلَ لمْ يستطعْ أنْ يتحمّلَ كلّ هذا الجلد فمات متأثراً من الألم!.
هكذا كانتْ نهاية شاعر من فحول الشعراء المخضرمين الذين عاصروا نهاية العهد الأموي وبداية العصر العباسي، وقد كانت هذه المقدمة ضرورية لمعرفة جانب من سيرة بشار بن برد وهو الجانبُ الأخلاقي السلبي، وأعني المُجون والاستهتار بالدين، لكنْ ما يهمّنا في مقالتنا اليوم هو الجانبُ الآخر، وأقصدُ إبداعه الأدبي وعبْقريّته الفذة في تكوين الصورة الشعرية، ولا سيّما أنه من الشعراء العميان، ومن الجدير بالقول أنه يختلف عن سواه من أمثاله كأبي العلاء المعري وعبدالله البردوني اللّذَين أُصيبا بالعمى وهما في مرحلة الطفولة، فتبقّتْ لهما آثاراً ولو يسيرة من ذكريات الألوان والأحجام والأشكال على عكس بشار بن برد الذي لمْ يرَ النورَ على الإطلاق!!.
وهنا تبْرزُ الإشكاليّة عند الناقد والمُتتبّعُ لأدبِ بشار بن برد حول إيجاد التفسير العلمي وراءَ قُدراته الفذّة على تشكيل الصورة الفنية المبدعة، فقبل عدّة أشهر قام أحدُ الباحثين بمحاكاة أحد أبيات بشار الشهيرة في الوصف عبر صورةٍ متخيّلةٍ من خلالِ تطبيقات الذكاء الاصطناعي:
كأنّ إبريقَنا والقطرُ في فمه
طيرٌ تناولَ ياقوتاً بمنْقارِ
لقدْ جاءتْ نتيجةُ الصورةِ مُذهلةً في تطابق التشبيه بين الصورة وبيت الشعر، الأمرُ الذي دعا الكثيرين من المُعلِّقين إلى الدهشة وإثارة الشكوك حول حقيقة عمى بشار بن برد!!.
لقد كان بشارُ بن بُردٍ مُتفرِّداً بين شعراءِ جِيله، وهذا التميّزُ الفكريُّ منحه بُعْداً فلسفيّاً عميقاً جعلنا نُفْردُ له موضوعاً حول فلْسفته الخاصّة في الحياة، فهو يتأمّلُ الظروف المحيطة به ويقرأ الأوضاع التي يتعايش معها بخبرة المُتأمّلِ المجرِّب، ثم يُضمّنُ تلك الرؤية الفلسفيّة داخل أدبه وشعره، وفي هذا المقال سنستعرضُ بعضَ فرائدِه الإبداعيّة، كعالمه الشعري الذي يتميّزُ به عنْ مُعاصريه بنوعٍ من التناصِّ الشعريِّ الجميل، وأعني فنّ التضمين أو الاقتباس من شعر الآخرين، كما سنجده يُفلسف عاهةِ العمى ويُفْسّرُ إعاقة البصر بشدّة سطوعِ الجمال والحُسْنِ المنبثق من وجه محبوبته!، بل إنّه يصلُ برؤيته الخاصة تجاه العمى إلى فلسفةٍ غريبةٍ تصلُ بأبعادها إلى مدارات كونية بعيدة حيثُ الشموس والأقمار والكواكب!!
أمّا عبقريته في إنشاء الصورة الفنيّة فسنجدُها في عالمِ العشق والغزل، وهو الغرضُ المُحبّبُ عند بشار، سنجدْه يعشقُ ويتغزّلُ ضِمْنَ سياقِ ظروفِ عاهةِ العمى كتحدٍّ صارخٍ لقسوة الظروف، فيتميّزُ بذلك عن معاصريه برؤيته وأفكاره الخاصة، فنُلاحظُه مثلاً يُخالفُ السائدَ حين يعشقُ بأذنه، أو تجدْه مثلاً يتمنّى الموت لمحبوبته بعد أنْ وصلَ إلى مُنتهى الإحساس بالحرمان!، كما أنّ لهذا المبدع فلسفةً خاصةً تجاه العلاقات الاجتماعيّة والصداقات الإنسانيّة التي تتطابق اليوم مع كثير من النظريات التي يقدمها علماء النفس والإجتماع!!.
وحول هذا البعد الفلسفي العميق عند بشار بن برد، نقولُ إنّه شاعرٌ قدْ أبدعَ في كلِّ فنونِ وأغراض الشعر، ولكنْ يُحْسبُ له ريادته البلاغيّة في فنّ التضمين، ولعلّ إعجابَه الشديد بالشاعر الأُموي جرير جعلهُ يُضمّنُ العديد من أبياته داخل شعره بصورةٍ مكثفةٍ، كما أنّ هذا الإعجاب قدْ يعودُ إلى تطابق الروح الفكريّة عند الشاعرين الكبيرين، فكلاهما شعْبويان بعيدان عن النخبويّة الاجتماعيّة، ولعلّ هذا الأمر يُفسّرُ إبْداعية الحسِّ السّاخرِ في أدبهما، وفي قصيدةِ بشّار الشهيرة التي يُعبّرُ في بيت قصيدِها عن فلسفته الغزليّة وطريقة تواصله الحسّي مع محبوبته عبر حاسّة الأذن:
يا قومِ أُذْني لبعضِ الحيِّ عاشقةٌ
والأذْنُ تعْشقُ قبل العينِ أحيانا
هذه الفلسفة العميقة التي يُدشّنُها بشارُ في عالمِ الشعراءِ العميانِ بخصوص حاسّة السّمع وقدْرتها الاستثنائية على تعويضِ وظيفة حاسة الرؤية لتعْطي انعكاساً عن المهارة الفكرية عند الشا عر، بلْ إنّ استهلاله للقصيدة يؤيدُ هذه الفلسفة :
قالوا بمنْ لا ترى تهْذي، فقلتُ لهم:
الأذْنُ كالعينِ تُوفي القلب ما كانا
ما كنتُ أول مشْغُوفٍ بجاريةٍ
يلْقى بلُقْيانها رُوحاً وريْحانا
وإذا عُدنا إلى موضوع إعجابه بجرير، سنجدُه يُضمّنُ أبياتاً مشهورة له في هذه القصيدة:
ياحبّذا جبلُ الريانِ من جبلٍ
وحبّذا ساكنُ الريانِ منْ كانا
ففي هذه القصيدة البديعة يسْردُ بشار بن برد حواراً عاطفياً مع محبوبته:
وذاتِ دلٍّ كأنّ البدرَ صورتَها
باتتْ تُغنّي عميدَ القلبِ سكْرانا
فماذا كانت تغنيه؟!، كانت تُغنّي له بيت جرير الشهير:
إنّ العُيونَ التي في طرْفها حَوَرٌ
قتلْنَنَا ثمّ لمْ يُحْيينَ قتْلانا
وهكذا، يدورُ الحوارُ بصورةٍ فنيةٍ جاذبة تعكسُ الذائقة الرائقة في أدب بشار بن برد، وممّا يُلْفِتُ الناظرُ في ديوان بشار فلسفته العميقة تجاه الحبِّ والغزل، فهو الغرضُ المُفضَّلُ عنده، فنجدْه مثلاً يُردّدُ نظرية ظريفة تجاه عشق العميان، فيفسرُ عاهة العمى عنده بإشراقة محبوبته وضياءها الساطع لدرجة أنه أمْسى لا يرى غيرها فعَمِيَ عنْ رُؤية سواها!، فيقول في حواريّة غزليّة معها:
ألسْتَ تُبْصِرُ منْ حَولي؟، فقلتُ لها:
غطّى هواكِ وما ألقى على بَصَري
إنّ فلسفة بشار تجاه العمى لتمتدُّ إلى فضاءاتٍ أوسع، إلى حركة الكواكب في الكون المُمْتد، فيصفُ الشمسّ التي يحسُّها ويراها بعين قلبه:
والشمسُ في كَبِدِ السّماءِ كأنها
أعمى تَحيّر ما لديه قائدُ
ومن روائعِ فلسفة بشار بن برد في العشق والغزل ثلاثة أبيات تمثلُ حالة نفسيّة عميقة، تدلُّ على بذخِ خيالهِ الشعري وعالمه الأدبي المتغلغلُ في أعماق أحاسيس العشاق، فهو يصفُ حالةً متطرفة في الحب، وأعني عندما يصلُ العاشقُ إلى منتهى شعوره بالحرمان من لقاء محبوبته، فيتمنّى لها الموت علّ ذلك يُطْفي لهيبه ويردّ له حياته وقلبه:
مِنْ حُبّها أتمنّى أنْ يُلاقيَني مِنْ
نحوِ بلْدتها ناعٍ، فينْعاها
هذه الفلسفة الإنسانية نجدُها غريبةً في عالم العشاق والمحبِّين ولكنها مأثورةً في علم النفس، ومعروفة عند المُتخصصين في بواطن النفس البشريّة ونزعاتها المتطرفة تجاه إنهاء توتّر الحب وولع العشق وقلق التفكير، فيأتي التبريرُ لهذه الحالة النفسية:
كيما أقولُ فراقٌ لا لقاءَ له
وتُضمرُ النفسُ يأساً ثمّ تسْلاها
وهنا لا يُنْهي بشار بن برد تصوير هذه الحالة النفسيّة المريرة للعاشق بهذا الشكل الغريب، بلْ يُكْملُ تصوير خلجات نفس العاشق وروحه المضطربة لتصلَ إلى حدّ التناقض:
ولو تموتُ، لراعتني وقلتُ لها:
يابؤس للموت!، ليت الدهرَ أبقاها
هذه التناقضيّة هي جوهر روح الانسان، وتبايناته السلوكيّة هي أصْلُ جوهره البشري، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعشق الذي يأخذُ بعقل المحبّ ويسلبُ فؤاده ليتركه غارقاً في بحر الحيرة النفسية والتناقضيّة السلوكيّة!!، فهذه الإبداعيّة الشعريّة الفريدة تُعلي من قيمة بشار بن برد الأدبية والفلسفية في ثقافتنا العربية، ليس بين معاصريه فحسب وإنما بين شعراء العربية في كلِّ العصور!!.
وتمتدُّ فلسفةُ الشاعرِ العميقة إلى كلِّ معاني الحياة، ففي مجال العلاقات الاجتماعية نجدْهُ يرتقي إلى مستوىً لا يصله شعراءُ جيله من العمق والتحليل النفسي حتى يصلَ إلى أقصى حالاتِ الوعي بطبيعة النفس البشريّة، فهذا الوعي يصل عند بشار إلى مستوياتٍ عاليةٍ من البروغماتية والواقعية في منهجية تعامل الناس مع بعضهم البعض، وهذه الثقافة الإنسانية نجدها مبثوثة في ديوان بشار، وربّما تعودُ هذه الثقافة العميقة إلى أنّ الشاعرَ في طبيعته شعبيُّ المجالسة إنْ صحّ التعبير، بعيدٌ عن النخبوية التي تمتّع بها معظم الشعراء المشهورين في زمنه، فكان انساناً مجتمعياً غارقاً في مُخالطة كافة الطبقات الاجتماعية من حوله، هذه الميزةُ الشعبيّة قدْ أكسبت الشاعرَ خبرةً في التعامل مع أحوال النفس البشريّة، فنجدْه يرفضُ كثرة العتاب والملامة بين الأصدقاء كونها لا تتلاءم مع طبيعة الحياة الإنسانيّة:
إذا كنتَ في كلّ الأمورِ مُعاتباً
صديقك لمْ تلقَ الذي لا تُعاتبه
هذه الشرطيّة التي يبْتدؤها الحكيمُ الشاعر ستصلُ بالمرء إلى مُفْترق الطرق، إمّا أنْ يقتنع بعيشة الحياة الطبيعية ويتغاضى عنْ أخطاء الصديق، وإمّا أنْ يعيشَ حياة الوحدة والعزلة عن الناس:
فعِشْ وحيداً، أو صِلْ أخاك
فإنّه مُقَارفُ ذنْبٍ مرةً ومُجانبُه
فهنا يصلُ الشاعرُ إلى منتهى البروغماتية الواقعية في طريقة التعامل مع بني البشر، على عكس شعراء الرومانسية الذين اختاروا العيش في الأبراج النخبويّة العاجيّة البعيدة عن واقع الناس والمجتمع كما يقول أبو القاسم الشابي:
وإنْ أردتَ قضاءَ العيش في دِعة ٍ
شعريّة لا يغشى صفوها ندمُ
فاتركْ إلى الناسِ دُنْياهمْ وضجّتهمْ
وما بنوا لنظامِ العيشِ أو رسموا
كما تصلُ الخبرة والحكمة عند بشار بن برد إلى مُنْتهاها الفلسفي عندما يستعملُ أداة الشرط الحاسمة التي تُعطي خلاصة الحكمة الإنسانية وخبرة الحكيم المجرب، فيوجّهُ خطابه المباشر إلى المتلقي:
إذا أنتَ لمْ تشربْ مِراراً على القذى
ظمئتَ وأيُّ الناسِ تصْفُو مشاربُه