فؤاد بن عبدالله الحمد
حين يقف الإنسان على عتبات مشكلاته اليومية، بين أمواج العثرات وتيارات التحديات، لا يجد ملاذاً أصدق من وعيه الذاتي؛ ذلك البوصلة الخفية التي توجه خطاه، وتضبط إيقاع مسيرته وسط ضجيج الحياة. فالوعي بالذات ليس مجرد إدراك عابر، بل هو «نور داخلي» يتسرب إلى أعماق النفس ليكشف لها طرق الصبر، ويضيء لها مسارات الحلول، ويمنحها القدرة على تحويل العثرات إلى محطات تعلم، والهزائم إلى دروس في الصمود.
الوعي الذاتي ليس انكفاءً على الداخل، ولا انسحاباً من مواجهة الخارج، بل هو فن التوازن بين العاطفة والعقل، بين الحلم والواقع، بين ما يملكه المرء من قدرات وما يواجهه من عوائق، هو قدرة المرء على الإنصات إلى صوته الداخلي، وتفكيك مشاعره، ثم إعادة تركيبها على هيئة قوة تدفعه إلى الأمام، ومن هنا ينبع التعامل الإيجابي مع المشكلات؛ فبدلاً من الانكسار أمامها، يغدو المرء قادراً على احتوائها، وقراءتها بعين بصيرة، وتحويلها إلى سلّم يرتقي به نحو أفق أرحب.
إنّ مشكلات الحياة ليست نقيضاً للنجاح، بل هي «ممرات إجبارية» يختبر الله بها صبر الإنسان ويقينه، والوعي الذاتي هو ما يجعل الفرد ينظر إلى المشكلة كـ«علامة استفهام» تدعوه للبحث، لا كجدارٍ صلد يسد عليه الأنفاس.
حين يعي الإنسان أن الخسارة ليست نهاية، وأن الألم ليس خصماً أبدياً، يتحول مساره من الاستسلام إلى الإصرار، ومن الغضب إلى الرضا، ومن الضيق إلى الأمل.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن من يملك وعياً بذاته، يملك سلاحاً فريداً في مواجهة الإحباط، فالوعي يعلّم الإنسان كيف يقرأ ماضيه بتمعّن: يستخلص من جراحه حكمة، ومن ذكرياته نوراً، ومن انكساراته عزيمة. وهو ذاته ما يجعله يقف في حاضره ثابتاً كجبل، يواجه عواصف القلق وحرائق الضغوط بطمأنينة واثقة. أما المستقبل، فإنه لا يبدو أمام الواعي سراباً مقلقاً، بل فضاء رحباً ينتظر أن يُزرع بالأمل ويُروى بالجدّ.
إنّ الوعي الذاتي ليس ترفاً فكرياً، بل هو «ضرورة حياتية». فمن امتلكه امتلك القدرة على التحكم في انفعالاته، وأحسن إدارة مشاعره، ونجح في رسم علاقاته على أسس من التفاهم والتقدير، وهو ما يجعل الإنسان أكثر تصالحاً مع ذاته، وأكثر تفاؤلاً في نظرته إلى الحياة، وأكثر صلابة في مواجهة الانكسارات التي لا بد أن تعترض كل مسيرة.
وفي النهاية، يبقى الوعي الذاتي هو الدرع الواقية التي تحمي الإنسان من الانهيار، وهو «المفتاح السحري» الذي يحوّل الألم إلى قوة، والمحنة إلى منحة، والمشكلة إلى فرصة جديدة للتعلّم والنمو. وبين وعينا بذواتنا وقدرتنا على الصمود، تتشكل خريطة الحياة، وتُكتب حكاية الإنسان الذي لا ينكسر مهما ضاقت الدروب، لأنه يملك داخله نبعاً لا ينضب من القوة واليقين.