د. رانيا القرعاوي
تشهد الأسواق المالية العربية مرحلة جديدة تدمج الاقتصاد بالتقنية، وتزداد فيها قيمة الفهم المالي كمكوّن للوعي المجتمعي.
كشف تقرير Vision Ventures 2025 عن الطروحات التقنية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عن تسارع في إدراج الشركات التقنية، مع توقعات بأن تتضاعف الطروحات ثلاث مرات خلال عامين فقط. وبالرغم من هذا فإن التحوّل الاقتصادي الكبير لم يصاحبه بعد تحول موازٍ في الأداء الإعلامي، إذ لا يزال جزء كبير من التغطية الصحفية يتعامل مع الأخبار المالية كأرقام جامدة، لا كظواهر تحتاج إلى تفسير وتحليل.
في هذا السياق، يصبح دور الإعلام جوهريًا في بناء ثقافة مالية رصينة تسهم في ترسيخ الثقة بين المؤسسات والمستثمرين والمجتمع. فالإعلام الاقتصادي ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل وسيط تربوي يمكّن المواطن من فهم التحولات الاقتصادية واتخاذ قرارات واعية. لذلك فإن تأهيل الصحفيين في هذا المجال لم يعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة مهنية ووطنية.
تؤكد الدراسات الحديثة في الاتصال الاقتصادي أن نقص الوعي المالي والاقتصادي لدى الصحفيين يؤدي إلى ضعف في جودة التغطية وإلى تضليل غير مقصود للرأي العام. وأوضح تقرير European Journalism Observatory (2023) أن أغلب الصحفيين الاقتصاديين في المنطقة العربية يعتمدون على البيانات الصحفية كمصدر أساسي للمعلومة، في حين أن نسبة محدودة فقط تجيد قراءة القوائم المالية وتحليل بيانات السوق. هذا الخلل يفسر الفجوة بين لغة الأرقام ولغة الجمهور، ويجعل الرسالة الإعلامية تفتقد للتوعية التي تؤدي إلى اختيار قرارات صائبة.
إن إعداد برامج تأهيلية متخصصة للصحفيين الاقتصاديين، تجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، لم يعد ترفًا بل بات ضرورة. فمن المهم أن تُصمم هذه البرامج لتزوّد الصحفي بفهم دقيق للمفاهيم الأساسية مثل الطرح العام، التقييم، الحوكمة، والتمويل الجريء. ويجب أن يشمل التدريب مهارات التحقق من البيانات، وتحليل القوائم المالية، وكتابة التقارير بلغة مبسطة ودقيقة.
كما ينبغي تطوير «دليل صحافة مالية» موحّد يصدر عن الجهات التنظيمية، يحدد المعايير المهنية والأخلاقية للتغطية الاقتصادية، ويضع ضوابط للتعامل مع المصادر والشركات المدرجة بما يضمن الاستقلالية التحريرية ويحد من تضارب المصالح. ويمكن ربط هذا الدليل ببرامج اعتماد مهني تجدد سنويًا، ليصبح الصحفي المالي المعتمد صاحب معرفة موثوقة تشبه اعتماد المراجعين الماليين أو المحللين المعتمدين.
الاقتصاد الجديد يقوم على الشفافية والمساءلة، وهما قيمتان لا يمكن ترسيخهما دون إعلام مسؤول وسنع يعرف أثر الكلمة في حركة الأسواق وفي ثقة المستثمرين. فالخبر المالي ليس مادة محايدة؛ بل قوة ناعمة قد ترفع الثقة أو تزعزعها. ولهذا، فإن تأهيل الصحفيين في الاقتصاد ليس تدريبًا على المصطلحات فحسب، بل هو تدريب على التفكير النقدي، وعلى فهم الترابط بين الأرقام والسلوك الإنساني.
الإعلام السنع، في هذا السياق، هو الذي يربط بين الحدث والسياق، بين المعلومة والمصلحة العامة. وحين يصبح الصحفي مؤهلاً لتحليل البيانات الاقتصادية بلغة يفهمها الناس، يتحول الإعلام من متفرج على التحول الاقتصادي إلى شريك في صناعته. هذه الشراكة هي ما تحتاجه المرحلة المقبلة في السعودية لبناء وعي مالي مستدام، يتماشى مع هدف رؤية المملكة 2030 في الوصول لاقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي.
برأيي أن الجهل بالاقتصاد لا يعفي أحدًا من عواقبه، فالمعرفة المالية لم تعد شأنًا يخص الخبراء وحدهم، بل مسؤولية جماعية تتقاسمها المؤسسات والإعلام والمجتمع. حين يدرك الصحفي هذه الحقيقة، يصبح الإعلام أداة وعي لا مجرد وسيلة خبر.