سارة الشهري
هل جرّبت أن تتصفح هاتفك قبل النوم لتجد إعلاناً يهمس لك (خصم 70 % فقط الليلة!) لحظات قليلة من التردد، ثم تبرّر لنفسك: صفقة لا تُفوّت. وبعدها بثوانٍ تكون قد ضغطت اشترِ الآن. تنطفئ الشاشة، لكن يبدأ بعدها ذلك الشعور الخفيف بالندم. هكذا ببساطة، تتحول ليلة هادئة إلى عملية تسوّق غير محسوبة، ومثلها ملايين الليالي التي تصنع أرباحاً خيالية لشركات لا تنام.
منذ منتصف التسعينات، حين ظهرت أولى مواقع التجارة الإلكترونية مثل أمازون وإي باي، كان الهدف تسهيل الحياة وتوفير الوقت. لكن شيئاً فشيئاً، تطورت التقنية حتى لم تعد تكتفي بعرض المنتجات، بل بدأت (تفهمك أكثر مما تفهم نفسك) نعم ..لا تتعجبوا أعزائي القراء، فخوارزميات الإعلانات اليوم تعرف متى تشعر بالملل، ومتى تكون متعبا، بل ومتى تتصفح بلا هدف. هي لا تبيع سلعة فقط، بل تبيع شعورا بالراحة، أو التميّز، أو (استحقاق المكافأة بعد يوم طويل).
وحين يحل شهر نوفمبر، يبلغ هذا المشهد ذروته. إنه الشهر الذي تحوّل إلى مسرح عالمي للهوس الشرائي. بدأت القصة في الولايات المتحدة مع (الجمعة السوداء)، ثم (الاثنين الإلكتروني)، وتوسعت إلى العالم كله. وفي الصين ابتكروا (يوم العُزّاب) الذي تجاوزت مبيعاته 130 مليار دولار في عام 2023. اليوم لا يكاد يخلو تطبيق أو متجر عربي من لافتة (عروض نوفمبر بدأت!)، وكأن الشهر أصبح عيداً للاستهلاك.
لكن خلف هذه البهجة التسويقية، يقبع ذكاء دعائي لا يرحم. الإعلانات الحديثة تُصمّم لتخاطب مناطق محددة في دماغك، تحفّز لديك ما يُعرف بـخوف الفوات يرمز لها (FOMO) أي Fear of Missing Out).) وهو شعور يجعلك تشتري خشية أن يسبقك الآخرون أو ينتهي العرض. وهنا تكمن الخطورة. فالمستهلك لا يشتري لأنه يحتاج، بل لأنه لا يريد أن يفوّت الفرصة. يضاف إلى ذلك أن الشركات تستغل ساعات المساء تحديداً، إذ تشير دراسات علم النفس إلى أن الإنسان قبل النوم أقل قدرة على اتخاذ قرارات منطقية، لأن الوعي يكون في حالة استرخاء. ولهذا تُكثّف المتاجر الرقمية إعلاناتها في الليل، عندما تكون مقاومة العقل شبه نائمة. في عالمنا العربي، تتحدث الإحصاءات بلغة واضحة. مثل تقرير صادر عن موقع Statista (نقلته العربية نت) يؤكد أن أكثر من 70 % من عمليات الشراء الإلكتروني تتم عبر الهواتف الذكية، وأن نصفها تقريباً يحدث في المساء. بينما أظهرت دراسة لجامعة الملك سعود عام 2022 أن 46 % من المشاركين اشتروا منتجات لم يكونوا بحاجة إليها إطلاقاً، فقط بسبب إعلان مغرٍ أو خصم مؤقت. هذه الأرقام لا تعبّر عن سلوك أفراد فحسب، بل عن ظاهرة اجتماعية رقمية بدأت تشكّل ثقافة استهلاكية جديدة، قوامها الإدمان على التسوّق الافتراضي.
المشكلة أن التسوّق في عصرنا لم يعد فعلاً واعيا، بل صار ردّ فعل تلقائيا. نحن لا نبحث عن السلعة، بل هي التي تبحث عنا. يكفي أن نتحدث مع أحد الأصدقاء عن ساعة أو هاتف جديد، حتى تمتلئ صفحاتنا بالإعلانات عنه في دقائق. إنها خوارزميات تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا، وتستخدم رغباتنا الصغيرة لتصنع منها قرارات مالية كبيرة. وهكذا تتحول كل نقرة إلى خطوة في دائرة لا تنتهي من الرغبة والشراء والندم.
ربما لا يمكننا أن نمنع هذه الظاهرة، لكنها يمكن أن تتراجع إن بدأنا نمارس (الوعي الشرائي). لا تتسوّق قبل النوم، ولا تفتح مواقع العروض وأنت متعب أو مشتت الذهن. ضع قائمة احتياجاتك مسبقا، وانتظر يوما قبل إتمام أي عملية شراء تبدو مغرية.
في الغالب، بعد 24 ساعة، ستكتشف أنك لم تكن بحاجة إليها أصلا. ألغِ الإشعارات التسويقية من هاتفك، وتذكّر أن الشركات تصرف ملايين الدولارات لتقنعك بإنفاق بضع مئات منها.
الشراء ليس خطيئة، لكن أن يتحوّل إلى عادة لا واعية هو ما يجعلنا سجناء لعالم من الإغراءات الرقمية التي لا تنتهي. لعل أجمل (عرض) يمكنك الفوز به هذا الموسم هو أن تشتري ما تحتاجه فعلاً، في الوقت الذي تختاره أنت، لا في اللحظة التي تختارك فيها الخوارزميات. فالعقل المستيقظ، لا العربة الممتلئة، هو ما يصنع المستهلك الذكي.
المراجع والإحصاءات:
1- موقع هيئة الاتصالات السعودية -تقرير التجارة الرقمية في المملكة 2024.
2- جامعة الملك سعود - دراسة حول سلوك المستهلك في التسوّق الإلكتروني2022.
3- العربية نت -تسارع نمو التجارة الإلكترونية في العالم العربي2023.