إبراهيم بن يوسف المالك
الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض ولقاؤه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمثل تحولًا غير مسبوق في تاريخ سوريا الحديث. فهي ليست مجرد حدث سياسي، بل لحظة مفصلية تعيد صياغة علاقة سوريا بالعالم، وتفتح بابًا جديدًا للشرعية الدولية بعد عقود من العزلة. لأول مرة يزور رئيس سوري العاصمة الأمريكية في مشهد يختصر مسارًا طويلًا من الصراعات والقطيعة، ويؤشر إلى بداية عهدٍ جديد يتجاوز مرحلة الحرب والانقسام نحو بناء دولة قادرة على استعادة موقعها الطبيعي في النظام الإقليمي والدولي.
لم يكن وصول الرئيس الشرع إلى واشنطن صدفة، بل ثمرة لجهود دبلوماسية عميقة بدأت من المنطقة نفسها، حين لعبت المملكة العربية السعودية بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان دور الوسيط الفاعل في إعادة دمج سوريا ضمن محيطها العربي.
الدبلوماسية السعودية، بثقلها السياسي ووجاهتها الدولية، وفرت الأرضية لهذا التحول التاريخي، إذ انتقلت من مقاربة الأزمات إلى مقاربة الحلول، ومن إدارة الصراع إلى بناء الاستقرار. لقد أثبتت الرياض مرة أخرى أنها مركز الثقل الإقليمي القادر على فتح القنوات المغلقة وصياغة التوازنات الكبرى بلغة المستقبل لا الماضي.
الشرع لم يذهب إلى البيت الأبيض طلبًا للاعتراف، بل لتأكيد عودة سوريا كفاعل شرعي في معادلة الشرق الأوسط. والولايات المتحدة، بقبولها هذا اللقاء، بعثت برسالة مفادها أن السياسة يمكن أن تتغير حين تتغير الحقائق على الأرض. فبعد سنوات من الحرب، ووسط تحولات جذرية في الإقليم، وجدت واشنطن أن الباب العربي هو الطريق الأكثر استقرارًا للتعامل مع الملف السوري، وأن الوساطة السعودية قادرة على ضمان التوازن المطلوب بين المصالح الإقليمية والدولية. ومن هنا، يمكن القول إن هذه الزيارة لم تكن مجرد انعطافة سياسية، بل بداية مسار جديد يربط سوريا مجددًا بالمنظومة الدولية وفق قواعد التعاون لا الصراع.
لكن أهمية الحدث لا تقتصر على رمزيته الخارجية، بل تمتد إلى الداخل السوري نفسه. فالعالم ينتظر من القيادة السورية خطوات عملية تُترجم هذا الانفتاح إلى إصلاح حقيقي، يبدأ بتشكيل حكومة كفاءات وطنية تمثل كل المكونات، وتعتمد الكفاءة لا الولاء، وتفتح الباب أمام الجيل الجديد من الشباب السوري ليكون شريكًا في البناء لا مجرد شاهد عليه. إن سوريا الجديدة تحتاج إلى عقول علمية وخبرات إدارية واقتصادية قادرة على إعادة هيكلة الدولة ومؤسساتها بروح العصر. وهذا لن يتحقق إلا عبر مشروع وطني يضع الإنسان أولاً ويمنح الشباب الفرصة للمشاركة في القرار وصناعة المستقبل.
في الوقت نفسه، يبقى التحدي الداخلي الأكبر هو إغلاق الملفات العالقة التي تشكل عبئًا على الدولة، وفي مقدمتها ملفا السويداء وقسد. فلا يمكن لسوريا أن تفتح صفحة جديدة مع العالم بينما تبقى الجبهات الداخلية مفتوحة. المطلوب مقاربة واقعية تدمج الأمن بالتنمية، وتمنح المجتمعات المحلية دورًا فاعلًا في الإدارة والإعمار، ضمن إطار وطني موحد يضمن الحقوق ويعيد للدولة حضورها وهيبتها. فالوحدة الوطنية لا تتحقق بالشعارات، بل بالعدالة والمشاركة والشفافية.
اقتصاديًا، أمام سوريا فرصة نادرة لبناء نموذج تنموي جديد يقوم على الشراكة والاستثمار لا المعونات. الدعم العربي، وفي مقدمته السعودي، يمكن أن يشكل الأساس لإنشاء صندوق استثماري لإعادة الإعمار، يفتح الباب أمام القطاع الخاص الخليجي والدولي، ويعيد بناء البنية التحتية والتعليم والطاقة وفق رؤية اقتصادية حديثة. كما أن موقع سوريا الجغرافي يؤهلها لتكون حلقة وصل بين المشرق والخليج، ومحورًا لوجستيًا للتجارة الإقليمية، إذا أحسنت إدارة مواردها واستثمرت علاقاتها الجديدة بحكمة.
زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن ليست مجرد صفحة جديدة في العلاقات الدولية، بل بداية فصل مختلف في تاريخ سوريا. إنها الزيارة التي كسرت الحاجز النفسي والسياسي بين دمشق والعواصم الغربية، ووضعت البلاد أمام اختبار جديد: هل تستطيع القيادة السورية تحويل هذه اللحظة إلى مسار إصلاحي حقيقي؟ وهل سيُترجم هذا الانفتاح إلى بناء مؤسسات قوية واقتصاد منتج ودولة تسع الجميع؟ الإجابة لن تأتي من الخطابات، بل من الأفعال. فالعالم يراقب، والدعم موجود، والفرصة التاريخية حاضرة.
إنها لحظة سوريا الفاصلة بين ماضٍ أثقلته الحروب وعزلة طويلة، ومستقبلٍ يمكن أن يعيدها إلى مكانها الطبيعي في قلب المنطقة والعالم. وإذا ما أحسنت دمشق استثمار هذه اللحظة، فسيُذكر لقاء البيت الأبيض ليس كزيارة بروتوكولية، بل كبداية عهد جديد لدولة تنهض من تحت الركام لتصنع مستقبلها بثقة، بدعمٍ عربي راسخ ووساطةٍ سعودية أعادت فتح الأبواب المغلقة، وبدور قيادي بدأ من الرياض وامتد إلى واشنطن.