د. رانيا القرعاوي
منذ إعدادي لرسالة الماجستير بعنوان «التعرّض لوسائل الإعلام التقليدية والجديدة وعلاقته بمعارف الجمهور السعودي نحو الطاقة المتجددة»، أدركت حجم الفجوة بين الجمهور وقضايا الطاقة. كان كثيرون يرون أن الطاقة -وبخاصة المتجددة- لا تمس حياتهم اليومية، ولا تشكل عنصرًا مؤثرًا في واقعهم.
لكن مع انطلاق رؤية السعودية 2030، ومبادرات مثل السعودية الخضراء، بدأ المشهد يتغير. فقد ارتفعت درجة الوعي تدريجيًا، وبدأ الإعلام المحلي يلتفت إلى قضايا الاستدامة والبيئة. ومع ذلك، ظل هذا الاهتمام موسميًا، يظهر بقوة أثناء المؤتمرات الكبرى، ثم يخفت سريعًا بانتهائها، وكأن الاهتمام بالمناخ لا يعيش إلا في مواسمه.
ما عزّز هذه القناعة لديّ، خبرٌ رسمي قرأته من الاتحاد الدولي للاتصالات يشيد بنجاح المملكة في توظيف الذكاء الاصطناعي لخفض أكثر من 588 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا عبر مركز المراقبة والتنبؤات (MPC) التابع لشركة أكوا باور، وذلك ضمن تقرير قُدّم على هامش مؤتمر الأطراف الثلاثين لتغيّر المناخ (COP30) في البرازيل.
رقم بهذا الحجم، وفي حدث عالمي بهذا الثقل، يُفترض أن يحتل صدر العناوين في الصحافة السعودية والعربية. فالمملكة لم تشارك فقط في المؤتمر، بل قُدمت كمثال ناجح على توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة المناخ. ومع ذلك، مرّ الخبر مرور الكرام في المشهد الإعلامي، بلا تحليل أو نقاش أو متابعة، رغم أن تقارير الأمم المتحدة تحذر من أن العالم يسير نحو ارتفاع حرارة يراوح بين 2.3 و2.5 درجة مئوية بنهاية القرن.
كان من المتوقع أن يتحول هذا الخبر إلى قصة صحفية مُلهِمة وتحليلٍ معمّق يبرز كيف أصبحت السعودية لاعبًا رقميًا فاعلًا في معادلة المناخ، لا مجرد خبرٍ عابرٍ في الهامش.
ومن خلال عملي السابق في أحد مراكز الأبحاث، تبيّن لي أن العلاقة بين الباحثين والصحفيين لا تخلو من التوتر؛ فالباحث غالبًا ما يرى أن الصحفي لا ينقل المعلومات بدقة، ويسعى وراء الإثارة أكثر من الدقة العلمية، بينما يعتبر الصحفي أن الباحث شديد التعقيد ولا يجيد مخاطبة الجمهور بلغة بسيطة ومفهومة.
وقد أدى هذا التباعد إلى فجوة واضحة بين الطرفين، فابتعد الباحثون عن الإعلام، وابتعد الإعلام عن الباحثين، لتفقد وسائل الإعلام بذلك تغطياتها المنتظمة لقضايا الطاقة والمناخ، التي كان من الممكن أن تحضر يوميًا كما تحضر أخبار الذهب والأسهم.
ولو تتبعنا حضور هذا الحدث في المنصات السعودية، سنجد أنه تحرّك أساسًا من خلال حسابات هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية (CST) وبعض المواقع، لكنه لم يتحول إلى نقاش عام في البرامج الحوارية، أو مادة لتقارير تفسيرية تشرح للجمهور ما يعنيه خفض 588 ألف طن من الانبعاثات، ولا إلى مدخل لربط الذكاء الاصطناعي في ذهن الناس بالقيمة البيئية لا بالتسلية أو الإنتاجية.
هنا تظهر فجوة «الإعلام السنع»: ليست في غياب الخبر تمامًا، بل في غياب الإرادة لتحويله إلى معرفة حيّة في وعي الجمهور.
هذه الفجوة ليست سعودية فقط؛ فبحسب تقارير معهد رويترز لبحوث الصحافة، فإن جزءًا كبيرًا من الجمهور في عدد من الدول يتجنب أخبار المناخ لأنها ثقيلة أو تُقدَّم بلغة تقنية يصعب متابعتها، بينما يتقدم الاهتمام بأخبار الاقتصاد والسياسة اليومية على الأخبار البيئية في سلّم المتابعة.
بمعنى آخر، المشكلة عالمية، لكن مسؤولية الإعلام المحلي مضاعفة، لأنه الأقرب إلى صياغة علاقة الناس بمشروعات بلدهم وصورتهم عن ذاتهم في عالم يتغيّر مناخيًا.
إذا عدنا إلى نظريات الإعلام، فإن أبسط عدسة يمكن أن نرى بها هذا المشهد هي نظرية وضع الأجندة (Agenda Setting) التي تقول إن وسائل الإعلام لا تُخبر الناس بما يفكرون فيه، بقدر ما تحدد لهم عمّ يفكرون. فترتيب القضايا في نشرات الأخبار والعناوين الرئيسة وتكرارها هو الذي يصنع سلّم الأولويات في وعي الجمهور.
وحين تُنشر أخبار المناخ ونجاحات السعودية الرقمية في الصفحات الداخلية أو في خبر بروتوكولي قصير، فإن الرسالة غير المعلنة للجمهور هي أن هذه القضايا ليست أولوية.
يمكن هنا استدعاء مقولة أنثوني داونز الشهيرة عن قضايا البيئة: «اهتمام الرأي العام لا يبقى مركزًا على قضية واحدة لفترة طويلة، حتى لو كانت ذات أهمية حاسمة للمجتمع».
هناك ما يسمى بدورة الاهتمام بالقضايا، حيث تقفز قضية فجأة إلى صدارة التغطية، ثم تتراجع قبل أن تُحل جذريًا. وإذا أسقطنا هذه الفكرة على المناخ وCOP30، سنجد أننا في الإعلام المحلي نعيد إنتاج الدورة نفسها: ارتفاع في التغطية مع افتتاح المؤتمر أو مع كلمة رسمية بارزة، ثم انخفاض سريع مع عودة الأجندة التقليدية: السياسة، الأسواق، الرياضة، والترفيه.
لكن خطورة هذا النمط في الحالة السعودية أنه يترك فجوة بين حجم الفعل السياسي والتقني، وحجم الحضور الإعلامي. فالمملكة تستثمر مليارات في مبادرات مثل السعودية الخضراء، وتطلق مشاريع رقمية تسهم في خفض الانبعاثات، وتحمل إلى COP30 رسالة واضحة عن دور التقنيات في الحلول المناخية، بينما لا يزال جزء من الجمهور يرى تغيّر المناخ قضية «بعيدة» أو «نخبوية» لا تمس حياته اليومية.
هذا الانفصال له آثار متوقعة على ثلاث مستويات: وعي الجمهور، وسلوكه، وثقته.
على مستوى الوعي، يقلل ضعف التناول الإعلامي من قدرة الناس على فهم كيف يتقاطع المناخ مع حياتهم اليومية: مع فاتورة الكهرباء، وجودة الهواء الذي يتنفسونه، وفرص العمل في الطاقة المتجددة والتقنية الخضراء.
حين يسمع القارئ أن خفض 588 ألف طن من الانبعاثات يعادل إزالة مئات الآلاف من السيارات من الشوارع سنويًا، يصبح الرقم ملموسًا، وتتحول القصة من جملة تقنية إلى صورة قريبة. أما حين تغيب هذه المقارنات، يبقى الخبر المناخي بعيدًا عن اهتمام الجمهور.
على مستوى السلوك، يُضعف هذا النمط من التغطية دافع الأفراد للمشاركة في التحول؛ فإذا لم يشعر المواطن أن بلده يقود تغييرًا حقيقيًا في المناخ من خلال التقنيات، فلن يرى لنفسه دورًا في تعديل سلوكه الاستهلاكي أو دعمه للسياسات البيئية.
الإعلام هنا ليس مروّجًا لإجراءات حكومية بقدر ما هو وسيط تربوي يشرح العلاقة بين الخيارات اليومية والمسار المناخي الأوسع.
أما على مستوى الثقة، فإن استمرار التعامل مع أحداث كبرى مثل COP30 بوصفها موسمية أو بروتوكولية يغذّي شعورًا متناميًا لدى جزء من الجمهور بأن الإعلام غير مهتم بما يهدد المستقبل فعلاً، بقدر ما يهتم بما يثير التفاعل الآني.
تشير تقارير دولية حديثة إلى أن فئات واسعة من الجمهور باتت ترى الأخبار «سلبية أكثر من اللازم» أو «غير مفيدة في تغيير شيء»، وتعيد ترتيب علاقتها بوسائل الإعلام على هذا الأساس.
وحين يفشل الإعلام في تحويل لحظات مثل اعتراف الاتحاد الدولي للاتصالات بإنجاز سعودي مناخي إلى قصة بناء ثقة، فإنه يخسر توظيف قوة هذا الخبر.
ما الذي يمكن أن يفعله «الإعلام السنع» في هذا السياق؟ أولاً، أن يعيد تعريف «الخبر المناخي» باعتباره خبرًا عن حياة الناس اليوم لا فقط عن مستقبل بعيد.
قصة إشادة الاتحاد الدولي للاتصالات ليست قصة تقنية عن خوارزميات ومراكز مراقبة، بل قصة عن كيف يمكن لتقنية سعودية أن تقلل الانبعاثات وتحسن إدارة الطاقة والمياه في بلد صحراوي، وتفتح مسارًا لصناعات رقمية جديدة ووظائف نوعية للشباب.
ثانيًا، أن ينتقل الإعلام من التغطية الحدثية إلى التفسيرية فبدل خبر واحد عن المشاركة السعودية في جلسة رقمية في COP30، يمكن إنتاج سلسلة مواد تشرح ماذا يعني دمج الحلول الرقمية في المساهمات المناخية الوطنية، وكيف تنسجم هذه المشاركة مع رؤية 2030 والسعودية الخضراء، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل المدن السعودية وجودة الهواء وأمن الطاقة.
ثالثًا، أن يضع المناخ ضمن الأجندة اليومية لا كملف مناسبتي.
وفي الحالة السعودية، حيث تشكل الاستدامة ركيزة أساسية في الخطاب الوطني، يصبح هذا الخيار مسؤولية مهنية وأخلاقية في آن واحد.
في النهاية، ليست المشكلة أن خبر إشادة الاتحاد الدولي للاتصالات لم يحظَ بالتغطية المناسبة لحجمه، بل أنه لم يُعش كقصة.
«الإعلام السنع» هو ذلك الذي يلتقط لحظات الإنجاز الوطني في فضاء المناخ العالمي، ويحوّلها من أرقام في بيان صحفي إلى وعي راسخ لدى الجمهور بأن المملكة تعمل بجد على تشكيل خريطة العالم المناخية والرقمية في آن واحد.