عايد بن عبدالله الشمري
في اليوم العالمي للتسامح تتجدّد أمام العالم قيمة إنسانية عظيمة شكّلت عبر العصور أساس الحضارات القوية والمجتمعات الراسخة، وعلى أرض المملكة العربية السعودية، ظلّ التسامح جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية وركيزةً تقوم عليها الدولة والمجتمع، ومنهجًا تتبنّاه القيادة في حاضر البلاد ومستقبلها.
وشهدت المملكة عبر تاريخها الطويل نشوء حضارات عربية أصيلة تركت إرثًا عميقًا يدلّ على تنوّع هذه الأرض وثرائها؛ من ددان ولحيان في العلا، ودومة الجندل (دوماتو) في الجوف، إلى الأنباط في الحِجر، ثم تيماء وكِندة والجرهاء، وصولًا إلى نقوش جبة والشويمس وتبوك ونجران. حضاراتٌ متعاقبة شكّلت جسورًا للتواصل والتجارة والمعرفة، ورسّخت في الذاكرة معنى الانفتاح والتعايش بين الشعوب.
وامتلك العرب قبل الإسلام خبرات واسعة في إدارة القوافل، والملاحة الصحراوية، والرصد النجمي، وطب الأعشاب.
ومع بزوغ الإسلام، تحوّلت هذه الخبرات إلى نهضة علمية عالمية قدّم فيها العرب والمسلمون إسهامات هائلة غيّرت مسار المعرفة الإنسانية؛ مثل ابن الهيثم، والخوارزمي، والرازي، وابن سينا، والإدريسي، وابن رشد.
وقد جاء الإسلام ليؤكد قيمة الأمن الإنساني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن من أمِنه الناس على دمائهم وأموالهم»(رواه النسائي وأحمد وصححه الألباني).
وعُرفت الجزيرة العربية منذ أقدم العصور بقيم أصيلة شكلت أساس تعاملها مع الشعوب والقوافل: الكرم، وإغاثة الملهوف، واحترام الضيف، وإجارة الخائف.
وقد مثّل حاتم الطائي-ابن جبل أجا وسلمى- نموذجًا خالدًا للكرم العربي الذي تجاوز حدود القبيلة ليصبح رمزًا عالميًا للعطاء والتسامح ومدّ يد العون.
كانت هذه القيم منظومة مجتمعية كاملة أسهمت في استقرار طرق التجارة، ووفود الرحالة، وتبادل الثقافات في الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده.
عندما كانت الجزيرة العربية تعاني التشتت والصراعات، جاء الملك عبدالعزيز - رحمه الله - برؤية تاريخية تهدف إلى توحيد القلوب قبل توحيد الأرض.
فنشأت الدولة السعودية الحديثة على المصالحة، وإحياء روابط القبائل، وبناء هوية وطنية تتشاركها كل أقاليم المملكة، ضمن منظومة قيم قائمة على العدل ونبذ الفرقة.
ولعبت القبائل والأقاليم في المملكة دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الوطنية؛ إذ تطوّر المجتمع السعودي على قاعدة يبدأ فيها الولاء من الأسرة، فالعائلة، فالمجتمع المحلي، ثم يتسع ليشمل الوطن بأكمله تحت هوية سعودية واحدة.
هذا التنوع - من اختلاف اللهجات إلى تنوّع العادات- تحوّل إلى عنصر قوة يُغني الشخصية الثقافية للدولة ويُعمّق تماسكها.
كما تحرص المملكة على احترام الموروث الشعبي الصحيح للمواطنين، وتحتفي في الوقت ذاته بالموروث الثقافي للجاليات المقيمة ما دام ينسجم مع القيم الوطنية؛ وقد ظهر ذلك في مبادرات وزارة الثقافة التي أبرزت نماذج عالمية تعزز التفاهم والتنوع.
أكّد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله أن المملكة قامت منذ تأسيسها على الوسطية والاعتدال ونبذ التطرف، وقال كلمته الجامعة: «لا تطرف.. ولا انحلال».
كما رسّخ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- رؤية وطن منفتح يحترم الإنسان، ويحتفي بهويته، ويُحارب الأفكار والمعتقدات والتيارات المنعزلة التي تُهدد التعايش أو تزرع الانقسام، ويرفض في الوقت نفسه الانحرافات الفكرية والثقافية التي تُسيء للقيم والمعتقدات.
ومن هنا تتّضح قيمة هذا النهج المتوازن: انفتاحٌ لا يذيب الهوية، وتمسّكٌ بالقيم لا يقود إلى التشدد.
فالشعوب التي تطوّر ذاتها، وتعمل بجد، وتحتضن التنوع الثقافي المسؤول، هي شعوبٌ تنجح في تجاوز الفقر والانعزال، وتصنع مسارًا حضاريًا يليق بإنسان هذا العصر.
وهكذا يصبح التسامح الواعي قيمة عالمية تُسهم في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وتقدمًا.
جاءت رؤية 2030 لتعزيز هذا النهج عبر دعم القطاع غير الربحي، وتمكين المبادرات الثقافية، وإحياء المواقع التاريخية، وتعزيز الهوية الوطنية، ومحاربة خطاب الكراهية، والانفتاح على العالم بثقة واحترام.
أصبحت المملكة اليوم واحدة من أكبر الدول دعمًا للعمل الإنساني والإغاثي، وتسهم في نشر السلام العالمي، وتفعيل الحوار بين الثقافات، وتعزيز التفاهم بين الشعوب، ومواجهة التطرف أينما وُجد.
يؤمن نادي اثر بأن التراث ليس حجارة صامتة، بل سجلّ حيّ لقيم الإنسانية. فكل رحلة ميدانية يقوم بها النادي- من العلا إلى حائل وتيماء وسواها- تكشف دروسًا في التعايش، وفهم الآخر، واحترام التنوع الثقافي، وربط الماضي بالحاضر لخدمة مستقبل أفضل.
إن التسامح ليس شعارًا طارئًا، بل إرثٌ صنعته حضاراتنا، ورسالةٌ تبنيها قيادتنا، ومستقبلٌ نصنعه معًا بما يليق بهذه الأرض العريقة وهويتها الإنسانية.
** **
- رئيس نادي أثر لاستكشاف الحضارات والآثار