د. سطام بن عبدالله آل سعد
تمثّل الزيارةُ التاريخية لسمو ولي العهد -حفظه الله- إلى الولايات المتحدة، بما تتضمنه من صفقة الطائرة الشبحية F-35 ومنظومة أسلحة متقدمة أخرى، خطوةً في مشروعٍ حضاريٍّ كامل؛ إذ لا يمكن قراءة ما يجري في سياق التسليح العسكري فحسب؛ فالإطار الأوسع له هو حماية المشروع التنموي والاقتصادي للمملكة لعقود قادمة، وبناء صيغة جديدة من القوة الناعمة والصلبة معًا.
إنّ الدول التي قررت أن تدخل القرن الحادي والعشرين من بوابة الحضارة لا تنظر إلى الدفاع بوصفه بندًا في الميزانية، بل تراه بنيةً تحتية للأمن الاقتصادي. فالمملكة اليوم هي شبكة من المدن العملاقة، والموانئ، والمناطق اللوجستية، والمشروعات السياحية، وسلاسل الإمداد، والاستثمارات العابرة للقارات. كل هذا يحتاج إلى مظلة ردع رصينة تجعل قرار الحرب مكلفًا، وقرار العبث بالاستقرار مغامرة مستحيلة. وهنا تأتي أهمية مقاتلة من الجيل الخامس مثل F-35: إنها سلاح يردع قبل أن يضرب، ويحمي قبل أن يُستدعى إلى ساحة المعركة.
القوة الجوية المتفوقة تعني السيطرة على السماء، وتعني في الوقت نفسه حماية ما تحتها: منشآت الطاقة، وخطوط الأنابيب، ومحطات الكهرباء، والجسور، والمطارات، والمشروعات السياحية الكبرى، والمدن التي يجري بناؤها بثقة عالية بأن الغد أكثر أمنًا من اليوم. في اقتصاد بحجم الاقتصاد السعودي، تتحول كل ساعة استقرار إضافية إلى قيمة اقتصادية: استثمار لا يتردد، وسائح لا يتراجع، وشركة لا تؤجل قرار دخول السوق. لذلك يمكن القول إن كل مقاتلة متقدمة تُضاف إلى منظومة الدفاع هي في العمق استثمار في «أمن التنمية»، وليست رقماً في قائمة التسليح.
ثم إن هذه المقاتلة مدخلٌ إلى اقتصادٍ كامل قائمٍ على المعرفة والصناعة والخدمات. فالتعامل مع طائرة من هذا الجيل يعني الدخول في عالم الصناعات عالية التقنية: هندسة الطيران، والإلكترونيات المتقدمة، والبرمجيات، وتحليل البيانات، والنظم المعقدة، والمحاكاة، والتدريب، وأنظمة القيادة والسيطرة. وهذا يفتح أمام المملكة بابًا واسعًا لتوطين المعرفة، وخلق شراكات مع كبرى الشركات العالمية، وبناء قدرات وطنية تتجاوز مجرد تشغيل السلاح إلى فهم فلسفة التكنولوجيا نفسها.
الأهم من ذلك أن التعامل مع طائرة تنتمي إلى جيل جديد من المقاتلات يدفع إلى انتقال التفكير الوطني من «السلاح المنفصل» إلى «المنظومة المترابطة». فهذه المقاتلة تشتغل في شبكة تضم الدفاع الجوي، والبحرية، والاستخبارات، والاتصالات، والأقمار الصناعية. هذا النوع من التفكير الشبكي هو نفسه ما يعكس التوجّه الجديد للمملكة في إدارة اقتصادها ومدنها ومستقبلها، كربط بين الطاقة والنقل، وبين التعليم وسوق العمل، وبين البحث العلمي والصناعة، وبين البيانات والسياسات. وهكذا يصبح الاستثمار في منظومة دفاعية متطورة مدخلًا لبناء «عقل وطني» جديد في إدارة الأنظمة المعقدة.
كما أن لهذه الصفقة بعدًا رمزيًا واستراتيجيًا لا يقل أهمية عن بعدها العسكري. فالمقاتلة F-35 ليست متاحة للجميع، والحصول عليها يعكس مستوى عميقًا من الثقة والشراكة الاستراتيجية مع الدولة المنتجة. في حالة المملكة، فإن تعزيز الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة بهذا المستوى يوجِّه إشارةً واضحة للأسواق العالمية بأن المملكة تمتلك شبكةً متينة من التحالفات وقوةَ ردعٍ تجعل استقرارها خيارًا راجحًا في حسابات القوى الكبرى. هذه الرسالة وحدها ترفع منسوب الثقة لدى المستثمرين والمؤسسات المالية، وتُخفِّض تقييم درجة المخاطر المرتبطة بالاستثمار في المملكة في حساباتهم. وهو مكسب اقتصادي مباشر حتى وإن لم يُكتب في أي عقد.
وبهذا المعنى، تبدو «F-35» جزءًا من معادلةٍ يقودها، ولي العهد، عرّاب الرؤية، عنوانُها الواضح: تنميةٌ لا تخشى المستقبل، وأمنٌ لا ينفصل عن الاقتصاد. فالمملكة اليوم لا تشتري سلاحًا بقدر ما ترسّخ بيئةً آمنة لاستثماراتها، ومدنها الجديدة، ومكانتها الدولية. وحين يجتمع القرار السياسي الجريء مع أدوات ردعٍ متقدمة، يصبح الطريق إلى النهضة أكثرَ ثباتًا، وأقلَّ تكلفةً.