إبراهيم بن يوسف المالك
ميزانية السعودية 2026 ليست مجرد إعلان أرقام، بل خريطة طريق اقتصادية تُظهر بوضوح أن المملكة تدخل مرحلة ناضجة من التحول: مرحلة تجمع بين التوسع في المشاريع الكبرى، والانضباط المالي، والتعامل الواقعي مع أسواق الطاقة، دون المساس بالاحتياطيات أو مصادر الاستقرار النقدي.
ما يلفت الانتباه هذا العام هو أن الميزانية قدّمت مزيجًا متوازنًا بين النمو والضبط. فالإيرادات المتوقعة تجاوزت التريليون ريال، والإنفاق بقي عند مستويات مريحة تسمح باستمرار المشاريع التحولية دون إبطاء أو اندفاع غير محسوب. ورغم تسجيل عجز يقارب 165 مليار ريال، إلا أن العجز هنا ليس عيبًا ماليًا بقدر ما هو انعكاس لمرحلة «استثمار وطني طويل المدى» يجري التعامل معه ضمن رؤية واضحة.
الدولة أكدت أنها لن تمس الاحتياطيات، ولن تتجه إلى التمويل المحلي على حساب القطاع الخاص، بل ستعتمد على الاقتراض الخارجي، ومداخيل المشاريع الكبرى، وهي إشارة مهمة لطمأنة الأسواق بأن السيولة المحلية ستبقى داعمة للنشاط التجاري والاستثماري. هذه السياسة تمنح القطاع الخاص مساحة نمو أكبر، وتمنح الدولة تنوعًا في مصادر التمويل، وتحافظ على التوازن الاقتصادي الداخلي.
أما على صعيد الطاقة، فقد كان تصريح الوزير واضحًا وصريحًا:
النفط سيظل ركيزة أساسية في المدى القريب، ولن يمكن الاستغناء عنه قبل أن تكتمل قوة القطاعات غير النفطية.
وهذا موقف واقعي يعكس نضجًا في إدارة التحول، بعيدًا عن المثالية المفرطة التي تتجاوز طبيعة الاقتصاد العالمي نفسه.
وفي سياق الحديث عن الدين العام، جاءت النقطة الأكثر لفتًا للأنظار:
السعودية تمتلك أدنى نسبة دين إلى الناتج المحلي بين دول مجموعة العشرين.
وهذه حقيقة تؤكد أن المملكة تبني تحوّلها الاقتصادي من موقع قوة وليس من موقع ضغط، وأن هامش المناورة المالية ما زال كبيرًا، وأن الاقتراض يتم في إطار صحي ومقبول عالميًا، ولأهداف إنتاجية تعود بالنفع على الاقتصاد.
الخلاصة:
ميزانية 2026 ليست ميزانية أرقام بل ميزانية «توجه».
هي رسالة بأن المملكة مستمرة في التحول بثقة، وبأن العجز جزء من مرحلة توسع محسوبة، وبأن النفط سيبقى داعمًا حتى تكتمل جاهزية الاقتصاد المتنوع… والأهم أن الدين العام ما زال عند أدنى مستوياته العالمية رغم حجم المشاريع، وهو دليل على قوة السياسة المالية وحسن إدارتها.