د. محمد بن إبراهيم الملحم
في مقطع جاءني عبر تيك توك كانت أم صينية تتحدث مع طفلها والذي بدا في سن العاشرة تقريبا سائلة إياه ماذا تفعل لو ضربك طفل آخر بالمدرسة؟ فرد الطفل سوف أصرخ عليه حتى يسمع زملائي المحيطون ويعلمون أنه هو من بدأ بضربي، ثم أضربه ثم أخبر المعلم بعد ذلك، فقالت الأم ولكن المعلم سيوبخك لأنك ضربته، قال لها فليوبخ كما يشاء ولكن لن أدع الطالب يضربني، فقالت ولكنك كان يجب أن تستخدم المنطق مع الطالب، فرد عليها إن الضرب نية سيئة ولا يحمل أي منطق فكيف استخدم المنطق والعقل مع شخص كهذا!
ثم إني إن تركته دون أن أرد الضرب له فسوف يستمر في إيذائي وربما أيضاً يتشجع طلاب آخرون مثله على الاعتداء علي، فالمعلم لن يحميني طوال اليوم الدراسي.
واستمر حديث الطالب في توضيح أنه لابد أن يتم الرد على المعتدي جسديا وعدم تركه يتمادى، والأم التي كانت تصور المشهد لم تعلق وبدا أنها عملت المقطع ليكون مادة توعوية تحمل رسالتها التي علمتها لولدها لكي يقتدي بقية الأطفال وأولياء أمورهم.
ولا شك أن الرسالة الكامنة في المقطع هي نوع من الانتقاد لضعف تصرف المعلمين حاليًا مع الاعتداء والتنمر، وهذا ما جعل كثيراً من المعلقين على هذا المقطع (وهم من العرب لوجود الترجمة العربية) يؤيدون فكرة أن «العنف الرادع» ضروري أحيانًا ويشكرون السيدة على هذا المقطع، والذي حاز على 10 آلاف إعجاب. وهذا رابطه لمن يحب الاطلاع عليه https://vt.tiktok.com/ZSfUDvLut/
وفي هذه المقالة رأيت تسليط الضوء على هذه الفلسفة الوالدية في التعامل مع تنمر أطفال المدارس «الجسدي» تحديدا، وأبدأ بالقول أن توازن الاستجابة بين الحزم والحلول غير العنيفة هو المطلب الأول من الناحية التربوية، فإن الأطفال يتعلمون من البالغين كيفية التعامل مع النزاعات، ومثل هذه الأم عندما تشجع على الضرب بشكل ضمني (لأنها فقدت الثقة في دور المعلم) فإنها تعزّز لدى الطفل فكرة أن القوة البدنية هي الطريقة الفعالة للحصول على الاحترام أو الحماية، وهذا قد ينمي مع الوقت السلوكيات العدوانية، وقد يعزز دائرة العنف بدلاً من حل النزاع بطريقة بناءة.
إن تشجيع الطفل على الضرب قد يحل مشكلة مؤقتة لكنه يخلق سلوكًا طويل الأمد قد يكون ضارًا، لكن من المهم توضيح أن التربية الحديثة تسعى إلى تعليم الأطفال مهارات حل المشكلات والاستقلالية في القرارات، وبالتالي فإن الوالدين يمكن أن يتبنوا فلسفة هذه الأم ولكن ليس بطريقتها وإنما بروح تربوية، وعندما أقول بطريقتها فإني أعني عدم التصريح للطالب أنه يرد على الاعتداء باعتداء مثله كما فعلت هذه الأم، ولكن تركه يتصرف بحسب طبيعة شخصيته، ذلك أن لدينا نوعين من الشخصية في مثل هذه المواقف: شخصية الطفل قوي القلب والبأس والقادر (ولو نسبيا) على مجابهة الاعتداء الجسدي والدفاع عن نفسه في نفس الموقف بما يردع الطفل الآخر، وشخصية الطفل المسالم والذي لا يجرؤ على فعل أي نوع من الاعتداء (كما يقال: لا يستطيع إيذاء قطة) فمثل هذه النصيحة لن تجدي معه وهي فقط ستعزز شعوره بالنقص ذلك أن الكبار يطلبون منه الدفاع عن نفسه جسديا بينما هو غير أهل لذلك، وهو ما يجعله يتورط في معارك خاسرة دائما ويتضاعف الأمر عليه بأن يصبح سخرية لبقية الطلاب، بل ربما شجع انكشاف ضعفه متنمرين آخرين ليعتدوا عليه لأتفه سبب.
باختصار، في مثل هذه المواقف فإن دور الأم (أو أي ولي أمر) هو التوجيه نحو حلول متوازنة: نعم لتعزيز الثقة بالنفس، نعم للدفاع عن النفس بطرق ذكية كأن يقال للطفل اصرخ عليه أو هدده واترك المكان أو ادفع جسد الطفل الآخر عنك حتى لا يقترب منك، لكن دون تشجيع العنف المباشر كحل أول، مع السكوت عن هذه النقطة (أقصد أن نقول له اضرب المعتدي أو نقول لا تضربه أيضا)، ولكن نهتم أن نعلمه كيف يرفع شكواه للمعلمين أو إدارة المدرسة وكيف يستشهد بزملائه الذين حضروا الواقعة ذلك أن بعض الأطفال لا يعرف فكرة «الشهود»، فمثل هذه الأفكار مهمة وأساسية في تعليم الطفل الدفاع عن نفسه من وجهة نظر حكمة الكبار، وتبقى ردود الفعل التي ستحدث منه في الموقف هي رهن قدرات الطفل حيث سيتصرف بسجيته وبحسب إمكاناته وتقديره للطرف المقابل وفداحة المشكلة، وهو ما يعزز استقلاليته ونضجه.
نحن نكتفي ألا نبالغ فنقول له اضرب من ضربك ولا نبالغ فنقول له لا تضرب أبداً، وإنما نسكت عن هذا الجانب ونتركه لتصرف الطفل، وهذا التوجه يؤيده مبدأ تربوي هو تنشئة الطفل على الاستقلالية والاعتماد على النفس واستكشاف قدراته خاصة في الصفوف العليا من المرحلة الابتدائية فهو يعيش في المدرسة مجربا لما تحويه الحياة الاجتماعية الكبرى التي سيواجهها في المستقبل ومن الجيد أن يعيش كل تجارب تلك الحياة في المدرسة ويتدرب عليها لتتكامل شخصيته وينضج تفكيره وفهمه للحياة.
مع التأكيد هنا أن مرحلة رياض الأطفال لا ينطبق عليها ما نقول هنا لأن الطفل لم يتهيأ بعد للاستقلالية، وربما نجد ذلك أيضا لدى بعض طلاب الصف الأول الابتدائي ولدى قلة قليلة في طلاب الصف الثاني، ولذلك فإن رياض الأطفال ينبغي أن تكون فيها نسبة المعلمة إلى الأطفال بشكل مثالي هي 1 إلى 10 أي أن الصف فيه 20 طالبا ومعلمتان أو معلمة ومساعدة ، وهو ما سيضمن عدم حدوث أي اعتداء جسدي أصلا.
ومثل هذا المقطع يقدم لنا فرصة للتأكيد على أن المدرسة ينبغي أن تكون أكثر فاعلية في معالجة التنمر والاعتداءات الجسدية، وبناء ثقة الطفل بأن هناك بدائل إيجابية يمكن أن يلجأ إليها، وإذا كان هناك شعور عام بين أولياء الأمور أن المعلمين (أو إدارة المدرسة) لا يتخذون إجراءات كافية، فهذا يشير إلى حاجة المدارس إلى إعادة بناء الثقة مع الطلاب والأهالي، ويجب أن تكون هناك سياسات واضحة وإجراءات ملموسة لمعالجة التنمّر، وتعزيز ثقة الطفل بأن هناك منظومة تدعمه إذا لجأ إليها، وهو ما يتطلب إصلاحات سواء على مستوى الأنظمة الرادعة أو تحسين الممارسات في المدارس ورفع مستوى المحاسبية عند التقصير في تطبيق الأنظمة واتباع الإجراءات التربوية الرادعة.
** **
- مدير عام تعليم سابقاً