د.عارف أبوحاتم
منذ أيام أطل علينا صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع بكلمة صادقة وجهها لأشقائه في اليمن، عقب تصاعد الوضع العسكري والأمني في محافظتي حضرموت والمهرة، شرق البلاد، وعلى بعد مئات الكيلومترات من أقرب جبهة قتال مع الحوثي، الذي يستجمع قوته ويعد عدته، ويبث جهازه الدعائي والإعلامي سموم الفرقة والتشظي داخل جسد الحكومة الشرعية، ليسهل عليه الانقضاض عليها بعد أن يأكلها الوهن.
اتسمت كلمة سمو الأمير بالهدوء والرصانة، والوقوف الصادق مع الجار القريب والأخ الشقيق ومساندته قبل أن تتشقق جدران بيته ويذهب ريحه ويأتيه الموج من كل مكان، ويكون الوطن والشعب هما الخاسران الأكبران، لذا مضت كلمته بنسق واحد منضبط الإيقاع، يغلب عليه لغة التصالح والتذكير بالوشائج الجامعة بين البلدين، لكنه تذكير لا يخلو من القول: مستعدون للحزم والحسم إذا لزم الأمر.
تجنب الأمير خالد كلمات التهديد والوعيد، وابتعد عن الانفعال والكتابة تحت تأثير اللحظة، وتسامى عن كل شيء مستفز، أو مؤثر على سير المعركة الفاصلة مع ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني، واستخدم مفردات تنتمي إلى لغة العقل والعاطفة الصادقة، بدءاً من العنوان: «إلى أهلنا في اليمن»، و»أهلنا» بمحمولاتها العاطفية الصادقة، وما تحيل إليه من تذكير بأن اليمن هي جزء أصيل من نسيج المملكة وتاريخها وإرثها وجغرافيتها، وما يجمع بينهما أكثر مما يفرقهما، ولا يمكن إلا أن تكونا معاً في الوحدة والمصير.
في المستهل جدد صاحب السمو الملكي التذكير بمكانة القضية الجنوبية في وجدان قيادة التحالف العربي لدعم الشرعية، بوصفها قضية مركزية أساسية لا يمكن اختزالها في شخص أو موقف أو جماعة، أو توظيفها في صراعات تنعكس بالوبال على مستقبلها، سيما وأنها قضية محل إجماع وطني وإقليمي، وتحظى بالنصيب الأكبر من الرعاية والاهتمام في كل المحافل من مؤتمر الحوار الوطني الشامل إلى «إتفاق الرياض الذي كفل مشاركة الجنوبيين في السلطة، وفتح الطريق نحو حل عادل لقضيتهم يتوافق عليه الجميع من خلال الحوار دون استخدام القوة».
مذكراً الجميع مباركة المملكة لقرار نقل السلطة من الرئيس السابق إلى مجلس القيادة الحالي وهو القرار -حسب كلمة الأمير خالد- الذي أتاح للجنوبيين المشاركة في السلطة بدلاً عن الإقصاء أو فرض الأمر الواقع بالقوة، فكيف سيقبلون على أنفسهم اليوم ما اعترضوا عليها بالأمس، أي اللجوء إلى منطق القوة، الذي ترفضه كل القوى المحلية والإقليمية.
ويعقب هذا التذكير، بتذكير آخر وهو الدعم اللامحدود الذي قدمته المملكة لليمن في كل المجالات الأساسية، والمشاريع والمبادرات التنموية والإنسانية التي أسهمت بفاعلية في تخفيف معاناة الشعب اليمني، وعززت صموده في وجه هذه الظروف القاسية.
وما تقوله الكلمات التي بين السطور إن أي تحرك أحادي الجانب يناقض كليةً ما أجمعت عليه كل القوى اليمنية في اتفاق الرياض الذي أيدته وباركته المملكة، وبالتالي فإن سياسية فرض الأمر الواقع ستقود في أبسط نتائجها إلى إيقاف كل أشكال الدعم السعودي لليمن، وستجعل كل المجتمع الدولي يتخذ مواقف مماثلة، حصيلتها الإضرار بالمركز القانوني الدولي لليمن وشرعيته المعترف بها دولياً.
وجددت كلمة سمو الأمير خالد بن سلمان التذكير أيضاً بما قدمته المملكة في سبيل تحرير محافظات الجنوب اليمني، وفي المقدمة منها عدن التي روت تربتها دماء جنود وضباط من أبناء الجيش السعودي أثناء عملية تحريرها من ميليشيا الحوثي الإرهابية، وهذا فعل مقدم يشير إلى غايته المثلى، ونبل التضحيات من أجلها وهي «استعادة الأرض والدولة، لا مدخلاً لصراعات جديدة، وتحقيق مكاسب ضيقة» وهذا الاستدعاء للماضي ليس عاطفياً، بل تذكير بمسئولية المملكة تجاه شقيقتها اليمن، وهي مسئولية تمضي داخل مساقات سياسية وقانونية وأخلاقية، يجب صونها والحفاظ عليها، باعتبارها المخرج الآمن والأمثل لليمن من هذه الحرب التي طال أمدها، فاليمن يمر في أسوء منعطف تاريخي وتركه وحيداً يعني بالضرورة التشتت والانقسامات وتعدد الولاءات التي ستفضي إلى كيانات ممزقة، ودويلات متناحرة، وشعب يصارع الموت من أجل الحياة!.
الرجل الذي تحدث من مسئولية، وخاطب الجميع بمنطق «الحكيم القادر» لم يترك في كلمته مساحة للمراوغة في مستقبل ومصير محافظتين تشكل مساحتهما أكثر من ثلثي اليمن، وترتبطان عضوياً في تاريخ وجغرافيا المملكة، فضلاً عن التداخل الأسري، والروابط التجارية والتاريخية، وما تشكله من عمق وحصن حصين في الأمن القومي للمملكة والجزيرة العربية عموماً، حيث للمحافظتين حدود برية مع المملكة تزيد عن 500 كيلومتر، ولولا تلك المكانة لليمن عامة -وحضرموت والمهرة خاصة- لما ضحت المملكة بخيرة رجالها، وروت بدمائهم الطاهرة أرض اليمن، خلال معركة تحرير المحافظات الجنوبية من ميليشيا الحوثية الإرهابية، فقال سمو الأمير عاتباً وحازماً: «حيث أدت الأحداث المؤسفة منذ بداية ديسمبر 2025 في محافظتي حضرموت والمهرة إلى شق الصف في مواجهة العدو، وإهدار ما ضحى من أجله أبناؤنا وأبناء اليمن، والإضرار بالقضية الجنوبية العادلة».
وبحكمة موروثة، راهن الأمير خالد على عقلاء اليمن «في المكونات والقيادات والشخصيات الجنوبية التي أظهرت دوراً واعياً وحكيماً في دعم جهود إنهاء التصعيد في المحافظتين، والمساهمة في إعادة السلم المجتمعي، وعدم جر المحافظات الجنوبية الآمنة إلى صراعات لا طائل منها، وعدم إعطاء فرصة للمتربصين لتحقيق أهدافهم في اليمن والمنطقة»، وتغليب صوت العقل والحكمة، على صوت الرصاص ورائحة البارود، والاحتكام إلى الضمائر بدلاً من القفز في الظلام، فتأكيد المملكة والتزاماتها مجربة وصادقة، وقد وعدت أن تكون القضية الجنوبية جزءا أصيلا وحاضرا في أي حل سياسي في اليمن، وأي رهان بعد ذلك سيقود إلى منزلقات لا يحتملها البلد الجريح.