«الجزيرة» - عارف أبوحاتم:
رحبت جميع المكونات الجنوبية اليمنية بالدعوة التي وجهتها المملكة العربية السعودية لعقد مؤتمر جنوبي - جنوبي في الرياض بناءً على طلب فخامة الرئيس اليمني رشاد محمد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الذي أكد في طلبه على عقد مؤتمر جامع تبحث فيه القضية الجنوبية بكل أبعادها التاريخية والاجتماعية وجذور مشكلتها وتشخيص واقعها ووضع الحلول الكافلة والضامنة لإنهاء كل الإشكالات المتعلقة بها.
وعقب صدور الموافقة السعودية الكريمة على دعوة الرئيس العليمي أعلن حوالي 50 شخصية سياسية جنوبية موافقتهم على الدعوة، فيما رحب عدد من المكونات السياسية بالدعوة، بما فيها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي أعلن رئيسه عيدروس الزبيدي بيان ترحيب، لا يخلو من التعسفات، إذ اشترط الاعتراف بإرادة الجنوب -من وجهة نظره- ووضع إطار زمني محدد، وضمانات دولية، ثم استفتاء حول تقرير المصير، لكن هذه الموافقة المشروطة جُوبهت بانتقادات جنوبية صارمة، فقد رأى فيه عدد من المكونات الجنوبية ادّعاء احتكار وتمثيل القضية الجنوبية في المجلس الانتقالي، وبالتالي إفشال المؤتمر قبل أن يبدأ، وقال السياسي صلاح باتيس عضو مجلس الشورى اليمني إن «إعلان الزبيدي لا يحمل أي قيمة قانونية ويمثِّل تمرداً على الشرعية اليمنية، ومشروع ما يُسمى بدولة الجنوب العربي لا شرعية له ولا مكان في التاريخ».
ومساء أمس الأول وصل إلى الرياض عضو مجلس القيادة الرئاسي ونائب رئيس المجلس الانتقالي الشيخ عبدالرحمن المحرمي أبوزرعة والتقى صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع، وبحث معه مستجدات الأحداث، وسبل حلها بما يضمن إنهاء جذور المشكلة الجنوبية. وقال لقد ساد لقائي بسمو الأمير روح الأخوة والتفاهم وتبادل وجهات النظر حول مستجدات الأوضاع في بلادنا».
وكان الشيخ المحرمي قد أصدر ترحيباً غير مشروط بالدعوة السعودية لعقد مؤتمر حوار جنوبي جنوبي واعتبر ذلك دليلاً على «حرصها العميق على دعم جهود السلام والاستقرار في اليمن، وتجسد هذه المبادرة التزام المملكة الثابت بتعزيز الحلول السياسية الشاملة المبنية على الحوار والتوافق، وانطلاقاً من مسؤولية المملكة التاريخية ودوروها الإقليمي البناء تواصل المملكة رعاية هذا الحوار الذي يهدف إلى معالجة القضية الجنوبية العادلة، وضمان تحقيق تطلعات شعب الجنوب المشروعة مع المساهمة في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي».
واعتبر المحرمي المؤتمر المزمع عقده في الرياض برعاية المملكة فرصة تاريخية لتوحيد الصف الجنوبي وصياغة موقف موحَّد يعكس تطلعات الشعب، كما يشكّل منصة لإيجاد حلول سياسية عادلة لمستقبله، في إطار يحافظ على أمنه واستقراره ويعزِّز تنميته، بما يسهم في تعزيز بيئة السلام والاستقرار في المنطقة بأسرها.
من جهته رحب عضو مجلس القيادة الرئاسي ونائب رئيس المجلس الانتقالي اللواء فرج البحسني بدعوة المملكة «لمؤتمر الحوار الجنوبي بهدف بحث الحلول العادلة والمنصفة للقضية الجنوبية، وقال نعتبر هذه الدعوة امتداداً طبيعياً للعلاقات الأخوية والتاريخية الراسخة بين بلدينا، بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الراهنة وتحدياتها وتعبيراً صادقاً عن حرص المملكة على استقرار بلادنا». معرباً عن أمله في أن يسفر المؤتمر الجنوبي عن حلول عادلة تُلبي تطلعات أبناء الجنوب المشروعة، وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والسلام.
ووجه اللواء البحسني شكره وامتنانه لقيادة المملكة العربية السعودية ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهد الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان.
واستقبل صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع مساء أمس في مكتبه العميد طارق صالح عضو مجلس القيادة الرئاسي عقب وصوله إلى الرياض ومباركته الخطوات الإيجابية والدعوات الأخوية الصادقة التي وجهتها المملكة للم شمل أبناء الجنوب اليمني.
انهيارات قوات الانتقالي
وتوالت مساء أمس الانهيارات داخل المجلس الانتقالي الجنوبي بطريقة دراماتيكية لم تكن في حسبان قيادته وأنصاره، عقب ساعات من دخول قوات درع الوطن الموالية للحكومية الشرعية إلى مناطق عسكرية ومدنية في محافظتي حضرموت والمهرة، وسط ترحيب وزغاريد شعبية بخروج ميليشيات المجلس الانتقالي وعودة الأمن والاستقرار إلى مناطقهم.
ومن الخشعة في الشمال الغربي إلى الغيضة شرقاً مضت عمليات التحرير بعزيمة وثبات وقدرات قتالية احترافية قادها أبناء قوات درع الوطن في تحرير أراضي المحافظتين من العبث والملشنة المسلحة التي عبثت بمدنهم وقراهم ووديانهم طيلة الفترة الماضية خاصة خلال شهر ديسمبر المنصرم، حيث مارست قيادات وأفراد الانتقالي عمليات نهب وسلب للممتلكات العامة والخاصة في عدد من المناطق أبرزها، مدينة سيئون، التي وثّقت صور ومقاطع فيديو بثها مواطنون في حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي عمليات سرقة ونهب للمحلات وأثاث المنازل والاعتداءات الممنهجة ضد المواطنين، مصطحبين معهم إلى أحمالاً ثقيلة من البضائع والأثاث والسيارات المنهوبة من سكان مدينة سيئون.
كما أظهرت صور ومقاطع فيديو تسلّم قوات درع الوطن آليات عسكرية تابعة لثلاثة ألوية تابعة للمجلس الانتقالي عقب كمين محكم نصبته قوات درع الوطن أثناء محاولة عناصر التمرد الفرار إلى عدن، وقال شهود عيان إن العملية تمت باحترافية وإنسانية عالية، حيث لم يمس أحد من الضباط والأفراد بسوء، رغم محاولات قوات المجلس الانتقالي نشر الفوضى من خلال ترك مخازن المعسكرات مفتوحة أمام المواطنين من أجل نهب محتوياته وإحداث حالة من الفوضى والفلتان الأمني.
اعتقالات ونهب للممتلكات
ووثّقت منظمات مدنية حالات نهب واعتداءات واعتقالات أبرزها عملية اختطاف الشيخ عبدالله بن صالح الكثيري مرجعية مشائخ آل كثير وأحد أكبر مشائخ حضرموت عقب رفضه الظهور في قناة «عدن» التابعة للانتقالي والإعلان عن ترحيبه بقوات الانتقالي التي وصفها بالغازية، ومع إصرار الشيخ الكثيري رفض الإملاءات عليه تم اختطافه قبل 20 يوماً وإيداعه معسكر الأدواس، قبل أن تتمكَّن قوات درع الوطن من تحريره، ورد اعتباره.
وتمكنت فرقة أمنية مدربة أمس الأثنين من تحرير معالي مدير ميناء المكلا سالم علي باسمير عقب اختطافه من قبل قوات المجلس الانتقالي في 1-1-2026، لأنه أفصح عن دخول حوالي 6 سفن أسلحة ومعدات قادمة من ميناء الفجيرة الإماراتي إلى ميناء المكلا وعلى متنها أسلحة ومعدات وبضائع ومؤن للمعسكرات، لكنها أصرت على دخول الميناء وتفريغ حمولتها بمنطق القوة لا بالتصاريح القانونية المعمول بها.
وكانت مجاميع مسلحة تابعة للمجلس الانتقالي بقيادة منيف الزبيدي قد تمكنت من نهب معدات اتصالات وأجهزة كمبيوتر مركبات مدرعة وسيارات مدنية وأسلحة وأجهزة تابعة لألوية الحماية الرئاسية من داخل القصر الجمهوري بالمكلا قبل أن تلوذ بالفرار إلى عدن.
وفي سياق متصل بالأحداث أقدمت مجاميع مسلحة في مدينة عدن على قطع الطريق العام الرابط بين محافظتي عدن وتعز، ومنعت القادمين من المحافظات الشمالية من دخول مدينة عدن، التي يضطرون للسفر إليها من أجل المغادرة من مطار عدن الدولي إلى خارج البلاد.
وتسلَّمت قوات درع الوطن مطاري الريان وسيئون ومقر القصر الجمهوري بالمكلا والقصر الجمهوري بسيئون وميناء المكلا وإذاعة المكلا والقصر الجمهوري في الغيضة ومنفذ صرفيت البري مع سلطنة عمان.
تطبيع الأوضاع وعودة مؤسسات الدولة للعمل
ووصل عصر يوم الأحد الماضي معالي السيد سالم الخنبشي محافظ محافظة حضرموت رئيس اللجنة الأمنية قائد قوات درع الوطن المكلّف إلى مدينة سيئون من أجل الاطلاع على تطبيع الأوضاع الأمنية وسير الأعمال الروتينية وسير عملية تسليم المعسكرات من قوات الانتقالي إلى قوات درع الوطن بإشراف ومتابعة من السلطة المحلية وعد قيادة التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية.
وقال المحافظ الخنبشي إن المحافظة تدشّن مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ الأمن والاستقرار ولتولي أبناء حضرموت مسؤولية تأمين أرضهم. وقال إن حضرموت جسد واحد من الساحل إلى الوادي والصحراء.
وقام المحافظ الخنبشي بجولة تفقدية شملت عدداً من المرافق الحيوية والمعسكرات التي تسلَّمتها قوات درع الوطن والأمن العام، وشدَّد على ضرورة تطبيع الوضع العام للمحافظة والعودة إلى العمل والتعليم والإنتاج ونبذ الفرقة بين أبناء حضرموت.
وقال الخنبشي لوسائل الإعلام إن قوات الانتقالي نهبت كل شيء من مطار سيئون بما في ذلك أجهزة الكمبيوتر الخاصة بقراءة الباكوردات الخاصة بالمسافرين، وتركت المطار على البلاط.
وأكد المحافظ الخنبشي أن ميليشيات الانتقالي فرضت على المؤسسات الإيرادية توريد الأموال المتحصلة إلى حساباتهم الشخصية لدى شركات الصرافة، وسمحت لأفرادها نهب ممتلكات المحلات التجارية واختطاف المعارضين، فيما لم تتمكَّن من فرض نفس الإجراءات في مدن المكلا والقطن وتريم.
كما أكد أن المدارس ستعاود استقبال الطلاب خلال الأسبوعين القادمين. وفيما يتعلَّق بشركة بترومسيلة النفطية فأكد المحافظ أن لدى قوات درع الوطن لواء كامل متخصص بحماية الشركة لأهميتها.
وأشرف معالي محافظ المهرة السيد محمد علي ياسر على عملية تسليم المعسكرات من ميليشيات الانتقالي إلى قوات درع الوطن، وقال أمام حشد من الجماهير من أراد الفوضى فعليه أن يذهب إلى قريته، أما المهرة فلا تحتمل الفوضى والفشل.
ترحيب دولي بدعوة المملكة للحوار الجنوبي
وحظيت دعوة المملكة العربية السعودية لعقد مؤتمر حوار جنوبي جنوبي في الرياض بترحيب دولي كبير، إذ أيَّده كل من دولة قطر والكويت والبحرين ومصر والأردن والصومال والسودان وبريطانيا ومجلس التعاون الخليجي.
واعتبرت هذه الدول أن دعوة المملكة تمثِّل الحل الأنسب والمخرج الآمن لليمنيين من مشاكلهم المعقدة ووضع حد لنهاية الصراع حول القضية الجنوبية بكل أبعادها التاريخية والاجتماعية، والتي مثَّلت أس المشاكل في ملف الأزمة اليمنية.
كما أكدت الدول المرحبة بالدعوة السعودية أن من شأن هذا المؤتمر العمل على رأب الصداع الذي حدث داخل منظومة الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً.