«الجزيرة» - عارف أبوحاتم:
وثقت عدد من المنظمات المدنية المحلية والدولية عددا من الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة، وصنفتها عدد من المنظمات بأنها جرائم حرب، تجاوزت حدود الاختلاف مع الآخرين إلى استخدام السلاح وقتلهم وسلب ممتلكاتهم ومصادرة الحقوق وملاحقة الجرحى إلى المستشفيات وتصفيتهم أو اختطافهم.
ورصد ناشطون حقوقيون عددا من الانتهاكات الإنسانية والقانونية طالت سكان محافظتي حضرموت والمهرة وأثارت حالة من الفلتان الأمني نتيجة ترك مخازن الأسلحة مفتوحة أمام المواطنين، قبل أن تحكم قوات درع الوطن سيطرتها على المخازن، حيث وثقت المنظمات عملية بيع للأسلحة في سوق الغيضة بالمهرة عقب نهبها من محور الغيضة العسكري.
انتهاكات الانتقالي بالأرقام
وقال تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات إن قوات المجلس الانتقالي قتلت 35 شخصاً من أبناء حضرموت وأصابت 56 آخرين، وعملت على تصفية 7 أسرى، واختطفت 268 شخصاً من منازلهم ومقار أعمالهم في حضرموت، و 3 حالات في المهرة، وهجَّرت 3500 مواطن من منازلهم، أغلبهم من أبناء المحافظات الشمالية، وارتكبت 4071 انتهاكاً بعضها يصل إلى جرائم حرب، وداهمت 112 منزلا، و56 مقر عمل، ونهبت عدداً من مخازن الأسلحة في المعسكرات والمناطق العسكرية التي سيطرت عليها.
فيما قالت رئاسة هيئة الأركان اليمنية في بيان لها إن 32 جندياً قتلوا وأصيب 45 آخرين من منتسبي المنطقة العسكرية الأولى في منطقة سيئون بحضرموت، إضافة إلى مقتل 6 أشخاص وجرح 12 آخرين في صفوف مقاتلي تحالف قبائل حضرموت خلال المواجهات التي شهدتها المنطقة مع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، التي وصفها أهالي حضرموت بـ»الغازية».
وقال تقرير منظمة سام للحقوق والحريات ومقرها فيينا: إن القوات الحكومية التابعة للمنطقة العسكرية الأولى تعرضت لهجوم مباغت نفذته قوات تابعة للمجلس الانتقالي في 3 ديسمبر الماضي، مخلفة أضراراً بشرية ومادية كبيرة.
وأضاف التقرير إن المنظمة حصلت على معلومات مدعومة بالمستندات والشهادات الأولية بأن تشكيلات مسلحة تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي نفّذت عمليات انتشار واقتحام واسعة في وادي حضرموت ومدينة سيئون اتسمت باستخدام القوة خارج الإطار القانوني وبتأثير مباشر على سلامة المدنيين وولاية مؤسسات الدولة. وشملت تلك العمليات دخول مقار حكومية وعسكرية في سيئون، بما في ذلك مكاتب مدنية تابعة للسلطات المحلية والاستيلاء على محتوياتها وتقييد حركة الموظفين والحراس، وكان أبرز تلك المكاتب مقر المجمع القضائي بحضرموت وفرع وزارة الداخلية ومطار سيئون حيث تم نهب كل شيء، من أجهزة الكمبيوتر إلى أدوات القرطاسية.
وطالت العمليات منازل مسؤولين حكوميين من بينها منزل وزير الداخلية ومنزل الوكيل الأول لوزارة الداخلية، فضلا عن مداهمة منازل جنود وضباط من المنطقة العسكرية الأولى في الأحياء القريبة من مقر قيادتهم، وتخللتها انتهاكات لحرمة المساكن وترويع للأسر ونهب لممتلكات خاصة وامتدت الاعتداءات لتشمل الأنشطة الاقتصادية المدنية، ومقر حزب الإصلاح في سيئون والاعتداء على حراسته، إذ أجبر تجار في سوق سيئون على فتح محلاتهم تحت التهديد، ثم تعرضت تلك المحلات ودكاكين الباعة في أحياء السوق القديمة للنهب في وضح النهار. كما جرى فتح مخازن للأسلحة والذخائر في منطقة المنشآت العسكرية بوادي حضرموت وتركها دون حراسة، مما أتاح لآخرين الاستيلاء عليها في إخلال مباشر بواجب السيطرة على المواد العسكرية.
اقتحام البيوت ومنع حرية التنقل
وأكد تقرير منظمة سام وقوع ممارسات ذات طابع رمزي، شملت إنزال العلم الوطني من مبانٍ رسمية في سيئون واستبداله بأعلام انفصالية، بما يعبر عن فرض سلطة أمر واقع. كما منع الوفد السعودي ومحافظ حضرموت من دخول وادي حضرموت ولقاء القيادات المجتمعية، في انتهاك حرية الحركة وإعاقة لعمل السلطات المدنية وتزامن ذلك مع انتشار خطاب عدائي يستهدف أبناء حضرموت بعبارات مناطقية، ما أسهم في زيادة التوتر المجتمعي. وإلى جانب ذلك، وثقت المستندات حالات اعتداء على الممتلكات الخاصة من بينها سرقة قطعان أغنام من أسر في منطقة الغرفة بسيئون.
وتتضمن البيانات الواردة كذلك توثيقا لاعتداء واسع على سكان البيوت الخشبية ومخيم مريمة في سيئون، حيث جرى اقتحام مساكن نازحين ونهب ممتلكات نحو 450 أسرة، بما يشمل المنازل والمواشي والمدخرات والأدوات الأساسية للمعيشة، وهو ما يعكس نمطًا متعدد الأبعاد من الانتهاكات يمس الحق في السكن والملكية والكرامة الإنسانية.
من جهتها اعتبرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن التصعيد العسكري للمجلس الانتقالي كان له كلفة حقوقية جسيمة، تمثلت في ارتفاع معدلات الاعتقال التعسفي، وتوسّع دائرة الإخفاء القسري، وتقييد الحريات العامة، وتعريض المدنيين للخطر المباشر.
وقالت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات من منظور حقوقي وإنساني، يُعد التصعيد العسكري في حضرموت وصفة مؤكدة لكارثة إنسانية جديدة، في بلد يعاني أصلًا من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث سعى المجلس الانتقالي إلى تفكيك التوافقات المحلية، وتفكيك منظومة التوازنات الأمنية، كان يهدف إلى فتح الباب واسعًا أمام فراغ أمني خطير، وعودة شبكات التهريب المنظمة، وتسلل الجماعات المتطرفة في حالة انشغال الأطراف المتصارعة ببعضها، غير أن الدخول الحاسم لقوات درع الوطن أفشل ذلك المخطط.
وأضافت لقد تسبب الاقتحام المباشر لمحافظة حضرموت في نزوح داخلي واسع من مناطق التماس، وتعطّل الخدمات العامة الأساسية، كالكهرباء والمياه والصحة، وانهيار سبل العيش لآلاف الأسر المرتبطة بالزراعة، والصيد، والوظائف الحكومية، وارتفاع معدلات الفقر والجوع في بيئة منهكة أصلا بالحرب.
وقالت المنظمة: إن هذه الانتهاكات أسفرت عن تشريد مئات الأسر وحرمانها من المأوى والدخل، وتفكك عشرات العائلات بسبب التهجير القسري، وصدمات نفسية جسيمة للأطفال والنساء، وتعرض الأنشطة التجارية للنهب والاعتداءات، وارتفاع منسوب الكراهية والتوتر المناطقي.
وكان ناشطون حقوقيون محليون وعرب طالبوا المجلس الانتقالي بوقف فوري لكافة الانتهاكات وأعمال التصفية، والإفراج العاجل عن جميع المعتقلين تعسفيًا، ووقف التهجير القسري وإعادة المهجّرين إلى منازلهم فوراً، وإعادة جميع الممتلكات المنهوبة، وفتح تحقيق مستقل في جرائم التصفية والقتل، ومحاسبة جميع المسؤولين دون استثناء، وضبط أسواق السلاح ومنع تداوله خارج مؤسسات الدولة، وتوفير حماية دولية عاجلة للمدنيين في حضرموت.