د. محمد بن إبراهيم الملحم
في غرة هذا الأسبوع أشرق العام الميلادي الجديد، لتبدأ حياة جديدة لدى كثير من الناس ممن يهتمون بالمراجعة الذاتية في كل محطة زمنية، والتي هي سلوك بناء تنمو معه أغصان الإنجاز وتورق فيه أزهار التميز، وتلك المراجعة تجسد أن إحساسهم بالتجدد لا يضيق في زاوية تبدّل أرقام التقويم بل هو قيمة عطاء وتطوير وانطلاق جديد بكل مرة يزورهم أي رمز للتجدد، وهذا النوع من السلوك ينبغي له أن يتسع ليشمل منظومات أكبر ومنها، وربما أهمها، منظومة التربية والتعليم، ذلك أنها المجال الأكثر ارتباطًا بمستقبل الأفراد والمجتمعات، فبدايات الأعوام غالبًا ما تحمل معها توقعات بالتغيير والتحسين، ولابد أن تمثل للمؤسسات التعليمية فرصة لمراجعة مساراتها، وتقويم منجزاتها، وإعادة ضبط بوصلتها بما يتناسب مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، فالتعليم في جوهره عملية تراكمية طويلة الأمد، لا تقاس نتائجها في عام واحد، مما يجعلها بحاجة كل عام إلى وقفة تأمل جادة، ولذا فإنه مع مطلع هذا العام الجديد، يصبح من الضروري أن نسأل: ما الذي تعلمه طلابنا فعلًا؟ وما المهارات التي اكتسبوها؟ وهل ما نقدمه في مدارسنا وجامعاتنا يهيئهم لعالم متغير تحكمه المعرفة والتقنية والتنافسية؟ هذه الأسئلة لا تُطرح للتشكيك، بل لتحفيز التطوير، وإعادة التفكير في فلسفة التعليم وأهدافه..
لقد شهدت التربية والتعليم في السنوات الأخيرة تحولات نوعية، سواء على مستوى المناهج أو أساليب التدريس أو توظيف التقنية، ومع ذلك، فإن العام الميلادي الجديد يذكّرنا بأن التحديث الحقيقي لا يكمن في الأدوات وحدها، بل في الرؤية التربوية التي توجه استخدامها، فالتعليم الفعّال هو الذي يوازن بين المعرفة الأكاديمية وبناء القيم، وبين التحصيل الدراسي وتنمية الشخصية، وبين الانضباط المدرسي وإتاحة مساحات للتفكير الحر والإبداع، ولا شك أن تعليما بمثل هذه الرؤية سيكون له شأن وأثر بالغ في تحقيق طموحات وطنية متقدمة، ولابد لمثل تلك الرؤية التربوية الطموحة من أدوات ووسائل تحقيق، ومتابعة مستمرة للكيفية التي تربطها بالرؤية الكبرى لدولة تعمل جادة على التموضع عالميا في المقدمة وفي أهم مواقع التأثير الدولي.
ويمثل المعلم في هذا السياق محور العملية التعليمية وأساس نجاحها، فمع بداية عام جديد، تتجدد أهمية تمكين المعلمين مهنيًا، ليس فقط عبر الدورات التدريبية، بل من خلال الثقة بأدوارهم، وإشراكهم في تطوير المناهج والأنظمة، ومنحهم مساحة للاجتهاد والابتكار داخل الصف، فالمعلم الذي يشعر بالتقدير والدعم يكون أكثر قدرة على إلهام طلابه، وأكثر استعدادًا لتبني أساليب تعليمية حديثة تستجيب لحاجاتهم المختلفة، وأهم معالم التقدير هي إشراك المعلمين في القرارات التربوية إشراكا تمثيليا صحيحا وبطريقة إبداعية توظف أفضل نماذج التشاركية وتتجاوز شكلياتها التسويقية، فالمعلم هو أكثر من يعرف كيف يكون الانطلاق للأفضل وهو من يسد كل ثغرات فهم الواقع التعليمي، والتي لا يحصل عليها خبراء التعليم من مجرد مراجعة الأدبيات أو محاولات تطبيق النظريات ونماذج أفضل الممارسات.
كما يشكل الطالب محور الاهتمام الأول في أي مشروع تعليمي ناجح، فالعام الجديد فرصة لإعادة النظر في تجربة الطالب داخل المدرسة، من حيث بيئة التعلم، وأساليب التقويم، وطبيعة العلاقة مع المعلم.
ولم يعد كافيًا أن يكون الطالب متلقيًا سلبيًا للمعرفة، بل ينبغي أن يكون شريكًا في التعلم، قادرًا على البحث، وطرح الأسئلة، وربط ما يتعلمه بحياته اليومية. إن تنمية مهارات القرن الحادي والعشرين، مثل التفكير الناقد، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، أصبحت ضرورة لا خيارًا.
ومن زاوية أوسع، يبرز العام الميلادي الجديد بوصفه مناسبة لتعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة والمجتمع. فالتعليم لم يعد مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هو مشروع جماعي تتكامل فيه الأدوار.
حين يشعر ولي الأمر بأنه شريك حقيقي في العملية التعليمية، وحين تنفتح المدرسة على محيطها الاجتماعي، يصبح التعلم أكثر عمقًا وأثرًا، وتتحول المدرسة إلى فضاء حيوي لبناء الإنسان، لا مجرد مكان لتلقي الدروس؛ ولا يمكن إغفال دور القيم التربوية في هذه المرحلة، فمع تسارع التغيرات التقنية والثقافية، تزداد الحاجة إلى تعليم يرسخ الهوية، ويعزز الانتماء، ويغرس مبادئ المسؤولية والاحترام والتسامح، فالعام الجديد ليس فقط بداية زمنية، بل فرصة لإعادة التأكيد على أن التعليم رسالة أخلاقية قبل أن يكون مسارًا أكاديميًا.
إن العام الميلادي الجديد يحمل للتربية والتعليم رسالة أمل وتجديد.
هو دعوة صريحة لمراجعة التجارب، وتجاوز التحديات، والبناء على النجاحات، بروح إيجابية وعقلية تطويرية. وحين يُستقبل العام الجديد برؤية تعليمية واضحة، وإرادة صادقة للإصلاح، يصبح التقويم أكثر من مجرد صفحات تُقلب، ويتحول التعليم إلى رافعة حقيقية لمستقبل أكثر وعيًا وإنسانية واستدامة.
** **
- مدير عام تعليم سابقاً