أ.د.عثمان بن صالح العامر
أنا لست متابعاً جيداً للدوري السعودي فضلاً عن غيره من الرياضات المحلية والعالمية، وإن كنت في الأصل هلالياً، ولكنني أحياناً أشاهد المباريات التي يتوافق حدوثها مع وجودي في المنزل واتمتع بوقت فراغ، وربما امتدت بي الحال لمشاهدة تحليل ما بعد المباراة، والعجيب أن يحدث في البعض منها ما يمكن أن يصنف في خانة الظلم دون الجزم بأنه ظلم مقصود، وقد يؤثر على النتيجة، ليس هذا ما أردت طرحه هنا، ولكنني سقت ما ورد أعلاه لاستخلص نتيجة بعيدة كل البعد عن الميدان الرياضي.
- لقد اختير الحكم لهذه المباراة من قبل لجان مختصة بعناية فائقة جداً، وربما جاء من بلاد بعيدة، ودفع له مبلغ وقدره، والأصل فيه أنه محايد تماماً، ولا ولن يحابي أو ينحاز لأي من الفريقين.
- ووضع معه رجال خط يساعدونه في مهمته الأساس ألا وهي تحقيق العدل الرياضي.
- ومن خلفهم أجهزة دقيقة متخصصة في رصد أي خطأ يحدث أثناء المباراة (الفار).
- والمنافسة هنا لا تعدو أن تكون كروية بحتة، ويمكن التعويض عن الخسارة في جولة تالية غالباً.
- والمساحة التي تجري فيها الأحداث محدودة جداً، ألا وهو المستطيل الأخضر.
- والزمن هو كذلك محدد بتسعين دقيقة تزيد وقتاً اضافيا حسب ظروف المباراة.
- وما أن تنتهي أحداث الشوطين حتى تتسابق القنوات الإعلامية في استضافة المحللين الذي يمارسون النقد على التحكيم ويظهرون سوأته وعواره.
- ولا يقف الأمر عند هؤلاء المحللين بل للجماهير كلمتهم سواء أفصحوا عنها من خلال اللقاءات التلفزيونية بعد انتهاء المباراة أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي الذي هو ملك للجميع، والمعلوم أن لكل فريق جماهيره المتعصبة والتي تملك مهارة النقد، وتعرف القوانين الرياضية بشكل إبداعي متميز.
- ومع ذلك كله يقع الميل عن جادة العدل مع أن كل هذه المعطيات الواردة أعلاه تجعل احتمالية الظلم سواء أكان مقصوداً لا سمح الله أو أنه عفوي في الأصل (صفر).
- هذا إذا كان يحدث مع كل هذه التحصينات التي تتابع تنفيذها وترصد الأخطاء التي تقع من الحكام الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) فإن حدوثه بيننا بني البشر في الدائرة الأوسع والمنافسة الأشد التي هي على المال ومتع الحياة المختلفة المنصوص عليها في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (14) سورة آل عمران. أعظم أثراً وأكثر حدوثاً وأعنف وقعاً.
- لست هنا أبرر ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ولكنني سقته متعجباً من حال بني البشر في تجاذب الحدين (العدل) و(الظلم) بهما، سواء في الإطار الأسري أو التعليمي أو الوظيفي أو المجتمعي، أو الاقتصادي، أو الإعلامي أو...
- إن كل منا ليس خلفه حكم يرصد تجاوزاته، ولا يوجد جهاز متخصص يحسب عليه أنفاسه، والمساحة التي يتحرك بها الأرض كل الأرض، والوقت من الميلاد وحتى الرحيل عن هذه الدار، والنزوات والنزعات التي تحركه ليسطوا ما استطاع إلى ذلك سبيلا مستقرها بين حناياه، واللاعبين في الميدان ليسوا أحد عشر لاعبا فحسب بل ملايين البشر، منهم العامي والمتعلم، الصغير والكبير، الذكر والأنثى، وهذا هو التحدي الحقيقي، وليس لدى الإنسان من ميزان يزن به أفعاله عدل هي أم ظلم أقوى من ضميره الداخلي الذي يجب أن يكون حياً متيقظاً حتى يسلم من مقاضاته يوم الدين فيما بينه وبين البشر، ومتى حدث منه شيء من الحيف والميل عن جادة الحق والعدل فليسارع للتحلل ممن ظلم كما وجهنا لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «مَن كَانَتْ له مَظْلِمَةٌ لأخِيهِ مِن عِرْضِهِ أَوْ شيءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليَومَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إنْ كانَ له عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ منه بقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ له حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عليه» والله المستعان، وإلى لقاء والسلام.