د.زكية محمد العتيبي
ليست الروابط بين البشر دائمًا ثمرة وعي مشترك أو محبة متجذّرة، فكثير منها ينشأ من الألفة والطمأنينة التي يمنحها التشابه، والراحة التي يولّدها حضور لا يربك الصور الساكنة في النفوس.
حين تكون في مستوى مألوف يأنس الناس بك لأنك لا تزعزع توازنهم الداخلي، ولا تفتح فيهم أسئلة مؤجلة.
غير أنّ الروح لم تخلق لتقيم في موضع واحد، أو لحظة ما، وإنما يبدأ الداخل في الاتساع حيث يصبح الطموح نارا لطيفة تنضج الهمم.
عند هذا التحوّل، تتبدّل المرايا التي تُرى فيها العلاقات من حولك، فالآخرون من حولك يرون انعكاسًا لم يعتادوه منك، فأنت كبرت فكرا وطموحا، وتبدل حضورك إلى الحضور الذي يتحقق فيه معناك الحقيقي في نفع الناس وإعمار الأرض، فيتسلّل القلق إلى أرواحهم، ليس كراهية لك، وإنما خوفًا مما أيقظته فيهم من روائح الغياب، وأصوات الطموح الموؤد، والراحة التي لاتقلقهم.
تطورك ونموك يذكّر الآخرين بما نام في أعماقهم، ويضعهم وجهًا لوجه أمام أحلام لم تُسق، وأسئلة قد أُهملت، وطرق لم تُسلك، وهنا، تميل النفوس إلى الأسهل، إلى ما لا يطالبها بالتغيير، إلى حضور يكرّس السكون، فيتساقطون من قائمتك؛ ليستوطنوا قوائم من لا يشعرهم بما تشعرهم به؛ فالإنسان الذي لم يتّسع بعد لا يحرّك المياه الراكدة، فيلتفّون حوله مطمئنّين، إلى أن تبدأ روحه هي الأخرى في التمدّد، فيرتحلون للأخف سطوعًا حتى يتوهج فيرتحلون إلى غيره.
وهكذا تكتشف حقيقة موجعة هادئة تفيد بأن القرب لا يعني الجاهزية للاستمرار، فكثيرون قد أحبّوا صورتك القديمة؛ تلك النسخة التي كانت تتوافق مع راحتهم، و توقّعاتهم، وحاجتهم إلى ثبات العالم من حولهم؛ فأنت حين تطورت، لم يعرفوا كيف يأنسون بك من جديد، لأنهم لم يتعلّموا الأنس بالتحوّل.
هذا الفقد رحمة خفيّة فالنجاح والعمق لا يعاقبان، إنما يكشفان، و يزيحان الستار عن النوايا، ويتركان في الدائرة من كان حضوره متعلّقًا بالجوهر، لا بالمكانة ولا بالوظيفة النفسية.
من يبقى معك بعد اتّساعك؛ هو شاهد صدق على محبة حرّة لا تخاف الضوء ولا تضيق بالترقي؛ فهؤلاء لا يربكهم نموّك، لأنهم يسيرون في دروبهم الخاصة، لهم نموهم وتطورهم، وإيمانهم بأن القمة تسع الجميع، أما أصحاب الأقنعة، فيغادرون بهدوء، تاركين لك فراغًا يشبه فسحة، ومساحة تسمح لروحك أن تواصل رحلتها خفيفة، صادقة، ومتصالحة مع قانون الغربلة الذي يحكم مسار وعيك كلما ارتفعتَ واتسعتَ.
** **
- أديبة وأكاديمية سعودية.