أ.د.عبد الله بن سليم الرشيد
لـمّا انتظمتُ في كلية اللغة العربية بالرياض، درَستُ على أيدي أشياخ كبار، منهم محمد بن سعد بن حسين ومحمد المفدّى وحمد المنصور وعبدالقدوس أبو صالح ومحمد علي الهاشمي ومحمد عويس وعزّ الدين الأمين وبدوي طبانة ودرويش الجندي وتوفيق محمد سبْع، وحمد الدخيّل وعبدالله عسيلان، وآخرون. رحم الله الأمواتَ منهم، وبارك في أعمارِ الأحياء.
وفي أول فصل في الكلية، وكان قد بدأ في ذي الحجة من سنة 1403هـ، درّسنا (أوضحَ المسالك إلى ألفيةِ ابنِ مالك) في النحو الدكتور معيض بن مساعد العوفي الذي صار عميدًا للكلية فيما بعد، وكان من الفألِ الحسنِ أن يدرّسَنا هذا الرجلُ النبيل، إذْ كان سخيَّ النفس، لطيفَ المخالقة، بشوشًا سمحًا، يبذلُ ما يبذلُ في الإفهام والتفهيم، والبيان والتبيين، ويُشرِك التلاميذَ في الاستنباط، فأفدنا منه فوائدَ كثيرة، وحَمِدنا أثرَه فينا.
وكان معنا في القاعة طالبٌ سَيفانُ هَبَيَّخٌ (أي طويلٌ ممشوق بادن)، حادّ النظرات، له شاربان كثّان، مفتولا الطرفين، يفرِّخُ فيهما الطير، وهو من الذين دخلوا الجامعةَ على حينِ غفلةٍ من أهلها، وكان يقتعدُ كرسيًّا في أقصى القاعة. فكان الدكتور معيض يسألُ فأبتدرُ الإجابةَ أنا وزميلٌ مجاورٌ، وكثُرت سؤالاتُ الأستاذ، وتعاورتُ أنا والزميل الإجابات، دون غيرنا إلا في النَّدَرَى، فكأنّ السَّيْفانَ ذا الشاربين لم يعجبْه الأمر، فنهض في أحد الأيام، بعد أن غادر الدكتور معيضٌ القاعة، ووقف على رأسيْنا، ونظر إلينا نظرةَ الذئبِ إلى الحُملان، وقال مُرعِدًا كاسرًا عينَه، وهو يفتلُ شاربَه: (مسوّين لي فيها أذكيا؟ خُفّوا علينا يا الدوافير)، وفهمنا التهديد، فقلّلنا المشاركة، إلا إذا خصّ الدكتورُ أحدَنا بالسؤال.
والدوافيرُ في لغة التلاميذ جمع (دافور)، وهو التلميذُ المجتهد، وُصِف بذلك من باب التشبيه البليغ، فكأنه (الدافور) وهو الموقد، لأنه يظلّ يشتعل ويُنضِج ما وُضع عليه (وهذه من فوائد أستاذنا السَّنِيّ أبي أوس الشمسان الذي قال: إنه معرّبٌ)، ولم أكن (دافورًا) بالمعنى الدقيق الذي يريده التلاميذ، ولكنني كنتُ أحيانًا أستحي من أن يسألَ الأستاذُ فلا يجدَ من يجيب، فأبادرُ إلى الكلام وإن لم أكن واثقًا بما عندي، وربما قلتُ لغوًا، أي إنني أستحي بالإنابة عن الباقين من ألا يجدَ الأستاذُ صدًى.
ومن المفارقة أن يضطرَّني حيائي إلى إظهار نفسي! كنت مرةً في وفدٍ من طلاب الكلية نزورُ فرعَ الجامعة في الأحساء في بعض شهور سنة 1406هـ (1986م)، وفي أثناء حفلٍ خَطابي للمضيّفين، قالوا: نريدُ أن نسمعَ كلمةً من أحد الطلاب الضيوف، فتلفّت الطلابُ بعضُهم إلى بعضهم، وأغضى بعضُهم خشيةَ أن يُنظَر إليه، فرفعتُ يدي، فدعوني إلى المنصّة، فتكلمت كلامًا لا أدري ما قيمتُه ولا أثرُه، والمهمّ أني لم أجعلْ نفسي وزملائي أعْيِياء لا نقدرُ على الكلام ونحن طلاب (اللغة العربية).
وكان من الفأل السعيد أن دَرَسْنا في السنة الأولى عند الشيخ حمد بن عبدالله المنصور رحمه الله (ت 1440هـ/2019م)، وهو من طلاب العلم القدماء الذين تلمحُ فيهم من شمائل الكرم والمروءة وحبّ العلم والتواضع ما يزيدُك حبًّا لهم، ويجعلك تحقرُ جهدَك وحرصَك إذا ما رأيت حرصَهم وجهدَهم. درَّسَنا (النصوص)، غير أننا لم ندرس طَوال الفصل سوى ثلاث قصائد، إحداها عينية متمّم في رثاء أخيه مالك، وأطال القولَ فيها؛ لأنه كان شديدَ الإعجاب بها، وكان يسهبُ في البيان والشرح، ويناقشُ الطلابَ، ويحرّضُ على السؤال.
وكان من طريقتِه أن يملي ثم يشرح، فاجتمع بين يديّ من أماليه وتعليقاتي دفترٌ سمّيتُه (أُنْسَ البَحّاث في اعتوارِ القصائد الثلاث)، وبـَخَعتُ نفسي أسفًا أنْ لم أطْلِعْه عليه، ولو فعلتُ لأبهجته، فما أحسنَ أن يجدَ المدرّسُ صدًى لجهدِه، وثمرًا لغَرْسِه!
وكان من أساتذتنا في الكلية عبدالقدوس أبو صالح رحمه الله (ت 1443هـ/2022م) العالم المَهيب الشديد الشكيمة الزِّمِّيتُ الوقور، وكان درسُه في النصوص، التي اختارها من شعرِ الحماسة في الأدب القديم، وبدا لي من بعدُ أنه يهيّئ كتابًا عن شعر الحماسة نَواتُه هذه المحاضرات التي أملاها علينا، وما زالت عندي.
وكان من مواقفه التربوية الحميدة أنه في سنة 1405هـ (1985م) جاء بأوراق اختبار أعمال الفصل، ليُطلعَنا على درجاتنا، وينبّهَ إلى أخطائنا، ثم رفع ورقتي – وكانت خاليةً من الأخطاء النحوية والإملائية بفضل الله- وعَرَضها على الطلاب، ثم قال: هكذا فلتكنْ ورقةُ طالب اللغة، ثم أردف يخاطبُني: لو كان لي من الأمر شيء لنقلتُك إلى السنة الأخيرة، واختصرتُ لك سنتين.
وكنتُ حينذاك في بداية السنة الثانية، وهذا من التحدّثِ بنعمة الله.
راعني هذا الموقف المشجِّع، ولا سيّما أنه من أستاذِنا المَهيب، وظللتُ من بعدُ حريصًا على ألا يقِلَّ مستواي الكتابي عمّا مدحني من أجلِه أستاذي. إنها (كلماتٌ)، ولكنها كانت وقودًا، و(ألفاظٌ) ولكنها صُوًى، ولهذا ما قالت العربُ عن الكلمة الحسنةِ (عَيناء)؛ إذْ هي التي تنشرحُ لها النفس، ويتسعُ بها الصدرُ، وتسجعُ لها قُمريّةُ الروح، وعلى خلافها الكلمةُ (العوراء)، التي يكونُ لها من الأثرِ ما جعل العربَ تقول في أمثالها: (ربّ رأسٍ حَصيد لسان)، وقال فيها بعض الشعراء:
قوارصُ تأتيني ويحتقرونها
وقد يملأ القطرُ الإناءَ فيفعَمُ
ولما درّسَنا أستاذنا عبدالقدوس مرةً أخرى في السنة الأخيرة، سألَنا يومًا: أيُّكم ينوي إكمالَ الدراسات العليا؟ فرفع ستةٌ من نحو ثمانيةَ عشرَ أيديَهم، فزفر زفرةَ الحنِق، وزجَرَنا رافعًا عقيرتَه: (بَسْ! شُو هالجيل المنحطّ!) جيلٌ منحطّ! هكذا رآنا أستاذُنا الجليل، لأن الثُلُثَ –والثلُثُ كثير- هم الذين ينوون إتمام دراستهم!
إن ذلك الحكمَ القاسي ناشئٌ من نظرة ورِثها أستاذُنا أبو صالح عن جيلٍ آخرَ بعيدٍ عن جيلِنا كلَّ البُعد، زمانًا ومكانًا، جيلِه هو وأجيال سبقتْه، وإلا فإن عدد الطامحين منا جيدٌ جدًّا بالنظرِ إلى ما كان عليه جيلُنا الذي لم يشغلْه بعدُ ما شغلَ أجيالًا لاحقة، فإن كان جيلُنا ضعيفًا خوّارًا (منحطًّا)، ففي الذين بعدنا أجيالٌ أكثرُ تدهورًا وانحرافًا وفسادًا، وهلمّ شرورًا متلاحقةً على الأجيال التي نشهدُ طفولتَها ومراهقتَها في يوم الناس هذا. ولولا الخشيةُ من أن يُتلى « كُلّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لّعَنَتْ أُخْتَهَا» لمَطَلتُ نفَسَ الكتابة في هذا الموضوع الحرِج المزعج، ولا سيما أني أبٌ، أدركُ ما يواجهُ الأجيالَ النابتةَ من مخاطر، وما يتخطّف عقولَها ويعيثُ بقلوبِها، وما تُرْصِدُه شياطينُ الإنس والجنّ لها.
وبقيتْ علاقتي بأستاذي عبدالقدوس جيدةً على بُعدٍ؛ لأنه مشغولٌ، فهو من الرجال الذين لا يعرفون فراغًا، وبقيَ بعد انقضاء عقده في جامعة الإمام، يتنقّل بين كلية المعلمين ومكتب وزير التعليم الأسبق ورابطةِ الأدب الإسلامي التي رأسَها حينًا حتى أقعدتْه الشيخوخة.
ظلّت علاقتي به علاقةَ تلميذٍ يقدُر لأستاذه قدرَه، ولكني لم أعقِدْها عقدًا متينًا؛ لأن طبيعتَه الصارمةَ جدًّا، وصلابتَه في آرائه، وشدّتَه على مخالفيه- وإن انطوى على قلبٍ نقيٍّ وخلُقٍ رفيع وإخلاصٍ نادر- أضرعَتْني إلى ذلك، فضلًا على ما عَلِقْتُ به من شغولٍ وظيفية وعلمية.
غيرَ أنه باغتني في أحد أيام سنة 1428هـ (2007م) مهاتِفًا، وانفتلَ يشكرُني ويثني عليّ ثناءً أسكتني، وأردف بأنه سعيدٌ بأن يجدَ هذا التجويد -على ما قال- في أحد تلاميذه! ثم بيّن ما غمُض إذ قال: يا ابني، لقد قرأتُ تقريرك عن تحقيق ابنتي (شادن) لكتاب (لُمَح المُلَح للحَظيري)، فألحَحْتُ على الدكتور يحيى بن جُنيد الساعاتي أن يخبرني عن الذي كتب التقرير، فكشفَ اسمَك لي، فكان هذا مبعثَ سعادتي. (وإنما سأل ابنَ جُنيد لأن الكتاب طُبع في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات، وكان ابنُ جُنيد رئيسَه).
والحقّ أني اغتبطتُ بثنائه، وشعرتُ بقيمةِ أن يجتهدَ المرءُ في عمله، ويخلصَ في أدائه، وتقريري الذي أعجبَه يمكنُ أن يكونَ بحثًا لطوله. ولم أظنَّ أن أحدًا سيعرفُ من كتبه، سوى اللجنة العلمية التي رشّحتني لكتابته.
وكان آخرُ لقاءٍ لي به، لما قدّمتُ في مسرح كلية اللغة العربية محاضرة عامّةً أبنتُ فيها رفضي مصطلحَ (الأدب الإسلامي)، وأفَضْتُ عارضًا ما أراه من تهافتِ القول به، وانتقدتُ بعض مبادئ (رابطة الأدب الإسلامي)، وكان حاضرًا، وهو رئيسُها، وكنتُ مفاجَأً بحضوره، لأنه كان إبّان ذلك مستشارًا في مكتب وزير التعليم، وما ظننتُ أن خبرَ محاضرتي بالغٌ مسامعَه، ولكنّ (أبناءَ الحلال) لم يقصّروا، وما حضر إلا لشدّةِ حماستِه لمقارعة من يناوئُ الفكرة، ولذلك علّق تعليقًا نمّ على استيائِه من وجهة نظري، وأخذتْه الحماسةُ في بيان رأيه، ولكنّه ساق رؤيتَه مَساقًا علميًّا محمودًا، ولم ألقَه بعدها رحمه الله.
وعلى جدِّه الغالب وصرامتِه لم نعدَم منه أُوَيقاتَ ضَحِك، منها أنه سَخِرَ يومًا من نفسِه، إذْ قال: إن أخاه (يعني محبَّ الدين رحمه الله) أزعجه طالبٌ كان يقعدُ تجاهه، وركبتاه لا تكفّان عن الاصطفاق، إذْ كان يُدْني إحداهما من الأخرى ويُبعدُها في فعل متواتر لا ينقطع طَوالَ الوقت، فقال محبُّ الدين له: (اسكن يا بُنيّ، فقد أزعجَتْني حركةُ رجليك)، فردّ قائلًا: (تعلمتُ هذه الحركةَ من أخيك عبدالقدوس)! وقد كانت تلك عادتَه رحمه الله.
ومن أساتذتنا الكرام الدكتور حمد بن ناصر الدخيّل، الذي تلقّينا على يديه (الأدبَ الأندلسي)، وكان مما أفدتُه منه الاطلاعُ الواسع على التراث، والمعرفةُ الدقيقة بالدواوين المحققة، وتمييزُ النشرات العلمية من التجارية، على سماحة نفْس وأريحيةٍ، ونفَسٍ ممتدٍّ في النقاش، وحبٍّ لإشراك الطلاب فيما يدرّس. وهو من كبار المحققين السعوديين، وما زال يؤلف ويحقّق، زاده الله بسطةً في العمرِ والعمل وال علم. ويشبهه في هذا المنحى الدكتور علي حسين البواب الذي درّسني بعضَ المقررات، وكان مشتغلًا بالتحقيق، وله فيه إسهاماتٌ حسنة، وهو في التأليف والتحقيق أبرعُ منه في التدريس.
أما أكثرُ الأساتذة طيبَ نفسٍ وسلامةَ صدر ومخالقةً عاليةً لتلاميذه فهو الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيّع، قوّاه الله، وهو أحد رجالات الثقافة والأدب، ولم يكن كثيرَ المحاضرات في الكلية؛ لأنه كان -إبّان تدريسِه إيّانا- عميدًا للبحث العلمي، غير أننا أفدنا منه فوائدَ جمّةً إذْ درّسَنا كتاب (العِقْد)، ومن محاسنِه أن كان يخرجُ مع كلّ سانحة إلى مسائلَ تتصل بالتكوين العلمي ويحضُّ على إدامة الاطلاع، ويذكرُ بعضَ تجاربه العلمية والعملية، فكان في محاضراته نُدحةٌ وخروجٌ من إملال الجدّ المتواتر.
(للحديث صلة)