خالد محمد الدوس
مدخل:
في عالم متغير تتصادم فيه التحولات الثقافية والتغيرات الاجتماعية..
هل تساءلنا يوماً: لماذا تتغير عاداتنا وقيمنا بهذه السرعة..؟! أو كيف تشكلنا التكنولوجيا وتعيد تعريف علاقاتنا..؟!
هذه الزاوية الثقافية الأسبوعية لا تكتفي بوصف التحولات من حولنا، بل تحمل منهج «علم الاجتماع».. ليطرح الأسئلة الجوهرية عليها.
نحن هنا لنسبر أغوار الظواهر الاجتماعية والثقافية الخفية، ونحولها إلى نقاش (ثقافي اجتماعي) واضح مع أحد الخبراء والباحثين في ميدان علم الاجتماع. نحاول مقاربة هذه الاستفهامات بعيداً عن الإجابات الجاهزة..!
ضيفنا في هذه الزاوية الثقافية الأب الروحي لعلم الاجتماع السعودي الأستاذ الدكتورإبراهيم بن مبارك آل جوير، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.. نحّول العدسة لرؤية العالم الاجتماعي كما يراه علماؤه: نظاماً معقداً من المعاني والقوى والصراع.
طرحنا عليه بعض التساؤلات والتي تتمثل في: كيف أثرت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية على منظومة القيم والفكر والأخلاق؟، وعلى علاقة الأجيال الجديدة بالموروث الثقافي؟. وما هي أبرز التحديات التي يفرضها هذا التسارع في التغير الثقافي على المؤسسات التربوية والتعليمية.؟!
وهنا التقط الخبير الاجتماعي البروفيسور إبراهيم آل جوير خيط الإجابة قائلا:
أولا: علم الاجتماع يسأل ما أعجبه من عنوان, علم الاجتماع ذلك العلم المهم الذي يدخل في كل نواحي الحياة وفي كل العلوم، فلا يستغني عنه أي علم سواء الطب أو الشريعة أو القانون أو السياسة أو الصيدلة أو التجارة أو الصناعة أو الزراعة أو غيرها من العلوم أليس هو العلم الذي يدرس التفاعل الإنساني بمنهجية علمية يدرس أي مشكلة بين اثنين وأكثر وعندما نتكلم عن المشكلة من الذي يحدد أنها مشكلة أي مجتمع لا بد أن تكون له مرجعية تنبني عليه القيم والمعايير والصواب والخطأ والحق والباطل وألا تسود الفوضى ومن هنا تأتي لأهمية السؤال من علم الاجتماع وسؤال لماذا من الأسئلة المهمة لمن يريد المعرفة إن هذا السؤال يفتح آفاقا للعلم والتحقيق.
أما كيف أثرت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية على منظومة القيم والفكر والأخلاق..؟! فيا له من سؤال كان علم الاجتماع يتحدث عن التنشئة الاجتماعية..
ولذلك نجد أن الأسرة هي التي تقوم بهذه المهمة الأولى والأساس والمستمرة لبناء السلوك السليم وتحقيق المناعة الثقافية.. التي تهدف إلى تعزيز وعي الفرد بهويته وقيمه وتمكينه من التفاعل مع الثقافات لأخرى بشكل واعٍ، والمناعة الثقافية أشبه بنظام المناعة في الجسم: لا تمنع الاحتكاك بالعالم الخارجي، بل تقوي الداخل ليميز بين النافع والضار ويتعامل معه بذكاء ووعي..
ثم المدرسة تقوم بالتنشئة الاجتماعية الثانية أو إعادة التنشئة ثم الحي ووسائل الإعلام والجيرة ثم الصحبة ولكن في الوقت الحاضر قامت وسائل التواصل والمنصات الرقمية بإزاحة كل ما سبق الأسرة والمدرسة والأقارب والحي والأصدقاء وأصبحت المؤثر الأخطر والأول وأصبحت لا تؤثر في القيم والأخلاق فحسب بل تحدد القيم والأخلاق والصواب والخطأ وتحدد الزمن والإنسان في أحد تعريفاته هو الزمن وإذا مضى الزمن فماذا بقي..!
السؤال عن الموروث الثقافي يطرح سؤالا من الذي يحدد نوع وكمية الموروث ومن أين نستمده وكيف نجدده ونتفاعل معه وبه وله؟ هل هناك ارتباط وتواصل بين الأجيال عبر موروث ثقافي معتبر؟
لابد أن تكون الأسرة والمؤسسات التربوية والتعليمية والإعلامية والمجتمعية مؤسسات تتسارع مع تسارع المتغيرات، وأن تكون مؤسسات تربي وتعلّم وتثقف، وأن يكون علم الاجتماع حاضرا في كل ذلك يسأل ويجيب ويتفاعل. والخلاصة.. لكي لا تُحاصر هذه المؤسسات وتصبح عاجزة أو بعيدة عن الواقع عليها أن تتحول إلى كائنات ديناميكية.. تتعلم وتتغير، وتستثمر في بناء الإنسان القادر على التعامل مع التعقيد والتمييزن الغث والسمين، والإسهام في بناء مجتمعه لا أن يكون مجرد متلقي سلبي. هذه هي المعادلة الصعبة والحاسمة لمستقبل أي أمه.