الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
تؤكد الشريعة الإسلامية الحرص على أموال الناس، وصيانتها من كل ما يمكن أن يسبب انتهاكها، والغش التجاري أحد أشكال الاعتداء على الأموال، وأخذها بغير وجه حق.
ولاشك أن الغش التجاري آفة قديمة، وظاهرة متجددة مؤثرة ومضرة تتسبب في تشويه البيئة التجارية وتضر بالنشاطات الاقتصادية، وعلى الرغم من وجود أنظمة في البلاد تكفل الحقوق للعباد، إلا أن بعضهم لايزال يمارس الاحتيال والخديعة في الأعمال التجارية، وذلك في أكل أموال الناس بالباطل بأساليب مختلفة خبيثة.
«الجزيرة» طرحت القضية على عدد من ذوي الاختصاص والمهتمين بهذا الشأن للحديث عن رؤيتهم، والسبل الكفيلة للحد من تلك السلوكيات والممارسات المحرمة في مجتمعنا المسلم.
حقوق الخلق
يؤكد الدكتور عبدالمحسن بن عبدالله الزكري قاضي الاستئناف أن الشريعة الغراء حفظت حقوق الخلق وأقامت موازين العدل والاحترام بينهم، وذلك ظاهر ومشتهر وردت به نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومن ذلك الخطبة الرائعة والمسماة بخطبة الوداع ومما ورد فيها تعظيم حرمة حقوق الخلق في أعراضهم ودمائهم وأموالهم، ومع تأثير المدنية المعاصرة التي تغفل أحيانا القيم والأخلاق يتجرأ بعض الناس على محاولة كسب أكبر قدر من الأموال وتحقيق أعلى قدر من الأرباح ولو من خلال الغش في الكميات والأوزان للسلع وهو ما توعد الله عليه بالويل والعذاب الشديد في سورة المطففين، وأحيانا بالنجش ورفع الأسعار، أو تعديل تاريخ الصلاحية للسلع وإخفاء البيانات الضرورية للمستهلك، وربما بيع السلع التي لم تعد صالحة لسوء التخزين أو غيره وقد اشتهر في المجتمع عدد من الوقائع والتي أودت أو كادت تودي بأرواح الناس، ومع صدور عدد من الأنظمة واللوائح التي تسعى لضبط التعامل بين التاجر والمستهلك إلا أن البشر يحتاجون لتحقيق الأمن الأخلاقي إلى رفع مستوى الجميع في الإيمان باليوم الآخر والحساب الذي ينتظرهم عند انتهاء آجالهم، بالإضافة إلى العقوبات العاجلة في نزع البركة وفقد الطمأنينة، وفساد أحوالهم في العاجل قبل الآجل، وقد ربط النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بين الإيمان والأمانة، ومن ذلك حديث أنس رضي الله عنه «ما خطبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا قال: لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له» أخرجه الإمام أحمد (12567)، والبزار (7196) أبو يعلى (2863).
الإشكالية الحقيقية
ويبين الدكتور فيصل بن سعد البقمي، رئيس مجلس الأعمال السعودي الصومالي، أن التجارة تُعدّ من أقدم الأنشطة الإنسانية وأكثرها تأثيرًا في المجتمعات والاقتصادات، وقد قامت منذ نشأتها على مبدأ تبادل المنافع وتحقيق الربح المشروع، مع تحمّل قدرٍ من المخاطرة المحسوبة، ولا خلاف على أن الخسارة جزء من دورة العمل التجاري، وأن تقلبات السوق، وسوء التقدير أحيانًا، والظروف الاقتصادية المتغيرة قد تُلحق الضرر حتى بأكثر التجار خبرة.
غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وقوع الخسارة، بل في كيفية التعامل معها، وفي الخط الفاصل بين المخاطرة المشروعة والتعدّي غير المشروع على حقوق الآخرين، مشيراً إلى أنه في بيئة الأعمال الحديثة، أُقِرّت أنظمة وإجراءات نظامية تهدف إلى تنظيم السوق وحمايته، مثل: إعادة الهيكلة أو تعليق النشاط أو إعلان الإفلاس، وهي أدوات مشروعة أُنشئت لمعالجة التعثر المالي، لا لتكون مخرجًا للتنصل من الالتزامات أو وسيلة لإسقاط الذمم.
فإلغاء السجلات التجارية أو إنهاء الكيانات النظامية قد يُغلق ملفًا إداريًا، لكنه لا يُغلق ملف الحقوق، ولا يُغيّر من حقيقة أن المال أمانة، وأن الالتزامات الأخلاقية لا تسقط بالإجراءات الشكلية.
وقد قرر الإسلام هذا المبدأ بوضوح حين قال الله سبحانه وتعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}، كما وضع النبي صلى الله عليه وسلم ميزانًا دقيقًا يفرّق بين التعثر بحسن نية والتلاعب المقصود، بقوله: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله».
سلامة الذمة
ويشير الدكتور فيصل البقمي على أن العمل التجاري الحقيقي لا يُقاس فقط بحجم الإيرادات أو عدد المشاريع، بل يُقاس بسلامة الذمة، والوفاء بالالتزامات، والشفافية في التعامل، وحفظ حقوق الشركاء والعاملين والمتعاملين؛فهذه القيم هي التي تصنع الاستدامة، وتبني الثقة، وتحفظ للسوق توازنه.
وليس من المهنية ولا من المروءة التجارية أن تُحمَّل الخسائر على أطراف أضعف، أو أن يُستباح مال الغير بحجة أن «هذه طبيعة التجارة»، فالتجارة لا تُلغي الأخلاق، ولا تعفي من المسؤولية، بل تزيدها، لأن أثرها لا يقتصر على فرد واحد، بل يمتد إلى المجتمع والسوق ككل، مشيراً إلى أن الخسارة المالية قد تُعوَّض، لكن خسارة الثقة والأمانة لا تُعوَّض؛ فالتاجر لا يملك في النهاية إلا سمعته، وإذا سقطت سمعته سقطت تجارته، وانقطعت ثقة التجار به.
ومن هنا، فإن بناء بيئة تجارية صحية لا يتحقق بالأنظمة وحدها، رغم أهميتها، بل يتطلب ضميرًا مهنيًا حيًا، وإيمانًا راسخًا بأن العدالة في المعاملة ليست عبئًا على التجارة، بل ضمان لاستمرارها، وأن السوق الذي تُصان فيه الحقوق هو السوق الذي ينجو فيه الجميع على المدى الطويل.
القوة والوعي
ويشدد الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله الشهري المحامي والمستشار القانوني، على أن الغش التجاري يُعدّ من صور أكل أموال الناس بالباطل التي شددت الشريعة الإسلامية على تحريمها؛ قال تعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»، لما في الغش من خديعة وظلم وإفساد للمعاملات.
ويبين المحامي عبدالرحمن الشهري المسارات المتكاملة التي يمكن أن تحد من هذه السلوكيات، ومن أهمها: تعزيز الوازع الديني بترسيخ قيم الأمانة والصدق ومراقبة الله في المعاملات، وتفعيل الأنظمة الرقابية وتطبيق نظام مكافحة الغش التجاري بحزم على كل صور التزوير والتضليل، ورفع وعي المستهلك بحقوقه وتشجيعه على الإبلاغ عن المخالفات، بما يسهم في ردع المتلاعبين وحماية السوق من العبث.
ومتى اجتمع الوازع الشرعي مع قوة النظام ووعي المجتمع، ضُيّقت سبل الغش، وقامت التجارة على العدل والنزاهة والبركة.