د. محمد بن إبراهيم الملحم
لم يكن المشرف التربوي في بدايات التعليم الحديث سوى «عين السلطة» داخل المدرسة. يدخل الصف وفي يده دفتر ملاحظات، يبحث عن الخطأ، ويغادر محمّلًا بتقارير تُرفع إلى جهات عليا.
كان حضوره يثير القلق أكثر مما يثير التعلم، ويصنع حاجزًا نفسيًا بينه وبين المعلم. العلاقة كانت رأسية: مفتّش يقيّم، ومعلم يُحاسَب، وهذا النموذج لم يكن غريبًا على عصره؛ فقد وُلد في زمن كانت فيه المدرسة تُدار بعقلية المصنع، والمعلم موظفًا ينفّذ، والطالب متلقيًا.
لكن التعليم -بطبيعته الإنسانية- لم يحتمل طويلًا هذا القالب الصلب، فمع بدايات القرن العشرين، وظهور أفكار تربوية جديدة قادها مفكرون مثل جون ديوي، بدأ السؤال يتغير: هل يمكن تحسين التعليم بالخوف؟ وهل ينمو المعلم تحت التهديد أم في بيئة داعمة؟ وهذا ما أدى إلى أنه بعد الحرب العالمية الثانية، ومع إعادة بناء الأنظمة التعليمية في أوروبا وأمريكا، وفي بحر السبعينيات تحديدا تبلور تحوّل عميق في فلسفة الإشراف، فلم يعد الهدف «ضبط المعلم»، بل «تنميته»، وهكذا ظهر مفهوم «الإشراف التربوي» بوصفه عملية تعاونية تهدف إلى تحسين التدريس والتعلّم عبر الدعم المهني والتغذية الراجعة وبناء القدرات، ومعه وُلد الشعار الذي صار عنوان مرحلة كاملة «من التفتيش إلى التوجيه» ومن السيطرة إلى الدعم ومن الرقابة إلى النمو المهني، فلم يعد المشرف «شرطي الصف»، بل أصبح شريكًا في تحسين جودة التعليم، في هذا الإطار الجديد، تغيّر سؤال المشرف حين يدخل الصف، فلم يعد: أين الخطأ؟ بل أصبح: كيف يتعلم الطلاب؟ وكيف يمكن أن نُحسّن هذه التجربة؟
المشرف المعاصر لا يفتش عن الزلة، بل يقرأ الممارسة. لا يصدر حكمًا نهائيًا، بل يفتح حوارًا مهنيًا. يجلس مع المعلم بعد الحصة، لا ليعدد العيوب، بل ليبني معه رؤية أفضل للدرس القادم. يلفت نظره إلى نقطة قوة قبل أن يشير إلى مجال للتحسين. ويحوّل الملاحظة الصفية من لحظة قلق إلى فرصة تعلم، لم يعد دوره مقتصرًا على زيارة الصفوف، بل أصبح جزءًا من النسيج المهني للمدرسة.
يشارك في بناء خطط التحسين، ويحلل نتائج الطلاب، ويقود مجتمعات تعلم بين المعلمين. إنه حلقة وصل بين السياسة التعليمية والواقع اليومي في الفصل، يترجم التوجهات الكبرى إلى ممارسات قابلة للتطبيق، وينقل صوت الميدان إلى صانع القرار، ونتيجة لذلك ففي هذا النموذج، لا يُنظر إلى المعلم بوصفه «مشكلة يجب ضبطها»، بل «رأس مال بشري يجب تمكينه». المشرف لا يصحّح المعلم، بل يساعده على أن يتقن التصحيح الذاتي. لا يملي عليه الحلول، بل يدربه على التفكير المهني. هدفه النهائي أن يصبح المعلم قادرًا على التطور حتى في غياب المشرف.
غير أن التحدي الأكبر ليس في تغيير المسميات أو اللوائح، بل في تغيير العقلية. فكثير من الأنظمة التعليمية تبنّت لغة الإشراف الحديث، لكنها ما زالت تمارس بروح التفتيش القديمة. قد يُسمّى الشخص «مشرفًا تربويًا»، لكنه يدخل المدرسة بعقلية الرقيب، ويغادرها وقد زرع الخوف بدل الثقة، ولذلك فإن التحول الحقيقي يبدأ من السؤال الداخلي الذي يحمله المشرف معه: هل جئت لأبحث عن الخطأ أم لأفهم الواقع؟ هل دوري أن أُظهر السلطة أم أن أبني القدرة؟
هل أريد الامتثال أم النمو؟ في المدرسة المعاصرة، لم يعد الإشراف وظيفة رقابية، بل رسالة تنموية. المشرف الفاعل هو من يختار أن يكون شريكًا في بناء المعلم، لا حارسًا على أخطائه؛ مهندسًا لجودة التعلم، لا شرطيًا على بوابة الصف، وهكذا، فإن التحول من التفتيش إلى التوجيه ليس حدثًا تاريخيًا مضى وانتهى، بل مسارًا مستمرًا يتجدد في كل زيارة صفية، وفي كل حوار مهني، وفي كل قرار يتخذه مشرف بين أن يعاقب أو أن يمكّن، وعندها فقط يتحقق المعنى العميق لذلك التحول الذي بدأ (فلسفيا) قبل قرن، و(تطبيقيا) منذ نصف قرن تقريبا : من التفتيش إلى التمكين.. ومن السيطرة إلى بناء الإنسان.
** **
- مدير عام تعليم سابقا