د. سطام بن عبدالله آل سعد
خرج ولم يعد.. ليست جملةً عن مغادرة مقعدٍ في برنامج، بل عن مغادرةٍ أكبر تتمثل في انضباطٍ مهنيٍّ يتهدّم، واحترامٍ لعقل المشاهد يتآكل، وشجاعةٍ تجعل المحلل يقول؛ أخطأت في الاستنتاج، أو قصّرت في الدليل، أو لم أحسن ترتيب الفكرة. وحين يتلاشى هذا الانضباط، لا يعود الاستوديو مساحةً لشرح المباراة بقدر ما يتحوّل إلى منصةٍ تتكرر فيها روايات جاهزة لتبرير كل شيء، وتُرفع فيها النبرة، ويغيب فيها الدليل.
ومن هنا تُقاس جودةُ البرامج الرياضية بمنطق التحليل الذي تُديره؛ إمّا قراءةٌ فنيةٌ تُفكّك المباراة وتُقيّم الأداء وفق تفاصيل قابلة للفحص، وإمّا خصومةٌ مُعاد تدويرها تتكاثر فيها مفرداتٌ عامة مثل «استفزاز» و»ممارسات متعمدة»، دون أن تُسندها شواهد يمكن اختبارها.
إنّ التحليل الحقيقي يبدأ من شكل الفريقين وتنظيمهما، ومن الضغط والتمركز والتحولات، ومن جودة التمرير والمساحات التي فُتحت وأُغلقت، ثم ينتهي بمقارنةٍ واضحة بين الشوطين في الفكرة والانضباط والتكيّف. فإذا غابت هذه السلسلة، خرج التحليل من كونه مهنة، وهبط إلى انفعالٍ يُريد الانتصار لسرديةٍ ضعيفة قبل الانتصار للحقيقة.
الضيف الذي لا يحتمل سؤالًا عن الموضوعية، ولا يستوعب مقاطعةً تُنبهه إلى ضرورة بناء حجته، يكشف أنه لا يملك «مادة تحليل» بقدر ما يملك «موقفًا». ومن يملك موقفًا فقط، سيغضب من أي محاولة لتقويم منطقه، لأن التقويم يطال الفراغ الذي يحاول تغطيته بالصوت.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط يُفقر الجمهور ويُغريه بالهروب من قراءة المباراة إلى قراءة النوايا، ويزرع في الوعي الرياضي أن الهزيمة مؤامرة، وأن الفوز استفزاز، وأن الحكم هو المشكلة الوحيدة. ومع الوقت تتبخر قيمة العمل الفني للمدربين واللاعبين، وتذبل لغة الأرقام والتموضع والتكتيك، ويكبر بدلها قاموس الاتهام والتشكيك.
الانتماء الرياضي حق طبيعي، لكنه يصبح عبئًا حين يتحول إلى عدسةٍ وحيدة تُرى بها المباراة، وحين يُستبدل التحليل بالتحيز، يصبح الصراخ هو اللغة الوحيدة. والحق أيضًا أن التعصب ليس حكرًا على جمهورٍ بعينه؛ هو آفةٌ تتنقل بين المدرجات والأندية، وتُصيب من يظن أن «الاستوديو» امتدادٌ للمدرج، وأن مهمته أن يُصفّق لفريقه أو يُعاقب خصمه بالكلام.
خرج… ولم يعد، هي كشفٌ عن الهروب الكبير الذي يحتاج إلى سبب. والسبب هو العجزُ عن تقديمِ رأيٍ وفكرةٍ منطقيةٍ قابلةٍ للنقاش.