منذ سنوات، والإمارات تروج لرواية ثابتة ومكررة مفادها أن وجودها العسكري في اليمن، وتحديدا في المحافظات الجنوبية، كان موجها بالأساس لمحاربة التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم القاعدة.
خلال الأحداث الأخيرة، استدعت الإمارات هذه الرواية للتأكيد على أن أي تراجع لدورها أو خروجها من المشهد اليمني سيفسح المجال أمام التنظيمات المتطرفة لاستعادة أنفاسها والتمدد من جديد.
لكن عندما نخضع هذه الرواية للفحص والتدقيق، ونربطها بالوقائع الميدانية وتسلسل الأحداث منذ العام 2015، تظهر لنا صورة أكثر تعقيدا، بل وأكثر تناقضا بين ما تم ويتم تداوله إعلاميا وما حدث فعليا على الأرض.
من ضربات القضاء إلى صفقات البقاء:
بالعودة إلى الوراء، لا بد من التوقف عند العام 2015، حين انطلقت عملية «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين. في ذلك التوقيت، كان تنظيم القاعدة في جنوب اليمن قد بلغ ذروة نشاطه، مستفيدا من فراغ أمني كبير أعقب ما عرف بـ«ثورات الربيع العربي» عام 2011، ومن انهيار مؤسسات الدولة، ومن صراعات داخلية متعددة يعرفها الجميع.
خلال عامي 2013 و2014، نفذ التنظيم عمليات واسعة، وسيطر على مدن ومناطق إستراتيجية في الجنوب والوسط، بل وتمكن من إدارة بعض المدن لفترات قصيرة.
غير أن هذا المشهد شهد تغيرا جذريا مع بداية الحرب. فبالتوازي مع العملية العسكرية ضد جماعة الحوثيين، تم تدشين واحدة من أخطر الحملات الاستخباراتية ضد تنظيم القاعدة، عبر الطائرات المسيّرة، وأسفرت عن تصفية معظم قيادات الصفين الأول والثاني، وعلى رأسهم ناصر الوحيشي، الرجل الأخطر في التنظيم حينها.
لم تكن هذه الضربات عشوائية، بل ظهرت كعملية تفكيك ممنهجة للبنية القيادية، وأدخلت التنظيم في حالة غير مسبوقة من الارتباك، وترافقت مع انقسامات داخلية وخلافات حادة مع تنظيم «الدولة الإسلامية».
وعلى الأرجح، كانت هذه الاختراقات الاستخباراتية بمثابة رد ميداني حاسم من صناع قرار «العاصفة» على الأصوات الغربية التي شككت في العملية العسكرية السعودية، بحجة أن الحرب ضد الحوثيين ستؤدي إلى إضعاف جهود «مكافحة الإرهاب».
في تلك الفترة، وصل تنظيم القاعدة إلى حافة الانهيار تقريبا، فقد تقلصت عملياته وتراجع تأثيره بشكل كبير، كما فقد القدرة على التحرك بحرية. والمفارقة أن هذا التراجع لم يكن بسبب أي عمليات برية قامت بها الإمارات، بل نتيجة مباشرة للجهود الاستخباراتية التي أشرنا إليها والتي لم تكن الإمارات طرفاً فيها. ومن ثم، بدل أن يتم استغلال هذه الفرصة للقضاء عليه نهائيا، تم التعامل مع التنظيم لاحقاً من الإمارات بطريقة أعادته للتماسك والحضور، ليس كقوة حقيقية، بل بما يكفي ليظل موجودا.
حين لا تكون الانتصارات انتصارات:
تستند الإمارات في روايتها إلى ما تصفه بـ«تحرير» مدن رئيسية من قبضة القاعدة، مثل: المكلا، الشحر، زنجبار، خنفر، وعزان، خلال العام 2016.
لكن بمراجعة ما جرى يكشف أن هذه «الانتصارات» لم تكن نتيجة معارك من الإمارات أو أن لها دورا في ذلك، بل انسحابات محسوبة تماما من جانب التنظيم، تندرج ضمن استراتيجيته التي تبناها بعد تجارب 2011 و2012، حين اكتشف أن السيطرة المباشرة على المدن واستنزافه في إدارتها يكلفانه أكثر مما يفيدانه.
وتنظيم القاعدة سبق له أن انسحب «بمحض إرادته» من مدن سيطر عليها بين عامي 2013 و2014، مثل سيئون في وادي حضرموت، وعاصمة البيضاء، دون أن يكون تحت ضغط عسكري من الإمارات كما تدعي.
في عزان تحديداً، وصلت القوات المدعومة من الإمارات إلى أطراف المدينة (مفرق الحوطة) عام 2016، وأطلقت النار في الهواء، ثم جرى الترويج إعلاميا لدخولها بعد معارك عنيفة، في حين كان التنظيم قد غادر بالفعل دون اشتباك يذكر. بحسب مصادر خاصة وأخرى مقربة من التنظيم.
الأمر ذاته تكرر في ما عرف باقتحام «المعاقل التاريخية» للتنظيم خلال وبعد تلك الفترة، في المحفد، وكور العوالق، ودوعن، وعمد، ووادي المسيني وغيرها. إذ اعتمدت الإمارات في تمددها على تشكيل ميليشيات محلية من أبناء المناطق التي يتواجد فيها التنظيم لا على قواتها.
وعلى رغم أن دخول هذه القوات إلى معاقل تاريخية تم تصويره كإنجاز لم تحققه الجيوش النظامية من قبل، فإن الحقيقة الميدانية كانت أبسط من ذلك. فالتنظيم اختار الانسحاب وعدم التصادم مع أبناء القبائل المنخرطين في تلك الميليشيات، خشية فقدان ما يعتبرها حاضنة، بخلاف ما تروجه الإمارات.
وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا لم تلاحق الإمارات عناصر التنظيم المنسحبين؟. الإجابة تكمن في «العدو البديل». لقد كانت الإمارات بحاجة لبقاء القاعدة فاعلة وبشكل كبير، لتكون الغطاء الشرعي لحربها الحقيقية ضد حزب التجمع اليمني للإصلاح أو إخوان اليمن. سخرت أبوظبي ترسانة إعلامية ضخمة، وجيوشا إلكترونية، ومواقع إخبارية ركزت جهدها على ربط «الإصلاح» بـ»القاعدة» بما يخالف الواقع.
ولا يعني تفكيك استخدام ملف تنظيم القاعدة كغطاء سياسي بالضرورة تبرئة حزب التجمع اليمني للإصلاح أو نفي وجود معضلات حقيقية في أدائه أو تحالفاته خلال مراحل مختلفة من الحرب.
فالإصلاح، كغيره من القوى اليمنية، خاض صراعات، ووقع في أخطاء قاتلة، ودخل في تحالفات معقدة. غير أن الإشكالية هنا لا تتعلق بالحزب ذاته، بل بطريقة توظيف الإمارات «مكافحة الإرهاب» كسلاح سياسي بشكل انتقائي، يجري استخدامه لتصفية خصوم بعينهم، وتوسيع دائرة النفوذ خدمة لمشاريع إقليمية، في حين يتم ترك التنظيم المصنف إرهابيا قائما وفاعلا عندما يخدم وجوده هذا الصراع وهذه الأهداف.
غطاء حرب لا هدف حرب:
وبالنظر إلى هذا المسار، يمكن القول إن الإمارات لو كانت معنية فعليا بالقضاء على تنظيم القاعدة، لكانت استثمرت لحظة ضعفه بين 2015 و2017، وواصلت الضغط عليه في المناطق التي انحصر فيها لاحقا، خصوصا في مودية شرقي أبين، وبعض مناطق شبوة، إذ بات رصده وتتبع تحركاته أمرا ممكنا من الناحية الميدانية، بل سهلٌ نسبيا، بوجود قوات برية وإسناد جوي.
لكن ما حدث هو العكس، إذ تحولت مناطق مثل وادي عومران إلى ساحة استنزاف مزمنة للقوات الجنوبية، دون تنفيذ غارات جوية إسنادية من الإمارات، ودون عمليات اجتثاث نهائية، ما يعني أنَّ المطلوب لدى الإمارات هو إبقاء التنظيم حاضرا بما يكفي لإنتاج الخطر، وليس القضاء عليه.
لا شك أن بقاء التنظيم كان ضرورة ملحة لدى الإمارات لتسويق رواية «الإرهاب» أمام الغرب، فمن دون وجود فاعل للقاعدة، سيفقد الخطاب الإماراتي قيمته، ولن تجد تهمة «الأخونة» التي يتم إلصاقها بخصومها أي صدى دولي. لذا، نجد أن الإمارات حسمت معاركها العسكرية والسياسية ضد «الإصلاح» في أبين وشبوة بشكل قطعي ونهائي، في حين تركت «وادي عومران» في مديرية مودية بأبين يتحول إلى ساحة استنزاف مفتوحة للقوات الجنوبية.
ورغم أن هذا الوادي يسهل رصده وتطهيره بضربات جوية دقيقة، فإن الطيران الإماراتي، الذي كان يحسم المعارك ضد القوات الحكومية خلال ساعات، غاب تماما عن استهداف تحركات القاعدة هناك، تاركا الجنود الجنوبيين يواجهون الموت اليومي في حرب استنزاف لا نهاية لها.
هذا التفاوت لا يمكن تفسيره بالعجز عن الحسم عسكريا وأمنيا، بل يشير إلى اختلاف في الأولويات. الإمارات كانت تخوض حربا سياسية وأمنية ضد خصم تعتبره أخطر على مشروعها الإقليمي من تنظيم القاعدة نفسه، بغض النظر عن التبعات الكارثية لهذه السياسة على الإمارات. ووجود القاعدة، مثّل أداة مناسبة لتبرير تلك الحرب، ولشيطنة الخصم، ولإنتاج خطاب إعلامي يربط بين الإسلام السياسي والإرهاب.
لهذا السبب، جرى الاستثمار الإعلامي المكثف بالادعاء في ربط الإصلاح بالقاعدة، عبر وسائل إعلام محلية، ومنصات إلكترونية، وحسابات مؤثرة، في حملة ضخمة وواسعة النطاق.
لكن هذه الحملة كانت ستفقد زخمها وتأثيرها لو انتهى التنظيم أو تلاشى، وهو ما يفسر حرص الإمارات على إبقائه حيا بما يكفي لضمان بقاء الفزاعة التي تشرعن بها الإمارات بقاءها وتوسيع دائرة نفوذها.
ومن هنا يمكن القول إن إصرار الإمارات على أن انسحابها سيؤدي إلى عودة تنظيم القاعدة لا يمكن فهمه إلا كإقرار غير مباشر بأنها كانت تمسك بزمام ومفاتيح هذا الملف. فالقوات التي أنشأتها لم يتم تهيئتها بشكل فعلي لاجتثاث التنظيم من جذوره، بل صممت أساسا لمواجهة خصوم سياسيين بعينهم، في حين تم تحويل القاعدة إلى ورقة سياسية، يجري تحريكها أو تهدئتها حسب مصلحة الإمارات.
وتجاهل ما كان يحدث في وادي عومران بمودية، مقابل التركيز المكثف على إنهاء نفوذ الحكومة الشرعية وحزب الإصلاح، يكشف بوضوح أن «مكافحة الإرهاب» لم تكن هدفا بحد ذاته لدى الإمارات، بل غطاء تم استخدامه لترسيخ النفوذ وتوسيع دائرته، ثم جرى ترك تنظيم القاعدة لاحقا ليستنزف الجنود ويهدد المدنيين ويعيد بناء نفسه.
خلاصة ما جرى:
لم تحارب الإمارات تنظيم القاعدة في اليمن بوصفه خطرا وجوديا يجب القضاء عليه، بل تعاملت معه كملف أمني يمكن إدارته واستغلاله لصالحها، أما الاشتباكات التي جرت، والانسحابات التي وصفت بأنها انتصارات، فلم تكن حرب استئصال، بل إعادة ترتيب للمشهد بما يخدم أهداف أبوظبي.
القضاء الحقيقي على التنظيم في الجنوب الذي احتكرت الإمارات السيطرة عليه، كان ممكنا، وتوفرت له الظروف، لكنه لم يكن هدف الإمارات.
لقد كان الهدف الحقيقي هو إعادة تشكيل الجنوب، وتصفية خصوم سياسيين بعينهم، ورفع شعار «مكافحة الإرهاب» كورقة في سوق السياسة الدولية.
** **
- تقرير/ عبدالرزاق الجمل - اليمن - صنعاء