د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
في وقت يبحث فيه العالم عن بوصلة وسط ضبابية المشهد الاقتصادي العالمي، حاولت السعودية تقديم نموذج سعودي فريد خلال منتدى دافوس خريطة طريق لمرحلة قوامها الذكاء التشغيلي لم يعد الطموح في هذا النموذج مجرد تحقيق النمو، بل جودة هذا النمو وتكلفته المستدامة، فيما العالم يترقب صدمات جديدة فيما يتعلق بضريبة الغموض، تعلن الرياض انتقالها من مرحلة التخطيط الهيكلي إلى مرحلة تعظيم النتائج تتحول إلى فرصة تنافسية نادرة تجذب رؤوس الأموال العالمية في زمن التجزؤ.
الجميع يتحدث عن النظام العالمي القديم الذي كانت الولايات المتحدة قد ساهمت في إرسائه بعد الحرب العالمية الثانية، هل هو قائم أم هناك واقع مغاير مرتكز على معادلات عمادها الأوزان النسبية، وأن الأقوى يعفي نفسه، ما يعني أن قواعد التجارة العالمية غير متكافئة، خصوصا بعدما أصبح كل شيء أسرع وأكثر حدة وتقلبا، وفيما يتعلق بتصريحات الولايات المتحدة حول التجارة والسياسة الخارجية، وخلال الثمانية عشر شهرا الماضية، عقد 235 اجتماعا مع كبار التنفيذيين وأعضاء مجالس إدارة الشركات حول القضايا وصفت بالدراماتيكية.
يأتي طرح الرئيس الكندي مارك كارني في منتدى دافوس بسؤال مباغتا المجتمعين، هل ينبغي علينا أن نتكيف مع اللانظام العالمي القائم حاليا، فيما هناك قوى متوسطة، معتبرا كارني كندا دولة متوسطة، بالطبع الدول المتوسطة تمتلك اقتصادات قوية وتكنولوجيا متقدمة، ونفوذا سياسيا، وأغلبهم في مجموعة العشرين، وينظر إليها على أنها جسور بين القوى الكبرى وعلى رأسهم السعودية التي استطاعت نزع فتيل الصراع بين أمريكا وروسيا عندما استضافت وفدي البلدين في الرياض، وتتولى السعودية مسؤولية كثير من الملفات الدولية لما تملكه من مكانة وأدوات وقدرات تمكنها في حل كثير من النزاعات الدولية وتعزيز التعاون بشأن العديد من القضايا الدولية، كالتحالف السعودي الفرنسي نجح في حشد العالم في موافقة 157 دولة على إقامة دولة فلسطينية.
تحالف القوى المتوسطة قادرة على لعب دور واضح ومميز في إعادة ضبط مسارات النظام الدولي ورسم مساقاته، خصوصا بعدما تطرق كارني في منتدى دافوس إلى عبارة مثيرة (إذا لم نكن على طاولة المفاوضات، فسنكون على قائمة الطعام)، كذلك انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من يمارسون العدوانية غير المجدية.
تمتلك القوى المتوسطة وبشكل خاص السعودية التي تحتل مكانة خاصة وتأثيرا كبيرا في المجتمع الدولي؛ لما تمتلكه من دبلوماسية مستقلة وهادئة، وتمتلك قوة ناعمة فاعلة، في تعزيز التعاون المتعدد الأطراف، وهناك فرصة سانحة لها في قيادة تحالف القوى المتوسطة في تعزيز التعاون الدولي ليحل محل الصراع.
أتى تصريح رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد مستوعبة اللهجة القاسية الموجهة للاتحاد الأوروبي من قبل المسؤولين الأمريكيين بأنها قد تكون بالضبط ما تحتاج إليه القارة في هذه المرحلة، وأن تفرض على أوروبا مواجهة حقائق صعبة، والبحث عن مسارات جديدة للعمل من أجل الحفاظ على ثقلها وتأثيرها على الساحة الدولية، كما دعت رئيسة البنك الدولي كريستالينا غورغيفا الدول إلى تكثيف التركيز على النمو الاقتصادي في ظل تصاعد الديون السيادية التي تناهز 100% من الناتج المحلي الإجمالي سيشكل عبئا ثقيلا.
هذه التحولات بسبب أن الولايات المتحدة تخشى من الهيمنة الإنتاجية والتصديرية للصين، فتفرض رسوما جمركية وتغير سلاسل الإمداد لتقليص هيمنة الإنتاج الصيني، فيما تسعى الصين نحو تعدد الأقطاب لمواصلة نموها الاقتصادي، ورغم التنافس بينهما المتعدد الأبعاد، لكنه يشمل شقا تعاونيا ضخما، بدأ الصراع الاقتصادي بين الصين وأمريكا في يناير 2018 عندما بدأ ترمب بفرض تعريفات جمركية وحواجز تجارية أخرى على الصين بهدف إجبارها على تغيير ما وصفته الولايات المتحدة بممارسات تجارية غير عادلة وسرقة للملكية الفكرية.
لكن في حقيقة الأمر تخشى الولايات المتحدة من الميزة التنافسية التي تتمتع بها الصين في الجمع بين انخفاض التكاليف والقدرة المتزايدة على الابتكار، يجعل جيشا من الشركات الصينية منافسين عالميين، خصوصا وأن الصين تتحول بسرعة إلى دولة رائدة في مجال الابتكار في الصناعات المتقدمة، وذلك في خضم تنافس محموم على ريادة التكنولوجيا العالمية، إدراكا منها أن السيطرة على هذه الصناعات المتقدمة أضحت جزءا لا يتجزأ من معادلات الأمن القومي والتفوق الاستراتيجي.
لذلك حذر الرئيس ترمب كندا من أنه في حال إبرامها اتفاقا تجاريا مع الصين، سيفرض تعريفة جمركية بنسبة 100% على جميع البضائع الواردة عبر الحدود، ولن يقبل أن تصبح كندا منصة لتصدير البضائع والمنتجات الصينية إلى الولايات المتحدة، خصوصا وأن كارني حينما زار الصين وصفها بأنها شريك موثوق به ويمكن التنبؤ بتحركاته، وشجع قادة الاتحاد الأوروبي في دافوس على السعي لجذب استثمارات من ثاني أكبر اقتصاد عالميا، يأتي هذا التحول في الموقف بعد خطاب كارني في دافوس إذ شجب لجوء دولة قوية إلى استخدام التكامل الاقتصادي أسلحة والرسوم الجمركية وسيلة للضغط، ما جعل أميركا تلمح إلى إلغاء الرسوم الجمركية الإضافية على الهند بحجة تراجع وارداتها من النفط الروسي.
في ظل هذه البيئة التنافسية العالمية، تحتل السعودية موقعا لوجستيا متميزا في تعزيز مرونة سلاسل التوريد الإقليمية، وتعميق الشراكات الإقليمية والعالمية، لتصبح مركزا عالميا للابتكار وتصنيع التقنيات المستدامة والحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي، فوجود خطوط إنتاج في السعودية في قلب منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، يتيح تقليص فترات التسليم، وتخفيف التعقيدات اللوجستية، وتحسين القدرة على الاستجابة السريعة لاحتياجات الأسواق، بما يدعم ريادة السعودية على المدى الطويل.
** **
أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى - سابقا