محمد العويفير
في الأيام الماضية بلغ التعصب الرياضي ذروته بشكل غير مسبوق، وتحول من اختلاف طبيعي في الآراء إلى تراشق إعلامي وجماهيري على وسائل التواصل الاجتماعي، بل وحتى في بعض البرامج الرياضية، قضايا رياضية بحتة مثل امتناع كريستيانو رونالدو عن اللعب مع فريقه، أو انتقال كريم بنزيما إلى الهلال، تحولت إلى معارك مفتوحة، واختلط فيها التحليل الرياضي بالطعن في النوايا، ووصلت في كثير من الأحيان إلى ما يمكن وصفه بالفجور في الخصومة.
المؤسف أن كرة القدم التي وُجدت للمتعة والتنافس الشريف أصبحت عند البعض ساحة لتصفية الحسابات، ومنبرًا لإعلان العداء، ولم يعد الخلاف حول لاعب أو صفقة أو قرار إداري، بل أصبح أي رأي لا يشبه رأيي هو بالضرورة رأيٌ معادٍ، وصاحبه خصم يجب مهاجمته لا محاورته.
لقد تجاوزنا حدود المنطق والعقل، وتجاوزنا فكرة أن الاختلاف في الرأي سنة كونية، وأن تنوع وجهات النظر أمر صحي، خاصة في مجال رياضي بطبيعته يحتمل الاجتهاد والتحليل والخطأ والصواب. لكننا وللأسف دخلنا في النوايا، وصار الاتهام أسرع من الفهم، والتخوين أسهل من النقاش.
والأخطر من ذلك كله أن هذا التعصب يتنافى مع القيم الدينية والأخلاقية التي نؤمن بها، يقول الله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}
فحتى مع وجود الخصومة، وحتى مع الاختلاف، يبقى العدل واجبًا، وضبط اللسان مسؤولية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا».
فكيف بمن يماري ويخاصم ويهين، لا في أمر ديني ولا أخلاقي، بل في كرة قدم؟
كرة القدم في نهاية المطاف لعبة، لاعب يرحل وآخر يأتي، فريق يفوز اليوم ويخسر غدًا، ويبقى الاحترام هو الثابت الوحيد الذي يجب ألا يسقط، لا كريستيانو ولا بنزيما ولا أي نجم آخر يستحق أن نخسر من أجله أخلاقنا، أو نقطع بسببه علاقاتنا، أو نتحول إلى أعداء لأننا نشجع فرقًا مختلفة.
لسنا مضطرين أن نتفق، لكننا ملزمون أن نحترم، لسنا مطالبين بتغيير قناعاتنا، لكننا مطالبون ألا نحولها إلى سلاح نطعن به الآخرين، الاختلاف لا يفسد للود قضية، إلا حين نقرر نحن أن نفسده.
ربما حان الوقت أن نسأل أنفسنا بصدق هل ما نعيشه اليوم شغف رياضي أم تعصب أعمى؟ وهل ما نكتبه ونقوله سيبقى في ميزان المتعة أم يُسجَّل في ميزان الأخلاق؟
كرة القدم ستبقى واللاعبون سيرحلون، لكن ما يبقى حقًا هو أثر كلماتنا، وأسلوب خصومتنا، وقدرتنا على أن نختلف دون أن نفجر في الخصام.
رسالتي:
حين يتحول الرأي إلى سلاح، والرياضة إلى خصومة، نكون قد خالفنا روح الدين قبل أن نخالف من نختلف معه، ما يحدث اليوم ليس شغفًا رياضيًا، بل اختبارًا للأخلاق، ومن فشل فيه فلن تشفع له نتيجة ولا نجم.