د.عبدالرحيم محمود جاموس
أثارت التصريحات المنسوبة إلى السفير الأمريكي لدى كيان الاحتلال، والتي تحدث فيها عن «حق إسرائيل في الأرض الموعودة من الفرات إلى النيل»، عاصفة سياسية وإعلامية في المنطقة، ليس فقط بسبب فجاجتها اللفظية، بل لما تحمله من مضامين استراتيجية تمسّ سيادة دول عربية قائمة، وتضرب عرض الحائط بأسس القانون الدولي.
وعندما يصدر مثل هذا الكلام عن ممثل رسمي لدولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الأمر يتجاوز حدود الرأي الشخصي، ليصبح مؤشرًا على خلل عميق في الخطاب السياسي والدبلوماسي.
ومنذ تأسيس الأمم المتحدة، استقرّ النظام الدولي على مبادئ واضحة: سيادة الدول، احترام الحدود المعترف بها دوليًا، وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
كما أكدت عشرات القرارات الدولية عدم شرعية الاحتلال والاستيطان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
إن الحديث عن مشروع جغرافي يمتد عبر أراضي دول عربية مستقلة يمثل إنكارًا صريحًا لهذه المبادئ، ويفتح الباب أمام منطق الفوضى الدولية.
فلو جاز لأي طرف أن يستند إلى تأويلات دينية أو سرديات تاريخية لتبرير التوسع، لانتهى النظام الدولي إلى صراعات مفتوحة بلا سقف قانوني.
ومع أن القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع، لكن في ظل مثل هذا الخطاب، لا يمكن اعتبار فلسطين الضحية الوحيدة أو الأخيرة.
فعندما تُطرح خرائط تتجاوز حدود فلسطين التاريخية لتطال دولًا عربية أخرى، فإن الرسالة الضمنية هي أن المشروع، في بعض تجلياته الأيديولوجية، لا يعترف بحدود نهائية.
هذا المنطق لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضع دول المنطقة كافة أمام هاجس دائم من الابتزاز السياسي أو الضغوط الأمنية.
من الناحية الأمنية، يشكل مثل هذا الخطاب وقودًا إضافيًا للتطرف، ويعزز سرديات المواجهة والصراع الحضاري.
كما أنه يضعف القوى المعتدلة التي تدعو إلى الحوار والحلول السياسية، ويمنح الجماعات المتشددة ذريعة لتبرير العنف.
الأمن الإقليمي لا يمكن أن يقوم على التفوق الأحادي أو فرض الوقائع بالقوة، بل على توازنات قائمة على الاحترام المتبادل، وضمان الحقوق، وبناء منظومة تعاون مشترك.
الطريق الوحيد لتجنب ذلك هو العودة الصريحة إلى مرجعيات القانون الدولي، واحترام سيادة الدول، والعمل الجاد من أجل حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، يضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، ويؤسس لأمن جماعي قائم على العدالة لا على الأوهام التوسعية وغيرها.