م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1 - من هو الذي أوحي إليه أن التطور المستمر على اختلاف صوره وأشكاله سمةٌ من سمات الكائنات الحية على مرّ العصور والدهور فغيرَّ وبدَّل ووضع الأسس للتجديد الدائم لكل حركة؟ إنه نبي هذه الأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي قضى على جذور الشرك وعبادة الأوثان والأشخاص ودعا إلى توحيد الله الخالص، وأرشد الناس إلى سبل التعارف بين الشعوب وحث على التعاون والتقدم في كل مجال وميدان، وأرسى قواعد التجديد والتصحيح بقوله الكريم: «إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها».
2 - إن عبارة (مَنْ يجدد لها دينها) ليست مقصورة على شخص واحد، كما أنها لا تختص بشريحة الفقهاء وحدهم، بل تشمل غيرهم من المفكرين والحكام العادلين ورجال السياسة والاقتصاد والعلماء المبرّزين ولا نستثني فضليات النساء العالمات العاملات، وما أكثرهن في المسلمين.
3 - هذه واحدة، أما التجديد فمعناه الظاهر الساطع هو جعل الشيء جديداً، وتجديد الدين بهذا المفهوم قصد منه جعل تعاليم الدين مناسبة لظروف الحياة المتبدلة وملائمة لها.. والتجديد لا يكون تلقائياً بل ينهض بمسؤوليته مصلحون مخلصون، يصنعون بفكرهم الإنساني المبدع التغيير والتجديد فيتحقق صلاح الأمة وتقدمها.
4 - من الناس من يتفاعل مع الحدث فيتحرك ويسعى إلى التطور وإلى الأخذ بمبدأ المصالح المرسلة، والقسم الآخر يتقوقع على نفسه ويعكف على القديم، ويمقت كل تجديد ويقاومه باعتباره بدعة وانحرافاً.. فوقعت النزاعات العنيفة، ولقي أرباب التجديد بذلك السبب كل عنت ومشقة.
5 - الدين هو المكون الأساسي لثقافات الشعوب عموماً، لكنه في مجتمعات أكثر تركيزاً منه في مجتمعات أخرى، والمجتمعات العربية عموماً الدين ليس هو فقط المكون الأساسي بل هو المهيمن على كل مفاصل الحياة في البلاد.
6 - الأصل في الدين الإيمان فلا تنفع مع الكفر طاعة، والأصل في الإيمان المعاملة فلا تنفع مع الأذية الطاعة.. من هنا أتى اتفاق الأديان على أن ممارسة الشعائر الدينية وحدها لا تكفي للإيمان إذا كانت مغموسة بالأذية، ويتفقون أيضاً على أن الأقرب إلى الله هو أنفعهم لخلقه.
7 - لم يتفق علماء الاجتماع على تعريف واسع جامع مانع للدين، فكل جماعة تُعَرِّف الدين وفق منظورها.. وكلهم يتفقون على أن الدين هو توجيه من قوة علوية سماوية تأمر الناس بقيم أخلاقية وأنماط سلوكية تعبدية، وتبشرهم وتنذرهم بحياة أخرى.. لكنهم يختلفون في الإيمان بإله واحد أو بآلهة متعددة، كما يختلفون في الطقوس التعبدية ودرجات التقديس لرجال الدين وعمق الاستغراق في الدين، ويختلفون أيضاً في طريقة خلق الإنسان والعالم الذي يعيش فيه، وشكل الدار الآخرة وما ينتظر المؤمنون والكافرون فيها.
8 - المجتمع المعاصر بحاجة إلى فهم معاصر للدين، وهذا لا يعني استبدال الدين بدين آخر ولكنه يعني استبدال الفهم القديم.. فمصادر الفقه الإسلامي وأصوله ستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن الفهم واستنباط الأحكام يجب أن يتحول إلى نموذج عصري يتسع للتغييرات اليومية المتلاحقة ولا يركن إلى الجمود.. فالمصطفى المبعوث رحمة للعالمين، والعالمين لفظ يعني كل البشر في زمانه ومن يأتي بعده يقول في حديث صحيح: «يسروا ولا تعسروا» على ألا يُفْهم التيسير على أنه تفريط.
9 - وهناك الكثير من الفتاوى لتيسير العبادة من كبار الأئمة كأبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل رضوان الله عليهم كلها تسهل وتيسر الحياة المدنية وتساعد الفرد المسلم على الالتزام بعباداته وأدائها، فالإسلام دين التيسير والرسول نفسه ما خُيِّر ما بين أمرين إلا واختار أيسرهما.
10 - الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ما يحتكر التجديد ولا أغلق بابه.