د. محمد بن إبراهيم الملحم
يتزامن يوم التأسيس هذا العام مع شهر رمضان، وهو توافق يلفت النظر إلى بُعدٍ أصيل في نشأة الدولة السعودية، يتمثل في اقتران قيامها منذ اللحظة الأولى بالاهتمام بالدين ووضوح تدين أئمتها ومؤسسيها الأوائل، وتمثل ذلك أفضل ما تمثل في رعايتهم العلم الشرعي ونشره، حتى غدا مجلس الحكم نفسه مجلس درس، وغدت مالية الدولة سندًا لتعليم الدين، وغدت القرارات الإدارية امتدادًا لنقاشات فقهية تجري في حلق العلماء. في الدرعية وتحديداً في سنة 1157هـ، لم يُنشأ مجلس تعليم منفصل عن مجلس الإمارة، بل كانت الدروس تُعقد في مسجد «الطريف» وقصر «سلوى» بحضور الإمام محمد بن سعود نفسه. ويذكر المؤرخ المعاصر حسين بن غنام في روضة الأفكار أن الإمام كان يجلس مع الشيخ في مجلسه، ويُحضر معه ابنيه عبدالعزيز وعبدالله ليستمعا إلى دروس في تفسير القرآن وفقه العبادات وأحكام المعاملات. وكانت بعض الرسائل العقدية والفقهية التي تُوجَّه إلى بلدان سدير والوشم تُقرأ أولًا في مجلس الإمام قبل إرسالها، فيتحول المجلس السياسي إلى مجلس مراجعة علمية لما سيُعمَّم على الناس في شؤون دينهم.
ولما تولى الإمام عبدالعزيز بن محمد الإمامة سنة 1179هـ، لم ينقطع عن تلقي العلم، بل واصل الملازمة للشيخ. ويذكر عثمان بن بشر في عنوان المجد أن الإمام كان يقرأ على الشيخ في التفسير، ويسأله في مسائل تتعلق بالقضاء، ويتوقف معه في دقائق أحكام البيوع والمواريث. ومن الوقائع التي تكشف تحوُّل التعليم إلى شأن من شؤون الدولة أن الإمام كتب إلى قاضي القصيم الشيخ عبدالله بن عيسى يأمره بأن يجمع طلاب العلم في بريدة، وأن يدرّسهم كتاب التوحيد، وأن يُلزم أئمة المساجد بعقد دروس بعد صلاة الفجر، وهو توجيه صادر من رأس السلطة بتفعيل التعليم المنهجي داخل المساجد.
وقبل قيام الدولة السعودية الأولى كانت الكتاتيب موجودة في نجد، كما وُجدت أوقاف فردية لتعليم القرآن الكريم، غير أن التعليم ظل قائمًا على مبادرات أهلية متفرقة، ولم تُصرف رواتب رسمية للمعلمين، ولم تُنقل كوادر تعليمية بين الأقاليم بأمر سياسي، ولم يكن التعليم بندًا في مالية سلطة مركزية. أما بعد قيام الدولة، فيذكر ابن بشر أن الإمام عبدالعزيز فرض أعطيات للقضاة وأرزاقًا لقراء القرآن ورواتب لطلاب العلم تُصرف من بيت المال في الدرعية، بل نصّ على إعانة الطالب الفقير من بيت المال حتى يتفرغ لطلب العلم، وهو ما يعكس انتقال التعليم من نطاق الرعاية الفردية إلى نطاق الدعم المؤسسي. وفي عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز تواصل هذا التداخل بين مجلس العلم ومؤسسة الحكم، فيروي ابن بشر أنه في إحدى حملاته إلى الأحساء رافقه الشيخ حسين بن غنام والشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، وكانت تُعقد دروس بعد صلاة المغرب في معسكر الجيش. وفي أحد تلك المجالس طُرحت مسألة التلاعب في أوزان التمر عند البيع، فناقش الإمام سعود الشيخ عبدالله في مدى إلزام المحتسب بالتدخل، وفي حكم فسخ العقد أو تعزير البائع، ثم أصدر أمرًا إلى المحتسبين في الأسواق التابعة للدولة بمراقبة الموازين ومعاقبة من يثبت غشه، فانتقل النقاش الفقهي من مجلس الدرس إلى إجراء إداري ينظم شؤون السوق.
كما أرسل الإمام سعود عددًا من العلماء إلى الأقاليم بقرارات رسمية للتدريس، ومنهم الشيخ حمد بن ناصر بن معمر الذي أُرسل إلى بلدة ثادق ليعقد دروسًا في العقيدة وحلقات في الفقه، وكانت نفقته على بيت المال، وكذلك الشيخ محمد بن عبداللطيف الذي أُرسل إلى شقراء للغرض نفسه. وفي زمن ما قبل المطابع، كان نشر العلم يتطلب نسخ الكتب يدويًا، وقد ذكر ابن بشر أن بعض نُسّاخ الدرعية كانوا يتقاضون من بيت المال مقابل نسخ كتب التفسير والفقه، ثم تُرسل هذه النسخ إلى بلدان مثل حريملاء ومرات والعيينة لتُقرأ في حلقات المساجد بعد الصلوات.
إن توافق يوم التأسيس مع شهر رمضان يستحضر تجربة تاريخية قامت فيها الدولة على حضور الإمام في مجلس العلم، وعلى تمويل التعليم من بيت المال، وعلى إرسال المعلمين إلى الأقاليم، وعلى رعاية نسخ الكتب الشرعية، وعلى تحويل النقاش الفقهي إلى تنظيم إداري، بما يجعل رعاية العلم جزءًا من وظيفة الحكم منذ لحظة التأسيس، وقد حافظت بلادنا على هذا الإرث -ولله الحمد- منذ مؤسس دولتنا السعودية الثالثة الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وحتى يومنا هذا ولله الحمد.
** **
- مدير عام تعليم سابقاً