د. محمد بن إبراهيم الملحم
قبيل منتصف الشهر الماضي صدر أمر ملكي بتعيين الدكتور سعد بن عواض بن رجاء الحربي نائبًا لوزير التعليم للتعليم العام وهو أعلى منصب تنفيذي مسؤول عن التعليم العام (K-12) أي أن كل ما يتعلق بالمدرسة السعودية يمر تنظيميًا عبر هذا المستوى القيادي، لذا نفترض أن المرحلة القادمة مرشحة لـتطوير تعليمي، واضح فالدكتور الحربي بدأ مسيرته معلمًا ثم مشرفًا تربويًا حتى أصبح مديرًا للتعليم العام بالهيئة الملكية بالجبيل وقد شارك في مراجعة وثائق هيئة تقويم التعليم والتدريب للمناهج الوطنية وهذا يعني أن القيادة التعليمية للتعليم العام انتقلت حاليا إلى شخصية ذات خبرة ميدانية مدرسية وإشرافية وذات علاقة بسياسات التقويم الوطنية، ودائما تكون التعليقات على عدم تمكن بعض القيادات في التعليم من تحقيق إنجاز كبير لكونها جاءت مثلا من جهات غير تعليمية أو من الجامعات مثلا ولكنها لم تمارس التدريس ولم تكابد ضغوط العمل التدريسي ومشكلات البيئة المدرسية فتظل كل قرارات وتوجهات تلك القيادات نظرية بحتة أو منطلقة من الخبرات السابقة كطالب أو خبرات الآخرين المنقولة للمسئول، أما اليوم فنحن أمام شخصية قيادية خاضت التجربة واستوعبتها بالكامل في مراحل العمل التربوي كمعلم ثم مسئول تعليمي ثم المسئول الأول ومتخذ القرار.
وفوق ذلك فمعالي النائب الجديد قاد جهة تميزت مدارسها تعليميا، وهو ما يعكس جودة الأداء القيادي لهذه المنظومة ، فالمدارس التابعة للهيئة الملكية في الجبيل وينبع حققت إنجازات بارزة في مؤشرات جودة التعليم على مستوى المملكة عكستها تقارير هيئة تقويم التعليم والتدريب، إذ تم تصنيف 23 مدرسة من مدارس الهيئة من بين الأفضل في السعودية وفق نتائج اختبارات القدرات والتحصيلي، وأظهرت تلك المدارس أداءً قويًا مقارنةً بمناطق أخرى، وإضافة إلى ذلك، فإن 44 مدرسة من الهيئة الملكية حصلت على الاعتماد المدرسي الوطني 2025 من هيئة تقويم التعليم والتدريب، وفي برنامج «التقويم المدرسي» 2025 الذي تجريه هيئة تقويم التعليم والتدريب فإن 23 مدرسة حازت على أعلى مرتبة وهي “التميز”، وفي أبريل 2025 أيضًا احتفت الهيئة بتكريم المدرسين والإدارات التعليمية نظير تميزها في نتائج التقويم المدرسي على مستوى الجبيل، وهو ما يعكس مستوى ثابتًا من الأداء وليس نتيجة لمرة واحدة فقط، ومدارس الهيئة الملكية في الجبيل وينبع لم تكتفِ فقط بتحسين نتائج الطلاب في الاختبارات المحلية، بل حققت أيضًا نجاحات في المنافسات الوطنية والدولية، فلديها طلاب فازوا بعشرات الميداليات والجوائز في مسابقات وطنية وعالمية في مجالات متعددة مثل الابتكار والروبوتات والرياضيات، وأحد طلاب تلك المدارس نال ميدالية برونزية في أولمبياد البلقان للرياضيات لطلاب المدارس الثانوية، كما تأهلت فرق طلابية من مدارس الهيئة لتمثيل السعودية في بطولات روبوت دولية، مما يعكس بيئة تعليمية تشجع على الإبداع والتفوق.
هناك دراسة أكاديمية أشارت إلى أن مدارس الهيئة الملكية في الجبيل تطبّق ممارسات قيادية مدرسية متقدمة وتطبق معايير الاعتماد المدرسي بشكل جيد، وذلك بحسب آراء معلمي تلك المدارس، وهذا يشير إلى بيئة مؤسسية قوية تحفز على الإدارة المؤثرة والمستدامة وعنوان هذه الدراسة هو “القيادة الموزعة لدى مديري مدارس الهيئة الملكية بالجبيل وعلاقتها بتطبيق معايير الاعتماد المدرسي من وجهة نظر المعلمين” أجراها كل من الدكتور سعيد ناصر سعيد الغامدي والدكتور محمد سرحان المخلافي من جامعة الامام عبدالرحمن الفيصل بالدمام وقد نُشرت في مجلة Migration Letters، المجلد 20، العدد الخاص S11 في ديسمبر 2023. ومن أهم نتائجها أن كلا من درجة ممارسات القيادة الموزعة لدى مديري المدارس وكذلك تطبيقهم لمعايير الاعتماد المدرسي كانت مرتفعة حسب رأي المعلمين كما أن هناك علاقة إيجابية واضحة بين ممارسات القيادة المدرسية وتطبيق معايير الاعتماد فكلما كانت ممارسة القيادة الموزعة أقوى، زادت درجة تطبيق معايير الاعتماد المدرسي.
وقد كنت في عمل استشاري مؤخرا أمكنني من الاطلاع عن قرب على نشاط إدارة تعليم مدارس الهيئة الملكية وزيارة عدد من مدارسها في الجبيل باختلاف المراحل واللقاء مع مديرين ومعلمين وطلاب وكذلك مسئولي التعليم في إدارة التعليم، وكل ذلك جعلني أفهم عدة حقائق يمكن أن تفسر أسباب تميز هذه المدارس ولكن أبرزها لهدف هذه المقالة هو الإدارة التعليمية الداعمة قياديا والواعية تعليميا، فهناك متابعة لنتائج اختبارات المدارس بكل مستوياتها وذلك بشكل مركزي من خلال نظام خاص بذلك ويتم عمل تحليلات واعية لنتائج الطلاب ، كما تم توفير أجهزة تصحيح الاختبارات بكل مدرسة مما سهل مهمات المعلمين وخفف عليهم الجهد ليتركز نشاطهم في الجانب المعرفي وتحسين تعلم الطالب مع تشجيعهم لاستخدام الاختبارات المستمرة كوسيلة لتحفيز التعلم والعلاقة المستمرة بالمنهج. ووفرت الهيئة بكل المدارس ما تحتاجه من المعينات التدريسية من سبورات ذكية ومعامل الحاسب والروبوت كما أن أنشطة المشاريع والمنافسات التي تنظمها إدارة التعليم وفرت جوا مفعما بالنشاط التعليمي الفعال سواء بين المعلمين أو الطلاب. الأهم من ذلك كله، وهو ما يشيد به الطلاب أنفسهم أن إدارة تعليم الهيئة جادة في تطبيق الأنظمة وضبط السلوك، مما جعل المدارس مثالا للنظام وطلابها مثالا للسلوك الحسن، وهو ما انعكس على الأداء التعليمي بل والتفوق والتميز.
يجب أن أشير إلى أن نموذج مدارس الهيئة أقرب إلى نظام مدارس في مدينة ذات خصائص ديموغرافية متجانسة بينما في حالة الوزارة فإنها تدير نظامًا وطنيًا متعدد السياقات، ولكن هذا لا يمنعنا أن نتفاءل أن معالي النائب الجديد سيحضر معه طاقة التميز التي حققها في مدارس الهيئة ليضخ شيئا منها في مدارس التعليم العام، وكلنا دعاء خالص لمعاليه أن يوفقه الله في مهمته.
** **
- مدير عام تعليم سابقا