عبدالمجيد بن محمد العُمري
رحل الشيخ حمد بن عبد العزيز الجميح عن دنيانا، لكنه لم يرحل عن قلوبٍ سكنها بإحسانه، ولا عن مدنٍ وقرى وهجرٍ كانت شواهد على جوده. بوفاته، لم تُطوَ صفحة العمل الخيري، بل فُتح فصلٌ جديد من فصول «الأثر الخالد»، فمدرسة الجميح في العطاء لم تكن يوماً رد فعل عابراً، بل كانت بناءً مؤسسياً ضارباً بجذوره في أعماق الأرض.
إنه إرثٌ يتجاوز الغياب فبقاء أثر الشيخ حمد -رحمه الله- يستند إلى ركيزتين؛ أولهما أن الغرس الذي بدأه والده وعمه واستمر هو في رعايته، لم يكن مجرد صدقات آنية، بل تحول عبر المؤسسات الوقفية إلى «كيان حي» يستمر في النضوج جيلاً بعد جيل. والآخر هو الانتشار الجغرافي والنوعي لعطائه؛ فلم ينحصر خيره في جانب واحد، بل كان شاملاً للإنسان في دينه ودنياه.
وإذا أردنا إلماحة سريعة في سجل الفقيد وعائلة الجميح، فإننا نقف أمام مآثر تاريخية رسمت معالم العمل الخيري في المملكة، ومنها:
سقاية الأرض والروح: كانت مبادرتهم التاريخية بإيصال المياه إلى منازل «شقراء» قبل عشرات السنين سباقةً في نفع الناس. كما كانوا في طليعة الداعمين لجمعيات تحفيظ القرآن الكريم وجمعيات البر في كافة أنحاء المملكة.
عقود من الإطعام والهداية:
يبرز مشروع «إفطار الصائمين» في شقراء، المستمر لأكثر من خمسة وسبعين عاماً، كأحد أثبت صور التكافل، كما تجلى دعمهم الدعوي في كفالة مئات الدعاة لعقود طويلة بالتنسيق مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-.
الاستثمار في النابغين: ومنذ ربع قرن، تشرق «جائزة الجميح للتفوق العلمي» لتكرم الطلاب والطالبات في منطقة الوشم، محفزةً أجيالاً على العلم والإبداع.
الوجه الإنساني: قامةٌ في التواضع
وبعيداً عن الأرقام والمؤسسات، تبرز شخصية الشيخ حمد «الإنسان» الذي لم يزده الثراء إلا تواضعاً، ولم تمنعه المشاغل عن «وصل الناس». لقد كان -رحمه الله- مدرسة في التواصل الاجتماعي؛ يشارك الجميع أفراحهم وأتراحهم بصدق وعفوية، فربما شوهد في الليلة الواحدة ينتقل بين ثلاث مناسبات للزواج، يبارك لهذا ويواسي ذاك، حريصاً على جبر الخواطر ومشاركة المجتمع تفاصيله. أما مجلسه، فقد كان «ديواناً للمحبين»، يغص دائماً بالزوار من مختلف الأطياف، يجدون فيه الأب الحاني، والصديق الوفي، والوجيه الذي يضع كرامة الناس فوق كل اعتبار.
ثلاثٌ لا ينقطع أثرها
وعندما نتأمل في حديث الرسول : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، نجد أن الفقيد قد جمع بفضل الله بين هذه الثلاث. فأوقافه هي الصدقة الجارية، ودعمه للعلم هو العلم النافع، وسيرته العطرة وتواضعه الذي أورثه حب الخلق هو الدعاء الصالح الذي يرافق روحه اليوم.
لقد كان الشيخ حمد الجميح قامةً اقتصادية واجتماعية وإنسانية فريدة، وازن ببراعة بين هيبة الوجاهة ولين التواضع. رحل «الفقيد» وترك خلفه مدرسةً في الفضل؛ فكل آية يتلوها طالب، وكل شربة ماء وصلت لبيت، وكل خطوة مشى فيها لجبر خاطر إنسان، هي اليوم «نورٌ» في قبره، و»رفعةٌ» في درجاته.
رحم الله من بنى وشيّد في قلوب الناس قبل عمران الأرض، وجعل الفردوس الأعلى نزله ومثواه، و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.