د. محمد بن إبراهيم الملحم
ما سُمي الصوم صوماً إلا لأنه توقف عن أشياء كثيرة ليست هي الأكل والشرب فقط، إنه الوقفة التي يلتقط فيها الراكض أنفاسه ويستعيد نشاطه أو هو وقفة إجازة اختيارية يعطل فيها الإنسان كثيراً من وظائفه التي قد يتعامل معها طوال السنة باعتبارها مصدر سعادة، بينما هي تحتمل أن تكون خلاف ذلك؛ فالأكل والشرب واللغو واللهو واستهلاك الوقت بالأحاديث والسمر يستبدله المسلم الصائم «حقا» بإمساك ذلك كله واستبداله بممارسات روحية جميلة منها قراءة القرآن وكثرة الأذكار والاعتكاف في المسجد والبعد عن رتم الحياة اليومية الصاخبة المزعجة، لينعكس هذا التوقف الاختياري على روحه ونفسيته بسلام داخلي واطمئنان شامل يحيط به فيجدد نشاط هذه الروح لما تبقى من السنة ويحررها مما علق بها من زحمة الحياة وتسارعها، إنه توقف إجباري كركن من أركان الدين لأنه ينطوي على هذه الفوائد المهمة لهذا الإنسان الرائع الذي يستحق هذا التجديد لأنه ببساطة «مسلم»، فاستحق أن يكرمه ربه بهذا الشهر، وسواء شعر الإنسان بضرر ما يتوقف عنه في الشهر أو لم يشعر فإن الصيام في صورته المثلى واحترام شهر الصيام بالطريقة التي يحث عليها الإسلام سيؤدي به إلى هذه النتيجة الجميلة.
وجاء العيد الذي يسمى عيد الفطر، وما سمي العيد عيداً إلا لأنه موسم فرح واحتفال، ولكن ثمة شعور غريب بات يتسلل إلى النفوس في السنوات الأخيرة: بأن يوم العيد لم يعد يحمل ذلك الوميض الذي كان يبهر الأبصار ويملأ القلوب بهجة لا تدانيها بهجة. لقد بات العيد، في نظر الكثيرين، أقل جمالاً ودهشة مما سبق، ولو بحثنا عن السبب سنجد أننا، دون قصد، أفسدنا «عنصر المفاجأة» التي يحملها العيد وسلبناه خصوصيته حين حولنا ليالي رمضان نفسها إلى «عيد مستمر» ومهرجانات صاخبة لا تهدأ بينما ينبغي له أن يكون شهر إجازة عقل ولسان وراحة وسكينة وطمأنينة، وفي الماضي كان رمضان شهراً للانكفاء على الذات، وللصمت الجميل الذي يقطعه فقط صوت التراويح أو دعاء السحر، إنه ببساطة خلوة مع الله، فكان العيد يأتي كـ «انفجار» مفاجئ للفرح، كلوحة ملونة تظهر فجأة وسط جدار أبيض من الزهد والوقار، أما اليوم، فقد تحول رمضان في مدننا إلى موسم للمهرجانات والخيام الرمضانية التي تعج بالموسيقى والأضواء، والاحتفالات المسائية التي لا تفرق بين ليلة القدر الخاشعة وليلة العيد الراقصة.
إن فوضى الاحتفال قد سرقت جمال الدهشة، فحين يقضي الناس شهرهم في احتفالات شبه يومية، وموائد باذخة، وسهرات كروية وفنية تملأ الشوارع والساحات، فإنهم يستنزفون مخزون «الفرح» لديهم مبكراً، فلا يبقى للعيد بعد ذلك سوى رمزيته للانتقال من حالة السهر ليلاً والنوم نهاراً إلى العكس. بينما أن العيد في جوهره «انتقال» من حال إلى حال، فإذا كان الشهر كله صخباً واحتفالاً، فعن أي جديد سيبحث الناس في صباح العيد؟ لقد شبعت الحواس من الأضواء والاجتماعات قبل أن يحل الموعد الحقيقي، فجاء العيد باهتاً كوجبة مكررة، أو كفصل أخير في مسرحية طالت أحداثها حتى ملّ المشاهد، أيها الأعزاء العيد لمن أذاق نفسه «نصب» الطاعة وهنا تكمن فلسفة التعب اللذيذ، فالعيد ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل هو حالة وجدانية لا يدرك كنهها إلا من ذاق تعب الطريق، الذي يشعر بالعيد حقاً هو ذلك الذي حافظ على صلوات الليل تراويح وقيام، وأكثر من قراءة القرآن، وخصص لهذه العبادات جل وقته، وقطع نفسه عن الديوانيات والمجالس وفضول الكلام، ليدرب نفسه على كبح جماحها عن لغو الحديث وفضوله، فهؤلاء هم «المستحقون» للفرح، لأنه بالنسبة لهم يذكرهم بالجائزة السماوية بعد إتمام المهمة، ودعونا نتأمل في حالة كل فرد منا حينما يتذوق لذة الإفطار بعد يوم صيام طويل، فهي لذة لا يعرفها إلا الصائم، فكذلك لذة العيد الحقيقية لن يتذوقها إلا من خصص الشهر للانقطاع للعبادة والبعد عن «التشويش» المزعج لسكينة الروح.
ولهذا يجب أن نتأمل ماذا فعلنا حينما أغرقنا رمضاننا بالمهرجانات! إننا في الواقع سرقنا من أنفسنا «لذة النصر» على الذات، ولذة الاحتفاء بانتهاء فترة «الصبر» بحبس النفس عن ملذاتها التي هي ليست الطعام والشراب فقط بل أيضاً اللهو المبالغ فيه والانغماس في ترف السوالف واللغو وبهجة النفس «المستمرة». أيها الأعزاء: العيد هو احتفال بانتصار الروح على الطين، وبانتصار الإرادة على الشهوة. فإذا غابت المعركة (التي هي العبادة والجهد وتكوين خصوصية الشهر)، سيغيب طعم النصر وفرحته (العيد). وعلى جميع الأحوال أقول لكم جميعا: كل عام أنتم بخير، وتقبل الله منكم صالح الأعمال.
** **
- مدير عام تعليم سابقاً