الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الاصدار الدولي الجزيرة
Monday 03th July,2006 العدد : 160

الأثنين 7 ,جمادى الثانية 1427

الأخوان رحباني..قارّة من دهشة
ريما نجم *

إن الدراسات والتحليلات والاستنتاجات التي تختص بالموسيقى وعوالمها من صوغٍ وأوزانٍ ونشأة وآفاق...، تصف تأثيرها وتشرح وقعها في نفوس البشر وحياتهم، وانبثاقها من ذرّات الكون، وانعتاقها في عودةٍ إلى الصميم، تكاد تفوق بمساحاتها كل (النوتات) الموسيقية التي تفنّن في صوغها مبدعون على امتداد التاريخ، فالموسيقى ركيزة بارزة في ميزان الكون السائر في إيقاع وانتظام وتناغم وانسجام، ودوائر ترتسم وتتهادى، لذا منذ بدء الخليقة تعلّم الإنسان الموسيقى بحواسه السبع: البصر، والسمع، والذوق، واللّمس، والنطق، والبصيرة والإبداع، وإذا قال نابليون بونابرت ذات زمن (أن ليس بين الفنون الجميلة كلّها ما يضاهي الموسيقى تأثيراً في العواطف)، أتاه فاغنر ذات تجلٍ معرِباً (أن القلب هو الصوت، هو المنبع، وما الموسيقى إلاّ لغته)...، من هنا قد يتعذّر على أحدهم سكبَ موسيقى قادرة على اختراق الحواجز، والوصول إلى أعماق المتلقي ما لم تكن صادرة من منابتَ مشبعة بالأحاسيس والعمق، فتطرّز بتجليّاتها النفوس وتحملها إلى فضاءاتٍ رحبة في مواكب من نشوة وفرح، وتحفّز المشاعر الإيجابية بكل المقاييس، وتخفق رايات الخير والجمال والحب، والحب حياة، والحياة معركة أزلية في مواجهة الشرّ، وما يجعلها ذات قيمة وأثر أن تعاش من أجل الله، وخلْقِ الله، وهكذا هم المبدعون مقبلون ومودّعون، وهذا هو قدَرهم على مرّ الزمان.
وإذا كان الله خالق السماوات والأرض، قد حبا لبنان جمالاً عطِراً متفرداً، وخصائص تكوينيّةٍ نادرة من طبيعةٍ وجغرافيا، وتاريخ وأبناء يحملون رايات الفكر والعلم، والثقافة، والحضارة، والاطلاع والاستطلاع، وحُسن الوفادة والضيافة... فإن من مميزات هذا الوطن المنمنم بمساحاته، الراسخ والرحب باتساقاته، والمدوزن بتناغماته وتناقضاته، الواسع بانتشار أهله ومحبيه وقاصديه، من مميزاته أن قلة معدودة وفي طليعتهم الأخوان رحباني -عاصي ومنصور- كوّنا لغته الموسيقية بكل صفاتها البعيدة عن كل ما سبقها، مما رافق الأمبراطورية العثمانيّة من هيمنة، والانتداب الفرنسي من ترجمة حرفيّة واقتباس واشتقاق وتأثّر، فأتيا بموسيقى ذات فيضٍ ومواسم متجدّدة متجذّرة على طول عطائهما المسرحي وعرضه، وتشعباته، فحملا مؤونةً من حقيقةٍ وحرية ومحبة وإلفة وتعاضد، ووطنية وانتماء للإنسان والأرض، وقيم سامية، وانطلقا.
فالرحبانيّان الآتيان من طفولة مشبَعَة بوشوشات الطبيعة، وأهزوجاتها المتعاقبة ترعرعا في بلدة انطلياس الغنية بالماء والمساحات الخضراء، بين خلْوة العليّةِ في مقهى والدهما، والعزلة النابضة على ضفاف المخيّلة، والنشأة البضّة على ينابيع الفكر، والشّعر، والموسيقى، والانضباط والالتزام... أحدثا انقلاباً في دنيا الفنون اللبنانيّة وفتحاً عربياً، في المسرح والموسيقى والشعر والأغنية، فغزلا مواقف محسوسة ملموسة نطقت بها الشخصيّات التي نسجوها من صميم الواقع الثقافي والشعبي، وقلبا المفاهيم الفنيّة السائدة آنذاك رأساً على عقِب، وراحا يؤسسان ويمهدان، ويبنيان خطوطاً ومفاهيم مختلفة، وهكذا وجد العالم العربي نفسه أمام ظاهرة جديدة سرعان ما تلقفها وانسجم معها، فتناغمت المشاعر والتطلّعات وحكت القلوب أسرارها على وقعها وإيقاعها.
وبعبقريّة عذبة، وبنضج مشاعر ونضج رؤية، حلما أحلاماً فوق العادة لشعبهما، فعرّج الأخوان رحباني، - عاصي ومنصور- على مختلف ألوان الغناء وأنواعه وأنماطه، وانتزعا تكريساً شعبياً مشرّفاً، واستحقا تكريماً ساحقاً أينما حلا، وأحب الناس مسرحهما لأنه أصيل وهادف... ما عكس أمانة في حفظ التراث المتمثل في الغناء البلدي، ميزة لبنان الفنيّة، الملّوحة بمناديل الشوق والأمل، وخفقات اللوّعة، ورحيق الحنين والذكرى، والانتماء للأرض والعودة إلى الجذور.
وتفنن المبدعان الرحبانيان في التعاطي مع الألوان الموسيقية الغنائية المتحركة، والمتغيّرة دائماً...
ومن هنا فإن الوجود حوار ألوان وأوزان، والكون هو لعبة الوزن، واللون هو حديث العين، ولولاه لتعذّر التمييز المطلق، ولا شك أن السمع إحساس يخترقنا ونخترقه.
وعلى صعيد اللوّن المتحرّك، قدّم عاصي ومنصور بصوت فيروز ورفاق مسرحهما إرثاً غنائياً ترجّح بين الشعبي والرومانسي والطّرب.
وعلى صعيد النمط قدّما السائد والمبتكر والموشحات والفلكلور والمواويل والزجل.
وعلى صعيد اللغة قدما اللغّة المحكية : في الغناء اللبناني والمصري والبدوي، وقدّما بالفصحى الشّعر والنثر، كذلك القصة الشعرّية...
الألوان
1- الشعبي: أرشيف الأخوين رحباني غنيّ بالأغنيات الشعبيّة التي تجذّرت في عمق الثقافة ووعي الناس الفني وذاكرتهم، وشاركتهم الفرح والغصّة، فلا تكاد تمرّ مناسبة لفرد أو مجموعة إلا وكانت الأغنية الرحبانية الصوت والصدى، أغنيات -مواقف- يرددها المودّع والعائد، والفلاح في حقله، والعامل، والتائه في لجج أفكاره والمتأمل على موانئ أحلامه، وربّات البيوت، وربّات الجمال، ومن يتلهف للقاء حبيبته، ومن تنتظر حبيبها بفارغ الصبر، تكاتفه في دبكةٍ أو تخاصره في حلم.
فمن مسرحية (جبال الصوّان) مثلاً تشرق في كل عرس أغنيّة عروستنا الحلويّ، عربون تهاني وأماني
عروستْنا الحلوي يا نيساني حلوي
يا مِشوار من دارْ لدار يا حِلوي
تتْبارك حْجار البيت تتْبارك العَتْبي
والخوابي نبيد وزيتْ وتْفيض المحبّي
كوني قمح وسِكرْ كوني وَرْدْ وعنِبر
وقنْديل الزوار اللّي متوَّج بالنار
يا حلوي
كِبْرو زهور البَسَاتين ومِثْل الكذبة كبِرتِ
وحْليتِ بين الحلوين ولَ عريسِك صِرتِ
ع الحبّ تلاقَيْتو وعمرت قصة بَيْتو
ودَار الهوى دَار من دَار لَدَار
يا حلوي
ومعها يَتمحور الفرح منسكباً في نفوس الناس الطيّبة، تدغدغه نصوص أدبية تَسكن (علالي) الموسيقى، والشعر، يرسلها الليل رذاذاً بنفسجياً، كنسيمات الحنين الهائمة، تذوب في مدارات السعادة والمحبة والألفة، فيصدح نشيد الربيع الرحباني يجتاز المسافات ويخترق المساحات، بشذا الورود، وفوح الأزاهير، وصدى الحقول..
ودبكة الفرح قد تنعقد على أنغام إحدى أغنياتهم : عَ الطاحوني شِفْتك
ع الطَّاحوني
وجَرَّحوني عيونَك جَرَّحوني
كنت مْبَارِحْ ع النَّبْعَة القَريبي
إنتَ ورايح شِفْتَك يا حبيبي
شِفْتَك سارِحْ بِفكار الغَريبي
وْزاغو عْيُوني والدَّمعة بعْيوني...
ويتابعان بانسجام الأغنيات الشعبية التي لم تكن لوحات عابرة، تغنَّى وتتلاشى، بل تُسمَع وتتجذّر، غير مرتبطةٍ بمواسم تزدهر في بواكيرها وتذوي في خواتيمها، بل اتّسَمت بالثبات، والشَغَفْ المتواصل بها وغدت ثروة حقيقية تمتلكها مكتبات الإذاعات والتلفزة، ويفتخر بها كلّ من أحب الرحبانيان، ورفاقهما.
2 الرومانسي: أسلفنا أن الأخوين رحباني اعتمدا التنويع في ما قدّما... وكان اللّون الرومانسي فتحا فريداً، وشكلا جديداً في سياقات الأغنية العربية التي اعتمدت المباشَرة، ومخاطبة الأحاسيس السطحيّة، متجنبةً الحلم، مبتهدةً عن الخيال المجنّح، يومَ كان الجمهور العريض متعطشاً إلى الحلم ونِسيان الواقع، وتوّاقاً إلى التحليق والتغريد في فضاءات الكلمة، والنغمة العذبة الرقيقة الرشيقة، لينسى ما يبغي نسيانه، ويستذكر ما يهوى استذكاره فقالا مثلاً، وأنشدت شاعرة الصوت فيروز في (ناطورة المفاتيح) وَيْنُن؟ وَيْنُن؟ وَيْن صْواتُن وَيْن وْجُوهن وَينن؟
صَار في وادي بيني وبَيْنُن...
رِكبُو عَرَبيّات الوقت، وهَرَبو بالنِسْيَان
وْتَرَكوا ضحْكات وْلادُن مِنْسْيِّي عَ الحيطان
تَركوا لي المفاتيح... تَّرَكوا صوت الريح... وْراحوا ما تَرَكوا عنوان...
واعترت المفاجأة آنذاك المتلقي الذي راح يَستَزيد ولا يَستريح، ذلك أن التركيبة السيكولوجية المبنيّة أساساً على تراكم تراثيّ امتصَّ حزن الواقع والتهيّب والترقب، وفتح نوافذ الحلم ليستمر، ووافاها اللوّن الرومانسي وكأنه المُسافر المُنتظر من قرون وقرون، المتأهب لركوب العاصفة!! ولم يَعُد بمتناول يَدِه أن يواجه أو يتنحّى، فأتت التوهجات الرومانسية في مشهديّات غنائية راقية شفيفة تستأثر بِعشّاق الكلمة والموقف والسمّو... ويا تُرى من ذا الذي يَنتظره الأطفال عند مفترق العيد، ينادونه بأغانيهم وَوَعَدَتهم به فيروز في (ناطورة المفاتيح):
لا تِجي اليَومْ... ولا تِجي بكرا
مُشْ لِنا الزّيني... وبَيَارق المديني
نحنا لِنا... وَرَق الخَريف... العَمْ بيدَهّب مواكب الرَّصيفْ
وغير إنتَ وأنا، يا حبيبي ما لِنا
خَوْفي لَتضَيَّعْني بِالعيد وْما تِقْشعني
تَعَا لمَّا بيندَه الحَنين... مَوسِم النَّاس المنسيّينْ
إنتَ المدى، قَبْلك ما حَدا، وْبَعْدَك ما حَدا
إنتَ وجايي يا حبيبي
لا تجي بالشّمس بيلحَقَك خيالَك
تعا بالضّبابي.. تعا بَلا خْيَال.. أنا خْيَالك.
3 الطرب: يُخطئ من يَحسَبُ أن الرحبانيّين ابتعدا عن الطرب، إذ كان الظنّ السائد لوقت معين يَربط الطرب بالأغنية الطويلة التي تعتمد على الإعادة، والتطريب، فَأتت أغنية الدقائق المعدودات المكثفة في عزّ توهج ? الأغنية الممتدّة ? على عرش الأسماع، فأطربت وجعلت المستمع يُسلطن ويتمايل ويَقَع في أسْرِ الكلمة والموسيقى والصوت، وثمّة جملٌ موسيقية رحبانية فيها من البَلاغة ما عَبَّأ الأصقاع بدوّية والتقَطَ الأسْماع وتملّك الحواس، والموّال كان من عمق الطرب على مقامات الصَّبا والحجاز وأوزانِ شِعرٍ كحفيف الروح:
بْتِسْألْ إذا بْهواكْ
هالقَلْب مين يَلّي دوّبو... مين الْضَناه وعَذَّبو
وْدَلّو على الغصّات؟ بْتِسْألْ إذا بْهواكْ
ما دْريت بِ ليالي البِكي... ما سمعت شو صَفُّو حَكي
وْشو ألَّفو حكايات بْتِسْألْ إذا بْهواكْ؟...
ونلاحق الأخوين رحباني إلى آخر المطاف في كل قِطاف، نلاحقهما إلى حجرة يقظتهما، وفوّهة محبرتهما، هناك عندَ فوّهة بركانيهما إذا استدعى الأمر، واقتضى الشوق والطرب، نقف مطمئنين عند أسوار التجاذبات والقلق والثورة، فنرى القرية وناسها الذين بعضهم من ورق وبعضهم من صوّان، نقرأ عن الطيبة وأهلها، تقع أنظارنا على أذرع شيطانٍ تمتد لتلوث ساقية، تلاقيه شلالات الخير ومرتكبيه تجرفها إلى حيث متعة الطرب ونغمة النشوة مثلاً في (يا قمر مشْغرة)، أو (يوم ويومين وجمعة)، أو (راجعة وحْياة عَيْنو راجعة) أو (عتاب):
حاجي تْعاتِبني يِئْستْ من العتاب من كِترْ ما حمَّلتني هالقَلبْ دابْ
حاجي تْعاتِبني وإزا بَدَّك تْروحْ روح، وأنا قلبي تَعَوَّد عالعَذاب
علَّمت قلبي من الطُفولي ع هواكْ وما تطلَّعِت هالعين إلاّ ع حِماك
والله بيشهد م ضحكت مرّة لْسِواكْ ولَيش بِتضلَّك تْفتحلي بْوابْ
الأنماط
1- السائد: في كل حقبة زمنيّة يَسود نمط معين من الأغنيات، منبثقة في موضوعاتها من الواقع وساكنيه، فيجيء منسجماً مع تطلَّعاتهم، فواكبا في كتاباتهما، وأثبتا مقدرتهما في المجاراة والمجاوزة، وهكذا نرى أنّ نسبة كبيرة مما قدّما ينتمي إلى النمط السائد: (إمي نامت ع بكيّر)، (إطلعي يا عَروسة)، (بيتك يا ستّي الختيارة)، (حبيْتَك والشوق إنقال)، رِدّي مَنديلك ردّي)، (سمرا يَمْ عْيون وْسَاعْ)، عروستنا الحلوي)، (فايق يا هَوى)، (نَسَّم عَلينا الهَوا)، يا ناطور القَمرييّ).
2 - المبتكر: هذا النمط شكّل عنصر مفاجأة، وكان له دور طليعي في تألق الأخوين رحباني ونجاحهما المدويّ مع فيروز، وتوالد معهما الابتكار، فامتلأت سِلال الفن بغِلالٍ بَضّةٍ شهيّة، وتحقق الجديد الجديد، العصيّ أو السهل الممتنع: (حبيتك بالصيف)، (جُلنار)، (سوا ربينا)، (شمس المساكين)، (شو بيبقى من الشوارع)، (طريق النحل)، (الله معك يا هوان)، (نحنا والقمر جيران)، (وَعْدي إِلَك)،... في كل هذه اللآلئ الشعرية الرحبانية ومثيلاتها، كان الابتكار المدهش المباغت للكلمة المختلف لِلّحن والتوزيع، في الفكرة وتجسيدها وأدائِها، فحققا التمايز والتفوق واختراق المراحل أو ربما حرقها...
(نَفَّض جْناحاتو عا شِبَّاك الدّار متل اللّي بريشاتو مخبيّ سْرار سْرار)...
(في قهوة عَ المفرق، في موقدة وْفي نار نِبْقى أنا وحبيبي نِفرشها بالأسرار
جِيت لْقِيت فيها عِشّاق تنَيْنْ زغار قَعَدو على مقعَدْنا وسَرَقو منَّا المِشوار...)
..تَعَا تا نِتْخبىَّ من دَرْب الأعمار إذا هنَّي كِبرو ونحنا بْقينا زْغار
وسَألونا وين كنتو، وليش ما كْبرتو إنتو، منْقِلّن نسينا...
واللّي نادى الناس، تا يِِكْبرو الناس، رَاح وْنِسي يْنادينا)...
3 - الموشحات: تَوغّل الأخوان رحباني بِنهمهما المعْرفي وشوقهما في صفحات التاريخ الأدبي، ولا سيّما التراث الأندلس الآتي من خواتيم القرن الثالث الهجري، من الأندلس حيث تزاوجت الحضارتان العربية والإسبانية في مُنَاخات عبقت بأريج الأدب وسمّو الفِكر وباذِخ الفن، ومن هناك أتت الموشحات التي ترعرت ونشأت وبَلَغَت درجة رفيعةً من الدقة والتطور، فما كان من عاصي ومنصور إلا أن اصطادا الأجمل من دُرَر الشّعر، ولم يكن الهدف من استهدافهما هذا النمط التنويع والمرور بالسَّهلِ والصعب فحسب، وإنّما إيقاظ هذا المارد الشعري المتقَن، المزدان بالتقطيع والقوافي المتنوعة والأوزان المتعددة قبل أن تطويَه غفوة أبدية، وتبتلعه غياهب الزمان، ولم يكتفيا بذلك، بل غزلا على مِنواله أصنافاً وطوّرا وعدّلا، وشرّعت لنا قرطبة أبوابها، وفرشت طرقاتها بعبق الحنين :
(يا مَنْ يَحنّ إليكِ فؤادي هل تَذكرينَ عًهود وِدادي
هل تَذكرينَ ليالي هوانا يَومَ التقَينا وطابَ رُقادي)...
وتتدفق قصص العِشق في الليالي الأندلسية...
(يا حبيبي كلّما هبَّ الهوا وشَدا البلبل نجوى حبّه
لَفَّني الوجد وأضناني الهوى كفراشِ ليسَ يَدري ما بِهِ)...
وتمتزج عذريَّة الكلمة وصُورها، بعذوبة اللحن، وشاعرية الصوت، لتَغدو رحلة السحر واقعاً محتوماً:
(يا من حَوى وَردَ الرياض بخدِّه
وحكى قضيب الخيزران بقدِّه
دَعْ عنك ذا السيف الذي جرّدت
عينك أمضى من مَضَارب حَدِّهِ...
ومما غزلاه بروحيهما (بَلّغهُ يا قمر):
(بلّغه يا قمر إذ يُنشَر الخبَرُ
إني غَداةَ غدٍ يغتالني السَّهَرُ
يا ليت يَجْمعنا للحب موعِدُنا
بلّغه يا قمر إذ يُنشَر الخبَرُ إني غَداةَ غدٍ يغتالني السَّهَرُ يا ليت يَجْمعنا للحب موعِدُنا فالشوق يَزرعنا والبُعد يحصدنا ولهانَ يَنتظرُ والشوق يَستَعِرُ البيد تعرِفُهُ والليل والقمر...
4- الفلكلور: تمتلك الأغنية الفلكلورية عموماً والتي قدّمها الرحبانيان خصوصاً تأشيرة دخولها إلى رحاب القلوب، فهي من الثوابت الفنيّة النابضة في العروق، في كلَّ زمان ومكان، تسافر من جيلٍ إلى جيل، وتُوقِع الأثر نفسه في كل النفوس، وكأنها كلمة السِّر التي يتناقلها الناس لفهم الحياة، فهي (سفيرة فرح وحنين وانتماء)... فيها الوفاء للناس، محاكاتها الإنسانية والاجتماعية والوجدانية، لغَتها سَهلةً ومعبّرة، فيها الوفاء للطبيعة، تتسرّب إلى الأعماق وتحرّك ترسبات الذاكرة... فتلامس أدق التفاصيل في عمق اللاّوعي. فهنا بحّة بلبل وترانيم عِشقه، وهناك مناجاة حَسّثون يُفاخر بانتمائه إلى السنديانة العتيقة، وهذا شلاّل صاخب، يهدر ويَسكب سيمفونيات الضجيج المدوزَن تحدياً لمستنقع تفيأ السكون والعدم. ومن الأعالي دحرجة صخور عملاقة مَلّت البقاء صامتةً عند التِلال، وفي تُخوم الأعالي، راقها التحرّك، فحطمت عزلتها قاصدةً الوادي ومياه أنهاره وجداوله الرقراقة... وتسترسل المخيلة الرحبانية في انسكابها على أودية الورق، تلتقط وشوشة نسمةِ صباح ربيعي في أذنِ زهرة فاتنة الملمح، شقية اللوّن، اخترقت طريق النحل، وأضلّت الموعد بين ربيعي الغسقِ والحلم.. وديمةٌ سكوب، تصل الأرض بالفضاءات تستنهض البدايات والنهايات... فيصحو اللوز نشوان، وأزاهير الليمون والصعتر.. وسنابل القمح... كل هذا وأكثر... وفي الحنايا عطر تراب الأرض مع أول زخّات المطر. من هنا فإن لكل بقعة فلكلورها الخاص ونكهتها وأغنيتها الخاصة التي لا تشبه إلا طبيعتها، وطبيعة أهلها، فإن لبنان بطبيعته وتركيبته... كان ينبوعاً مدراراً في هذا النمط من الغناء الذي لا تزال الألسن والقلوب تردّده وتحلّق به من وطنٍ إلى مهجر. وما أن يسمعها اللبناني حتى يزغرد قلبه، وتنفر دمعته، ويغرق في بحرٍ من الذكريات الجميلة والحزينة أحياناً، ومن جهتهما لم يتوان الرحبانيان عن حفظ هذه الأمانة وعن نقل هذا الفلكلور، ولم يبخلا في تفعيله، بل تأجيجه، فنقبّا وشدّبا ودوزنا ورتّبا، ودَلَّلا الكلمات والألحان لتليق باحترامهما لإحساس المستمع، وأفاضت فيروز وأسهبت في غناء (الدلعونا الشمالية)، و(العتابا العراقية)، و(الميجانا اللبنانية)، وناهيك عن (أبو الزلف)، و(الروزانا)، و(الزينو)، (ميج يا بو الميجْ)، و(الماني) و(يا غْزيِّل)، و(يا هويدلك)، و(ع اليادي)، و(اللآ لآ)...
5- الموال: مَحك الطرب، الموَّال، وامتحان المطربين هو به يُكتشف العادي من الخارق، يرافق الأغنيات ويُضفي عليها مناخاً آخر حين يجري التصعيد الحسيّ، أو يُفتتح به ليكون رسالة الشّوق، فالموّال بغدادي المنشأ وعراقي الهويّة، ومنه ما ارتبط بحالة (اللا فرح)، وقد يأتي الموّال منفصلاً، أو أغنية قائمة بذاتها، من حيث الوقت الذي يسْتغرقه، ومن حيث اكتماله موضوعاً ولحناً وتطريباً، الأخوان رحباني خاضا هذه التجربة الغنائية بسخاء، وتكاد لا تخلو أغنية من أغنياتهما الشعبيّة من موّال عتابا أو مْعَنَّى أو قصيد، أو موّال بغدادي وما أرق الموّال الذي افتتحا به أغنية (يا حْنيّنَة): إنتي وأنا عم يسألونا كيفْ مِنْضَلْ شو بْيحْلالنا نْغَنّي م بْيِلْتَقى عِنا رغيف ومنعيش بأطيب من الجَنّي
6 - الزجل: الزجل شعر شعبي، هو ابن العاميّة، والوجدان الشاعري يُنظَم على بحورٍ مختلفة، يقول بعض المؤرخين إنّ الزجل أندلسي النَّظم والنَشْأة، ومنهم من أعاده إلى العصور الجاهلية... لكنّ الزجل وإن نشأ في شبه الجزيرة العربية، أو الأندلس، لكنه ما إن وصل لبنان حتى ارتدى ثوباً مختلفاً بلونٍ مميز، ما جعل منه وله (خاصيّة لبنانية)... وقد حاول عاصي ومنصور نقلَ هذا الفن الجميل إلى بعض أعمالهم فأفردوا له مساحات، فأتى متّسّقاً ومنسجماً معها ومع أصوات فيروز ووديع الصافي ونصري شمس الدين وغيرهم، وتوظيف اللّون الزجلّي في أعمالهما كان له أشد الأثر وبلغ آفاق التعبير وذروة الانسجام، مثلاً في (بياع الخواتم) و(سهرة حب)، و(قصيدة حب)، مثلاً: (كانت على هَاك العَريشي تتّكي وتحكي حكي العِشّاق ويطول الحكي ولَمّا عصافير المواسِم يهْجْرو يْهِبّ الهوا وِيْعِن عا بالا البِكي... (باب البوَّابي ببابَين قْفولي ومفاتيح جْدَادْ عالبوابي في عبدين اللَّيلْ وعنتر بنْ شِدَّاد حِلوي وشبّاكين ودار العاشق غطّ، العاشق طار نغمِِة ونار وعِدَّادين عِدادين ونَغْمِه ونار ونارين ونَغْمِهْ وع ِداد)... أما على صعيد اللغة، فقد أسهم الأخوان رحباني مع العديد من الشعراء اللبنانيين الذي سبقوهم ولحقوا بهم باختراع لغة شعرية جديدة ملأت الصالونات الأدبية، وطرّزت مئات الدواوين بأجمل الشعر وأرقّه، إنه الشعر المحكي الذي يكاد يُنافس الفصيح من حيث غِناه واستيعابه لشتّى موضوعات الحياة، من فلسفة واجتماعيات وسياسة ومشاعر إنسانية ووطنية منوّعة، من هذا الشعر لعاصي ومنصور في (بعلبك): (ما في حدا، لا تِنْدَهي ما في حدا عَتْمْ وطريق وطير طاير عالهدَا بَابُن مْسَكّر والعِشِبْ غطّى الدّراجْ شو قوْلكُن، شو قولكُن صارو صدا) أو (بقطفْلك بَس هالمرّة هالمّرة بسّ عا بكرا عا بكرا بَسّ شي زَهْرا شي زهرا حمرا وبَسّ)... ولم يقتصر المحكي على ما كتباه، بل قطفا الشعر المحكي بشاعريتهما الفذة، واختارا بحدس قوي، وخبرةٍ حكيمة من كروم الشعراء سعيد عقل (مشوار)، و(يا ريت)، و(بحبك ما بعرف)، (فتّحُن عَليّي)، (يارا)، ولميشال طراد (بكوخنا يا ابني)، (جُلنار)، و(حفّة الشّباك)، و(تِخمين)، ولأسعد سابا (مينْ دَلَّكْ) ولعاصي ومنصور (نحنا والقمر جيران)، و(يا قمر أنا وياك)... وحضر الغناء البدوي في أعمالهما بشكل خجول، لكنه كان جميلاً انبعثت منه رائحة الصحراء، وصهيل الخيول، وصليل سيوف الفرسان، وحفيف الحب العذري، ومنها (دِقّوا المهابيج)، (يا رايحين مشرّق)، و(يمّا الحِلو)... أما اللهجة المصرية، القوية الانتشار الراسخة سينمائياً على مدارج الغناء العربي، زارت حنجرة فيروز المحلّقة والمنتشرة باللّون الرحباني الخاص، وهي المحصّنة بأجنحة غزارتِهما، لكنّهما لوّنا قليلاً حين أدّت (زوروني كلّ سنة)، (الحلوى دي)، (طلعت يا محلى نورها)، من ألحان سيد درويش، و(خايف أقول اللّي في قلبي)، و(يا جارة الوادي)، لمحمد عبد الوهاب، كذلك قدّما (شط اسكندرية). ورونق الأغنية الفصحى كان له وقعاً ساحراً وبعداً خاصاً، وعمقاً يعكس رصانة رفيعة، فقدّم الرحبانيان من روائع شعريهما، واختارا من شعراء مبدعين آخرين، أمثال نزار قباني في (لا تسألوني)، (وِشاية)، و(دمشق)، وميخائيل نعيمة (تناثري)، ورفيق خوري (ارجعي يا ألف ليلة)، ولعنترة العبْسي (ولقد ذكرتكِ)، ولبدوي الجبل (خالِقة)، ولجبران (أعطني الناي وغنِّ)، و(سكن الليل)، (والمحبة)، ولجرير (جَبَل الريّان)، وللأخطل الصغير (أرقّ الحُسن)، (بين النجوم)، (في عيونه خبَرَ)، (ملعب الأحلام)، (وداد)، (يا عاقد الحاجبين)، (ضفاف بردى)، (سيوف وجِِراح)، لأحمد شوقي (يا جارة الوادي)، ولرشدي المعلوف (ربي سألتك باسمهنّ)، ولسعيد عقل (أجراس العودة)، (أمي يا ملاكي)، (ردّني إلى بلادي)، (سائليني)، (شام يا ذا السيف) (لاعب الريشة)، (مرَّ بي)، (غنيت مكة)، (لي صخرة)، كما غنت فيروز من فصيح شعر الأخوين رحباني: (هموم الحب)، (رجعت في المساء)، (أمس انتهينا)، (أقول لطفلتي)، (زهرة المدائن)، (جسر العودة)، (لململت ذكرى الأمس بالهُدُب)، (أنا عصفورة الشمس)... وهذا غيض من فيض، والجديد المدهش كان عنواناً فريداً للأخوين رحباني من حوارات مسرحية وكلمات وألحان وقصص شعرية مُغناة، أحبهما الناس بكلّ ما قدّماه، لملامسته الواقع، وأكدا دائماً أنهما تأثرا بكل موسيقى العالم، وانفتحا على كل الحضارات، لكنهما عندما كتبا وأعطيا، لم يُقَدّما يوماً إلا ما هو ذو خاصيّة متميزة منبثقة من مخزون شخصيتهما ونبرة رحبانية خالصة.


www.rimanajm.com rima_najm@hotmail.com *
إعلامية لبنانية

الصفحة الرئيسة
عدد خاص
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved