الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الاصدار الدولي الجزيرة
Monday 12th April,2004 العدد : 54

الأثنين 22 ,صفر 1425

مساقات
الكتابة والكُتُب في العصر الجاهلي!
د. عبدالله الفيفي

تظلّ قضية الكتابة في العصر الجاهلي قضية جدلية. وربما في غير العصر الجاهلي إن أُخذت الكتابة بمعناها الحقيقي ومستلزماتها الحضارية لكن دعونا في العصر الجاهلي، منطلقاً! تظل كذلك، لا سيما من حيث تعلّقها بكتابة الشعراء الجاهليين شعرهم، أو تدوين ذلك الشعر في دواوين، كتلك التي أشار إليها حماد الرواية في حديثه عن طنوج النعمان ؛ إذ قال : أَمَرَ النعمانُ فنسخت له أشعار العرب في الطنوج قال: وهي الكراريس ، ثم دفنها في قصره الأبيض. فلمّا كان المختار بن ابي عُبيد قيل له: إن تحت القصر كنزاً، فاحتفره، فأخرج تلك الاشعار. فمن ثَمّ أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة. (انظر: ابن جنّي، الخصائص، 1: 387). ولقد استوفى قضية (البيت الأبيض) العربي ومناقشة كراريسه الشعرية الباحثون، ومنهم: ناصر الدين الأسد، في أطروحته للدكتوراه (مصادر الشعر الجاهلي). ومع أن غالبية الآراء والظواهر تشير الى سيادة الشفاهية على الكتابة في العصر الجاهلي، إلا أن هذا لا يقلل من أهمية النظر الى وجود بعض مظاهر الحسّ الكتابي في البيئة الشعرية الجاهلية.
وإلا ما تلك الكتب التي يرد ذكر النقل عنها لدى قدماء الرواة والاخباريين، مثل: (كتاب قريش)، و(كتاب محارب)، و(كتاب كلب)، و(كتاب خزاعة)، و(كتاب بني القين)، وغيرها كثير، مهما يكن هنا معنى (الكتاب) لديهم وحجمه. وتدل على وجود هذا الحسّ الكتابي النقدي تلك الألقاب الشعرية التي ميزت بعض الشعراء عن بعض بإلقاء الضوء على الخاصية الكتابية لديهم، كلقب (المرقّش)، أو (المحبّر). وذلك في مقابل ألقاب أُخَر ركّزت على المستوى الصوتي الشفاهي من شعر الشاعر، كـ(الصّناجة)، أو حتى (المهلهل). وهو ما ينمّ على بُعد نظري نقديّ، يتجاوز مجرد وصف شاعر ما بأنه يكتب، الى التمييز بين مستويين من الشعرية: شعرية كتابيّة وأخرى شفاهية.
فإن من معاني (المرقّش): الكاتب، يقال: رقّشه، وترقّشه، أي كتبه، قال (المرقش الأكبر، ت 550م) نفسه:
الدار قفرٌ والرسوم كما
رقّش في ظهر الأديم قلمْ
والرَّقْش: تنقيط الخطوط والكتاب. والرقش: الخط الحسن، بما فيه من تفنن وتنقيط. وإن كان قد زُعم كالمعتاد أن المرقش لُقب بلقبه لبيته الآنف. لكن أولئك الذين يعللون هذا التعليل التقليدي لا يلتفتون الى ان المرقش الأكبر، قائل ذلك البيت، كان فعلاً مرقشاً كاتباً للحارث بن أبي شمّر الغساني. (ينظر: العسكري، 1981، الصناعيتن: الكتابة والشعر، تح. مفيد قميحة، بيروت: دار الكتب العلمية، 499). ولم يكن يكتب بالعربية فحسب ولكنه كان يكتب بالحميرية أيضاً، كما يشير ابن قتيبة. فقد حذق مهنة الكتابة منذ صغره، حيث كان أبوه دفعه وأخاه حَرْمَلة وكانا أحب ولده إليه الى نصراني من أهل الحيرة، فعلمهما الخط. (الأصفهاني، الأغاني).
ثم مارس مهنة الكتابة لدى الحارث بن ابي شمر الغساني وحذق فنونها، كما تدل على ذلك توجيهات الحارث له بما ينبغي للكتابة من عناية بالابتداءات والفواصل. فكيف إذن لا يمارس الكتابة في شعره؟ وهو قد فعل، كما تدل حكاية عشقه ومراسلاته المشهورة لابنة عمه، التي ينقلها (ابن قتيبة، والأصفهاني). وكيف إذن بعد هذا كله لا يكون لقبه إلا لاستخدام كلمة (رقش) في بيته المشار إليه؟ وهل بيته ذاك أصلاً إلا انعكاس للبيئة الكتابية التي كان يتمثلها كغيره من الشعراء الجاهلين الكُتّاب، كعدي بن زيد العبادي، ولقيط بن معمر الإيادي، وأُمية بن ابي الصلت، وغيرهم.
وإذا كانت ممارسة المرقش للكتابة ثابتة، فما مدى تأثير ذلك على شعره؟
بعيداً عن الأخذ بما أخبر به يونس بن حبيب كالمتعجب عن ابي أبي اسحاق وهو عالم ناقد ومتقدم مشهور، حسب وصف ابن رشيق إياه من أن المرقش اشعر أهل الجاهلية، كما ينقل ابن سلام الجمحي، أو ما أُجمع عليه من أنه أول من أطال المدح، فإن من يقرأ شعر المرقش تلفته خاصية انتظام المعاني وتسلسلها في شعره، انتظاماً وتسلسلاً يبعد أن يتأتّى لغير الشاعر الكاتب. وهو ملمح فارق عن شعر كثير من الشعراء الجاهليين. ويتبدّى ذلك في المفضلية السادسة والاربعين التي يوردها له الضبي، وغيرها من شعره. ومن معالم ذلك كثرة ربطه التعاقبي بحرف العطف الفاء، واستخدامه عبارة مثل (على أن)، أو معاقبته بين النفي و(بل)، كقوله يصف ناقة:
لم تقرإِ القيظَ جنينا ولا
أصرُّها تحمل بهم الغنمْ
بل عزبتْ في الشَّول حتى نوت
وسوِّغت ذا حُبُك كالإرمْ
أو بين النفي و(لكنّ)، كقوله:
لسنا كأقوام مطاعمهم
كسْبُ الخنا ونَهْكة المَحرم
لكننا قوم أهاب بنا
في قومنا عفافةٌ وكرم
وذلك بعد ان فصل بين البيتين خمسة أبيات، وكذا الصنعة البلاغية (التأليفية) التي تدل على تركيبية كتابية لا شفاهية، من قبيل قوله:
ليس على طول الحياة ندم
ومن وراء المرء ما يعلم
يهلك والد ويخلف مو
لود وكل ذي أب ييتم
والوالدات يستفدن غنى
ثم على المقدار من يعقم
وما هذا بشعر يا أشعر الجاهليين، إن صحّ أنه لك بل نظم بارد! ولديه تركيبات تشبيهية، (برناسية Parnassian)، إن جاز الوصف، تذكر بصنعة الشعراء العباسيين، في مثل قوله:
النشر مسك، والوجوه دنا
نير، وأطراف البنان عَنَمْ
إن الفوارق لتبقى نسبية بين الشفاهية والكتابية، وليست الكتابية المقصودة هنا بمحض التقييد والتدوين، كما هو الحال في المجتمع العربي في معظم تاريخه، وإنما هي وعي ذهني تصوري، له تركيبه الجذري بمقتضيات المجتمع ذي الصيغة المدنية، وقد ظلت الذاكرة الشفاهية تسيطر على الشعراء وغير الشعراء، في مختلف العصور قبل الإسلام وبعده. حتى قال (تودوروف) مثلاً: إنه لا يمكن الزعم مع (باري) أن الصيغ الشعرية الجاهزة خاصة بالشعر الشفاهي وحده. وبالرغم من أن دلائل لا تنكر على ممارسة الكتابة (التدوينية) منذ الأزل العربي، فإن المجتمع العربي كان ومازال ويبدو أنه سيظل يتلقى العالم بأذنيه طربا وانفعالا، قبولاً ورفضاً، يَغلبون بالصوت ويُغلبون. ولا داعي للشواهد، فهي ناطقة في كل مجال! وما الخاصية الانفعالية في الخطاب العربي، في وقت لا يُفضي القول فيه الى فعل، وما الانفعال بالكلام المسموع دون الأفعال الواقعة والحوادث الجارية، وما الرعب العربي من الكلمة، وإن كانت في الحق والخير والجمال، ومن ثم تعطيل قيم العمل والجدِّ والفكر والتجديد مع الاقتناع الذهني بها جميعاً خوفاً من أن يُقال او يُقال، إلا بعض أعراض ثقافة تجد نفسها دائماً في مهب كلام تحسب له ألف حساب وحساب.. وحساب وحساب!
** مقام:
لكَ ما كتبت بغيمة خضراءَ فا
تحة البروق وجمرة الاشعالِ!..

++++++

aalfaify@hotmail.com

الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
حوار
تشكيل
كتب
مداخلات
الثالثة
مراجعات
اوراق
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved