الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الجزيرة
Monday 13th September,2004 العدد : 76

الأثنين 28 ,رجب 1425

إنْ كنتُ الغيمةَ فأنتم السَّماء!
خيرية إبراهيم السقاف

بيني وبينكم مواعيد لا تنتهي...
وأزمنةٌ مشرعةٌ للَّقاء...
كان بدُءها نبضاً، ولن يكون لها انتهاء...
وإنيَّ رهينةٌ أمام (الحب) لا أقوى على مواقفه الحميمة... وصدقه النادر...
وقد أحطتموني امتداداً تجذيرياً بهذا الحب منكم، فوقفتُ...، عجزَتْ قدرتي على الحراك...، فشلتُ في كيف الوفاء؟؟
الحبُّ أمانة،
والأمانة أبت حملها السموات والأرض...
فكيف بي، هذه الورقة في شجرة هذه القلوب المفعمة بالصَّفاء، الضَّاجة بالصدق...؟!
ذات صبح زاهٍ...
إبراهيم التركي، هذا الأخ الذي قدَّمته لي الحياة، وما كان غير أخي من أحشاء أمي، قال: (نحن نعدُّ شيئاً في «الثقافية» عنكِِ)...
ولم يزد...
قلت: وما الذي عندي يا إبراهيم؟ غير بضاعة على حدَّ سواء مع الريح، حيث تذهب بما تجد...، وتبقى الفسحة بيضاء...؟!
ومضى على ما قال شهور... خلت ذاكرتي.. المثقوبة.. المكتظَّة...
حتى صباح اثنين هو السابع في شهر ربيع الثاني لهذا العام...، السادسة صباحاً إلاَّ ثلث...
جلستُ لكوب القهوة والمجلة الثقافية في الجزيرة...
صورة الغلاف لامرأة معبَّأة بالمطر، على رأسها الغيمة، ومن خلفها امتداد السَّماء...
تلك لوحة كانت وحدها قادرةً على أسري عندها حدّ الشَّجن...
توقَّفتُ أتأملها...
تذكرتُ صديقاتي التَّشكيليات وهنَّ يجذبنني بعيداً عن التأمل حين استغرق في كل مرَّة نزور فيها عرضاً فنياً... يتسامى فيه الإبداع حدَّ التَّفاكر...
قلتُ: من تكون الغيمة؟...
وذهبتُ، لعلَّها أن تكون قصة في داخل العدد...
تلقَّفتُ أن أقشع عن الداخل غيمة الغلاف...
شهقتُ: فكبار القوم، وأقربهم، وأبعدهم، يتحلَّقون حولي في شلال سماء تنهمر صفاءً وحبَّاً وصدقاً، فتهاطلت الدموع وما كنتُ أقوى عليها...
تهاني المنقور، الموغلة في تفاصيل الوفاء، العابقة في ذاكرة أمومتي... وهو، إبراهيم التركي، أخي:
تضافرا على سجني داخل استدارة السماء، وعلى إطلاقي في مداها، هذه التي أظلَّتني، وأقلَّتني، وحملتني على بسطة الأمد منذ اللَّثاغة حتى الاستواء...
أبي؟!
هذا الفاره في النقاء، المعطاء الذي لم تنحنِ قناة توجيهه، ولم ينضب معين حدْبه حتى لحظة البوح...
مربَّ ما له مثيل، طرازٌ نادرٌ من الآباء، العظماء، العلماء، المؤمنين، الصَّادقين، كومة حب، وحنان ورشد، وتفان، ومتابعة...
يبارك في الصباح الحروف...
ويودِع في المساء الدّعاء...
كيف جيء به إلى هنا؟...
و...
أبو حيدر، هذا الذي يتصومع في بوتقة الصَّمت، يستكين إلى الظّل، يرفض الضَّوء، يبعده عن أسواره...
كيف قدرتم أن تشقُّوا عنها، فتخرجوه كي يفضي؟
ولقد تعودنا طيلة رفقة تشاطرنا معاً لقمة الضوء، وشربة الخطو أن يحفظ أحدنا الآخر في كفَّ الإيثار عن التَّباهي أو التَّماهي...؟
و...
حيدر، فلذتي، شهادتي التي بها أباهي، وعساني أتباهى به وإباء، ومحمد ومَعين كما قال يوم التَّناد، وهو يتوكأ على استحياء أن يقف ببنوَّته يتلعثم أمام أمومتي...؟!
وتترى أقلام علية المفكرين من النقاد والمبدعين, وسادة الرأي، ووجهاء الحرف ممَّن أباهي بهم وأعتز...، وثمراتي التي أينعت في الجامعة والمجتمع... والغيمة كلَّما تبدَّتْ لها شمسُ أحدهم منحتها من ثراء نورها دفقاً...
غمَرتني هذه الالتفافة حولي...
طوَّقتني بشلال دفء وصدق ووفاء...
منحتني وجهاً جميلاً بارعاً بديعاً للصفاء...
عزَّزتْ فيَّ الانتماء لقدسية القلم، وأريَحية الفكر، ورحابة النَّجاح...
وثَّقتْ اعتقادي بأنَّ الأنقياء وحدهم من يمنحون الحيا ةَ حياتَها...
وبأنَّ الذين يقفون في القمم هم الذين يروْن كلَّ شيء، ويدركون ما لا يدركه المزدحمون على الأرض، وهم الذين يعلمون مواقع المتحركين فوق البسطة، وداخل الثقوب، وخلف الأسوار، وتحت السطوح...، وبأنَّ قلماً يفي لآخر لن يصدأ، ولن تثلمه سيئةُ الجفاء...
عرَّفتني بأنَّ ما يُذرُّ من رماد في عيون الحقائق لا تأتي به إلاَّ أناملُ شجَّها وهن الفراغ، وقلوبٌ أدماها نكد الغيرة... ووحدها عيون النور من تبعث دفء الاطمئنان، وسكينة الثقة، وتآخي الانتماء، ومشاطرة الشلال...
هؤلاء، وأولئك عيون النور
قدموا لي ذاتي كما لم أكن أعرفها...
واجهوني بي كما لم أكن أتعرَّفني...
قرَّبوني منِّي كما لم أكن أستطيع..
رأيت (خيرية)، ووجدتها...
فشهقت: يا اللَّه؛ أهذه أنا؟!
ومن ذا الذي يفعل ذلك غير الخُلَّص، الصادقين، الموسرين، الأثرياء، الأنقياء، المجرَّدين، الحقائقيين، النبلاء، الأوفياء، الذين يحملون همَّ الشهادة على أكتاف أقلامهم، ولا يتوانون عن خوض معارك التطهير في سجل التأريخ، هذا الذي تداخل فيه غثٌ وسمين، وعجَّ بالغوغاء...
اليوم فقط خرجتُ من صقيع تجمدّي في بؤرة المفاجأة الممطرة... بحميمية ألجمتني، وعطَّلت قدرتي على البوح في حينه...
ذلك لأنَّني صمتُّ مثل هذه المدة دون أن أستطيع البوح في موقف مضاد آخر حين فقدت أثمن ما فقدت: (نوَّارة) الملتحمة بي حدَّ المسامِّ والنًّبضة...
فالمواقف المؤثِّرة فيَّ فرحاً طاغياً، أو امتناناً مبجَّلاً...
والمواقف المؤثِّرة فيَّ ألماً فارطاً، أو حزناً نبيلاً...
لا تدع لي فرصة الخلوص من صهرها إلا حين تنأى قليلاً...
ذلك مبلغ استحيائي أن أكون قد عجزت عن الوفاء تفاعلاً معها وإحساساً بها...
إذ لا شكر قادرٌ على تأدية امتثالي أمام سطوة التّأثر امتناناً بما جئتم به كثيراً، وأفضيتم به تدفقاً، من شلال ودِّكم، وصفائكم، ووفائكم، وتقديركم، وتجرُّدكم، وإيمانكم، ومبادراتكم...
أكيدٌ أنَّني أتأخر كثيراً في قدرة الصعود إلى سمائكم، إذ لا أرفع من سماء الخُلَّص الأوفياء...
لكنَّني، أستمدُّ منكم رحيق المطر
وأنثر عليكم قطرات حبي.. واحتواء وفائي...
و... دمتم نوافذ فرح...
الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
تشكيل
ذاكرة
مداخلات
الملف
الثالثة
اوراق
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved