الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الجزيرة
Monday 15th September,2003 العدد : 28

الأثنين 18 ,رجب 1424

أعراف
ينابيع الذاكرة تلويحة الأيدي المتعبة (4)
(الأشياء حتى النصف)
محمد جبر الحربي
ضربنا في الحلقة الماضية (دِفلي) مثالاً عن نثر فواز عيد الحميم. وكيف ان الشاعر المميز لاينبغي له أن يكون ناثراً سيئاً، ونضرب هنا مثلاً على شعره العالي، الشعر الذي قلنا إنه ليشبه فواز في هدوئه، عمقه، صوته الخفيض، والنار التي يشعلها نحته المضني لقصيدة حديثة، مختلفة، نائية، وقريبة. قصيدة هي أقرب إلى شجر المعرفة، وشجر الطبيعة، وشجر الروح.
وإذا كان عبدالله نور قد خلّد صديقه فواز في ذاكرتنا عبر غنائه لقصائد الديوان الرائع (أعناق الجياد النافرة) فإنه لم تقع عيني على أية متابعة لديوانيه التاليين (من فوق أنحل من أنين) و(بباب البساتين والنوم)... هنا أم هناك، وسأتهم نفسي قبل إلقاء اللوم على واجهات الثقافة العربية التي انساقت كبقية منافذ الاتصال إلى ما يشبه الكارثة، أو هي الكارثة بعينها..
أو التي أصابتها فيروسات النتاج الرديء، والربح السريع، والتهتك الذوقي والمعرفي.
وللتعرف على مزاج فواز الشعري يمكننا ان نقرأ هذه القصيدة الجميلة العذبة معاً، ونبلّل أرواحنا بشعر نادر بعد رحيل طويل مرير في متاهات ما لا يشبه الشعر أبداً:
* الأشياء حتى النصف:
مع من أتكلم؟؟
نصفُ الليلِ... ونصفُ الحبْ
نصف الأحباب مضوا
عادوا... من نصف الدربْ
مع من أتكلم
نصفُ الصيفِ
ومنتصفُ البابِ المفتوحْ.
نصفُ الشهرِ العربيّ...
ونصف المئزرِ...
نصفُ الوجه على الشرفةِ
نصفُ الإفصاحِ..
ونصفُ التلميح المجروحْ.
نصفُ الذكرى
نصفُ الأطباقِ على الأسماءْ
نصف الظلماتِ..
ونصف شعاع برّي
يأتي من نافذة عليا
في نصفِ جسدْ
نصف الأحزان..
ونصف الغبطةِ
من رجلٍ مبحوحٍ يسعلُ
وامرأةٍ تبكي في الميناءْ.
أنثى من نصف الأشياءْ.
أنثى من كمثرى و.....
ونهوضِ طيور من خزف
عن صفحةِ ماءْ.
أنثى قطراتٍ من ليمونْ.
مزّقها جسدُ البحرِ المتوسطِ
ليل من أصدافٍ.. وظنونْ.
مع من أتكلمُ
يا امرأةً عليا
يا طفلاً في أرجوحته العليا
يا سيد عزلته العليا.
مع من أتكلمُ بالفصحى
أو أشرحُهُ طوراً بالصمتِ
وطوراً بالإيماءْ.
مع من أتكلمُ
والأشياءُ هنا وهناك موزعةٌ
فمتى ترقى..
وتجمعُ شطريها الأشياء؟!
مثل هذا الشعر لايحتاج إلى تقديم أو تقريب أو أسئلة أو إجابات. إنه تعب النوافير كما يقول فواز.
وهو انهمار المطر والفصحى والصمت والإيماء..
إنه الشعر الصافي الخالص المخلِّص.
وهو وثيقةٌ تقول لنا إن شاعراً عربياً كبيراً مرّ من هنا، ولم يترك أذى..
بل ترك روحه، وعينيه الثاقبتين، وأشجاراً مباركة حمل بذارها من أرض مباركة هي فلسطين، وجراراً لا ينضب ماؤها، ولا تندثر ألوانها، تظل ترشح لتذكرنا بالتاريخ والجغرافيا وعطرها...
وعطره، عطر الشعر النادر الأصيل.
إنه الأشياء حتى النصف الموزعة هنا وهناك، وقد ارتقت وجمعت نصفيها على يد شاعرٍ عملاق.
إنه شعر فواز
و(نهوض طيورٍ من خزفٍ عن صفحة ماء).
الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
حوار
تشكيل
مسرح
وراقيات
مداخلات
المحررون
الملف
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved