الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السياراتالجزيرة
Monday 20th February,2006 العدد : 141

الأثنين 21 ,محرم 1427

جمع السنَّة النبوية بين دفتي كتاب واحد
المشروع والتصور

كلمة لا بد منها:
في عام 1414هـ عملت على تحقيق رسالة تراثية، كنت وقتها معيداً بكلية المعلمين في أبها، وأثناء اشتغالي بها التمعت في ذهني فكرة أن تتبنى الدولة جمع السنة النبوية في مصنَّف واحد، بحيث تكون في متناول عامة القراء والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
وأخذت أتحدث بهذه الفكرة، وأُحمّس لها في كل مجلس يجمعني بطلبة العلم؛ لا سيما المختصين منهم بالحديث الشريف؛ ولكني لم أجد في من عرضت عليهم الفكرة آنذاك من ينهض للكتابة عن الموضوع، فقررت الكتابة عنه ووضعتُ تصوّراً نظريّاً له؛ فتحوَّلت الفكرة بذلك إلى مشروع، تحددت طبيعة العمل فيه، ومراحله، ونوعية العاملين فيه، ونشرت المشروع مفصلاً بجريدة المدينة المنورة منتصف المحرَّم من عام 1419هـ.
وكانت أصداؤه طيبة ومشجِّعة، ولكنها أقلَّ مما أمَّلتُ؛ فكاتبت بعض أصحاب السمو الملكي الأمراء، منهم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن عبد العزيز - رحمه الله - فجاءتني بعدَ مُدّة يسيرة مكالمة على هاتف كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى من بعض العاملين بمكتب سموه - رحمه الله - في رعاية الشباب؛ ولمَّا لم أكن وقتها موجوداً بالكلية؛ فقد ترك رسالة حملها لي أحد الزُّملاء؛ تفيد بضرورة الاتصال بالرئاسة على رقم تركه لي، أظنه لمكتب سمو الأمير - رحمه الله - وحين اتصلت بالهاتف أفادني أحد الموظفين باطلاع سمو الأمير على الاقتراح، وإعجابه الكبير به، وبلَّغني أن الأمير قد استشار فيه صاحب السماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - فأثنى على الفكرة، وذكر أنه يستحثني على المضي بالعمل فيه.
وقد أرسلت عقب ذلك رسالة للأمير شكرته فيها على حسن ظنه واهتمامه، وأكدت فيها صعوبة أن يقوم بهذا العمل فرد واحد، وأشرت فيها إلى أن همة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد - رحمه الله - وإخوته الميامين؛ وأبناء هذا البلد الكريم من العلماء والوجهاء والأثرياء؛ هي الأقدر على تحقيق هذا المشروع الأمل بعون الله تعالى، وأكَّدت أنَّ المشروع بحسب قناعتي لن ينجح ويكتب له التمام إلا بقرار يتبنى فكرته، وبعمل مؤسسي لا فردي.
وقد أتاحت لي السنوات السبع الماضية التي أعقبت نشر المقترح: مشروعاً وتصوراً، فرصة جيدةً للوقوف على فكرة جمع السنة النبوية في مصنَّفٍ واحد على امتداد التاريخ الإسلامي، ولمتابعة بعض الأعمال التي تبنت فكرة الموسوعة الحديثية في هذا العصر؛ فوجدتها أعمالاً جيدة مقدَّرة، ولكنها تقصر كثيراً عمَّا يمكن أن يوفره لها العمل المؤسسي المنضبط من الدّقة والجودة والاستقصاء.
فهي على الرغم من نبل مقاصدها، وما بُذِل فيها من جهد؛ تعاني من الازدواجية، والتكرار، والاضطراب، والخلل المنهجي، والقصور عن تحقيق هدفي: الاستيعاب والشمول، كما أنها لم تتبنَّ في منهجها: مسألة الحكم على النصوص سنداً ومتناً؛ ولوبصفتها مرحلة تالية.
ولهذا تأكد لي مجدداً ضرورة أن يشرف على المشروع الإسلامي الكبير: هيئة علمية، أو مؤسسة مقتدرة؛ لأن إمكانات الأفراد ولو دفعتهم همَّة كبرى عاجزة عنه قاصرة دونه؛ لما يحتاج إليه المشروع من جهد مضنٍ، وتنقيب دقيق، واستيعاب وشمول، وتفرُّغ بالكلِّية، وتمويل سخيّ إلى ما بعد الطباعة والنشر...إلخ، وكل ذلك لا يقوم به إلا العمل المؤسسي الجاد، وهذا - قطعاً - لا يتنافى مع همم الأفذاذ من الأفراد؛ فهم بالضرورة نواة كل عمل مؤسسي ناجح.
وتتأكد الدعوة إلى هذا المشروع بصفته: خدمةً للسنة النبوية، وعودةً إلى التلقي المباشر عن مصادر التشريع الأصلية، وجامعاً وموحِّداً، ونابذاً للفرقة والاختلاف حول النصوص؛ في وقت أخذت فيه دعوات مشبوهة تُطلّ برأسها لتجذير الفرقة بين المسلمين على أساس من اختلاف النظر للسنة النبوية ثبوتاً وحُجيّةً.
إنَّ وجود نسخة كاملة شاملة لأحاديث النبي الكريم بين يدي العلماء والفقهاء، والمجامع الفقهية، مرتبة على الموضوعات، ييسر استقراء النصوص الشرعية، ويُعين على الوصول إلى تصوّر صحيح، وحكم صائب، ويُقلِّص مساحة الاختلاف المعيب القائم على ضعف استقراء النصوص بين الفقهاء، ويُفعِّل الاجتهاد القائم على الدِّراية والنظر والاستنباط، كما أنه يُعزز مفهوم وتجليات الهوية الصحيحة للأمة المسلمة في مواجهة التحديات المعاصرة، ويذلل للباحثين في العلوم الإنسانية والعلمية ما يعترض سبيلهم من صعوبات وعقبات، تقف دون استلهام الهدي النبوي الشريف في بحوثهم ودراساتهم الإنسانية والعلمية، كما أنه عمل علمي وشرعي لازم ويجب أن تنجزه الأمة الإسلامية.
أولاً: المشروع.. أهميته وأهدافه
أ - البعد التاريخي:
جمع خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - القرآن الكريم من العُسْب والرقاع، وصدور الحفظة المشهود لهم بالإتقان، من مثل أبيّ بن كعب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وطلحة، وحذيفة، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وأبي موسى الأشعري. وذلك حين أشار عليه وزيره وعضده في خلافته عمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع، لّما استحرّ القتل بالقراء في يوم اليمامة.
ولكن بقيت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم تُروى (على العموم) مشافهة في دقة وتثبت وتمحيص شديد، إلا ما كان من بعض مُدوناتٍ خاصّة، لفترة من الزمن حتى أذن الله بالشروع في تدوينها( )؛ لما كثر ابتداع الناس، وظهر الوضَّاعون، وانتشرت الفرق ك: الخوارج، والروافض، ومنكري القدر.. وأول من جمع ذلك بعد مَنْ كتبَ مِنَ الصحابة رضوان الله عليهم - كما ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني - الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما.
وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، حيث صنف الإمام مالك (الموطأ) وتوخى فيه القوي من أحاديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم.
وصنف أبومحمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة، وأبوعمرو بن الأوزاعي بالشام، وأبوعبدالله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة، وأبوسلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المائتين (200 هـ) فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسنداً، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسنداً، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم... وما زالت جهود المحدِّثين تتوالى إلى يوم الناس هذا، جمعاً وتأليفاً وشرحاً وتصحيحاً وتعليلاً قربة إلى الله، وخدمة للمصدر التشريعي الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية.
ب - تطلّع الأمة إلى جمع السنة في مصنَّفٍ واحد:
من الملاحظ أن أحداً من الُمحَدِّثين قديماً وحديثاً لم يوفق إلى الإحاطة بجميع السنة النبوية في مصنَّفٍ واحدٍ، أومُدَوَّنٍ جامعٍ شاملٍ لأحاديث المصطفى الكريم، بحيث يستوعب جميع ما روته كتب السنة والحديث ولا يغادر منها شيئاً.. صحيح أن التاريخ احتفظ لنا بجهودٍ متفاوتةٍ زماناً وتنظيماً واستيعاباً تَطلَّعت إلى تحقيق ذلك الأمل الكبير، وحيازة شرف العمل به والنسبة إليه، مثل: (التجريد للصحاح الستة) لرزين السرقسطي (ت 535هـ)، و(جامع الأصول في أحاديث الرسول) لابن الأثير (ت 606هـ)، و(جامع المسانيد والسنن) للعلامة ابن كثير (ت 774هـ)، و(جمع الجوامع أوالجامع الكبير) للسيوطي (ت911هـ)، و(كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال) للمتقي الهندي (ت 975هـ)، و(الجامع الأزهر في أحاديث النبي الأنور) للعلامة عبد الرءوف المناوي (ت1031هـ)، و(الفتح الكبير) للنبهاني (ت1350هـ)، وغيرها من الاجتهادات المستمرة إلى يومنا هذا؛ مثل: جهود الشيخ الألباني، ود. محمد مصطفى الأعظمي، ود. عبد الملك بن بكر قاضي، ود. همام عبد الرحيم سعيد، ود. عبد العظيم الديب، ود. محمود الميرة، ومشاريع أخرى أرادت أن تنهض لجمع السنة النبوية، مثل: مشروع مركز الكمبيوتر الإسلامي في لندن ببريطانيا، ومشروع (أنوما ستيكون آرابيكوم) للتراث العربي في باريس بفرنسا، ومشروع سلسبيل لخدمة السنة والسيرة النبوية، ومشروع السنة (موسوعة الحديث الشريف - شبكة إحسان)، وجهود مركز بحوث السنة والسيرة في دولة قطر، التي يقوم عليها العلامة يوسف القرضاوي، ومركز معلومات السنة النبوية بالقاهرة، إضافة إلى جهودٍ عديدة أخرى تبنتها بعض الجامعات والمراكز العلمية على امتداد العالم العربي والإسلامي، منها: الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
ج - ضرورة العمل على جمع السّنة في مصنَّفٍ واحد:
هذه المحاولات المذكورة وغيرها من المحاولات الموسوعية: التراثية، والمعاصرة مجموعة، أو منعزلة، لم تستوعب سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدّع أصحابها ذلك، وهي جميعاً - على جليل مكانتها، ونبل غايتها، وعظم ما بذل فيها من جهد - ظلت:
(إما في نطاق المحاولات الفردية التي اعتورها ما يعتور مجهود الأفراد من القصور، وضعف التنظيم، والعجز عن الاستيعاب والشمول والإحاطة).
أو في نطاق النشاط المؤسسي الضعيف، الذي تعوزه الخبرة، والمصداقية، ويفتقر إلى الخطة الفاعلة، وإلى المنهج الدقيق، والدّعم المادي، والعمل الدؤوب، والإنتاج الفعلي.
كما أنها في عمومها؛ بصفتها أعمالاً معزولة عن بعضها، تعاني كثيراً من الخلل في المنهج، والازدواج، والاضطراب، والتكرار.
د - دور ولاة الأمر:
إن المشروع يستلزم تشجيعاً ورعايةً خاصةً من ولاة الأمر، وأهل الحل والعقد؛ والرجوع إلى التاريخ الإسلامي يُقرر أن الثمار المباركة التي نجنيها اليوم في جانب السنة النبوية المطهرة، وغيرها من المعارف التراثية الأصيلة، كان ثمرة من ثمار التعاون بين الخلفاء والأمراء والعلماء.
فأبونعيم يذكر في الحلية: أنَّ هشام بن عبد الملك كان يُكره العلماء على كتابة السّنة وجمعها، وأن عمر بن عبد العزيز وجَّه أبا بكر بن حزم إلى كتابة السّنة، وأمر بذلك أيضاً ابن شهاب الزهري، وأمر محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة بكتابة حديث عَمْرَة بنت عبد الرحمن الأنصارية؛ تلميذة السيدة عائشة رضي الله عنها، وكلَّف الخليفة العباسي أبوجعفر المنصور الإمامَ مالكاً بتصنيف الموطأ... إلخ.
وإني لأدعو الله تعالى أن يهيئ لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - أمر النهوض إلى جمع سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، ويستكمل ما بدأه أخوه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد - رحمه الله - من جهود لخدمة المصحف الشريف، وينال شرف العمل على جمع السنة الشريفة في كتاب واحد في خلف هذه الأمة، كما جمع أبوبكر الصديق القرآن الكريم في سلفها..
هـ - الدوافع والأهداف:
1- المشروع في حدِّ ذاته عملٌ جليلٌ، وقربة إلى الله من جهات؛ منها:
- أنه زيادة عناية وحفظ للمصدر الثاني من مصادر التشريع.
- أنه نشر للسنة النبوية؛ وخدمة جليلة للعلم الشرعي، وللعلماء والباحثين المشتغلين به، وطلاب العلم، وتعزيزاً للعلم الصحيح، قال ابن معين (ت230هـ): (لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه...)، وقال ابن المديني (ت 234هـ): (الباب إذا لم تُجمع طرقه لم يتبين خطؤه...).
- أنَّ فيه تقريباً للسنة النبويّة من عامة المسلمين، وتسهيلاً لنشرها وتداولها والعمل بها.
- خدمة للصناعة الحَدِيثيَّة بخاصَّةٍ والمعرفية بعامّةٍ؛ من وجوهٍ كثيرة، يتعسر ذكرها جميعاً في هذا الموضع؛ ومن أهمها: إنشاء دليل تصنيفي للموضوعات المعرفية عامة وللحديث النبوي خاصة، وإنشاء قاعدة بيانات هائلة للتراجم، والرواة، والسُّنة، والتصانيف المختلفة، وبعبارة أخرى: بناء بنك المعلومات للحديث وعلومه وما يتصل بهما.
2- أهم عمل علمي يمكن إنجازه لخدمة سنة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العصر، بل قد يكون - من وجهة نظرنا - أهمّ عملٍ يمكن إنجازه في التاريخ الإسلامي بعد جمع القرآن الكريم.
3- المشروع يسدّ متطلبات: المجامع الفقهية، والمراكز البحثية من السنة النبوية؛ لإصدار الأحكام الشرعية مواكِبةً للمستجدّات في حياة المسلمين.
4- المشروع سبب من أسباب الاجتماع على كلمة سواء؛ بإذن الله، ودفع أسباب الفرقة، وتقليص مساحة الخلاف الناشيء عن قصور في استقراء النصوص واستيعابها.
وفي المقابل يحثُّ المشروع على تفعيل الاختلاف الإيجابي المؤسس على النظر والاستنباط والتأويل، وهو مجال خصب من مجالات الاجتهاد، لا يعطله جمع النصوص - كما توهَّم بعضهم - بل يفعِّله ويُغنيه، ويفتح أبوابه على مصاريعها.
5- المشروع تحقيق لأمنية عظيمة اشرأبت لها أعناق علماء الأمة قديماً وحديثاً.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (... ولقد كان استيعاب الأحاديث سهلاً، لو أراد الله تعالى ذلك، بأن يجمع الأول منهم ما وصل إليه، ثم يذكر مَن بَعْدَهُ ما اطلع عليه مما فاته من حديثٍ مستقلّ، أو زيادة في الأحاديث التي ذكرها، فيكون كالدليل عليه، وكذا من بعده، فلا يمضي كثير من الزمان إلا وقد استوعبت وصارت كالمصنف الواحد، ولعمري لقد كان هذا في غاية الحسن...) (راجع تدريب الراوي للسيوطي: ص100).
6- تضييق الفجوة بين أصحاب التخصصات المختلفة في المعارف الإنسانية والعلوم التطبيقية والبحتة وبين السنة النبوية وعلومها.
إذ يصبح في مقدور كل صاحب علم أوفنّ أن يتزود بما يحتاج إليه من السنة النبوية، على وجه الاستقراء والاستقصاء، وهذا يساعد في ضبط العلوم والمعارف، ويؤكد على جانب الهوية الإسلامية للشعوب المسلمة.
7- العمل على تحقيق عالمية الإسلام بإتاحة مصادره الرئيسة للمهتمين.
8- من المتوقع أن تكون عوائد المشروع الاقتصادية عالية جداً بالنظر للقاعدة العريضة للمستفيدين، وتعدد مجالات الاستفادة منها: تعبُّديّاً، وعلميّاً، وتعليميّاً، تربويّاً، وفلسفيّاً، وتاريخيّاً، واجتماعيّاً؛ تنظيراً، وتطبيقًا. ويمكن جعل جميع عوائده المالية تصب في خدمة السنة النبوية ضبطاً ودرساً وشرحاً وتأليفاً ونشراً.
ثانياً: تصور أولي لإنجاز المشروع
أ - مجمع مركز خدمة السنة النبوية:
إنشاء جهة علميةٍ مسؤولة عن هذه المهمة، تكون مركزاً لخدمة السنة النبوية بعامة، تزود بإمكانيات وكوادر علمية بشرية، وتقنية وطباعية تمكنها من تحقيق وتبني مشاريعها المستقبلية باستقلالية تامة وكفاءة ممتازة.
على غرار العمل الإسلامي الجليل الذي تم إنجازه في مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز - رحمه الله - لطباعة المصحف الشريف. شريطة أن تقع تحت إشراف جهات علمية رسمية موثوقة.
ب - العاملون:
العاملون في (مجمع - مركز خدمة السنة النبوية) من علماء الشريعة، واللغة العربية، وأهل الاختصاص في علوم السنة من مختلف البلاد والمذاهب الإسلامية المعتبرة؛ وتقنيي الحاسب الآلي، ومتخصصي أوعية المعلومات، وعلم التصنيف، والمفهرسين والمبرمجين، سواء كان ذلك عن طريق التعاقد، أو الإعارة، أو الانتداب، أو التفرغ العلمي من الجامعات والمراكز والهيئات العلمية السعودية والعربية والإسلامية.
ويمكن أن يفاد في المراحل الأولى (الجمع والتصنيف) من طلاب الدراسات العليا في السنة وعلومها. ولكن لا بد أن يضبط هؤلاء العاملين جميعاً شرطٌ منهجيٌّ ورقابيٌّ واحد.
وهذا يتطلب هيئةً علميةً تخصصيةً عُليا يُشارك فيها عدد من علماء المسلمين المعروفين بدقة البحث وجودة التحقيق، وتقدم لها الأعمال للنظر فيها، ومدى استيفائها للشرط المنهجي العام للمشروع؛ ليؤول العمل إلى الدِّقة والانضباط، والاتفاق والتجانس.
ج - العمل:
وبالنسبة لجمع السنة النبوية فأرى أن يتم ذلك على أربع مراحل، تُمثِّل: العمل الأساسي في مشروع جمع السنّة النبوية، ومرحلتين: خامسةٍ وسادسةٍ تكميليتين مهمتين:
1- المرحلة الأولى (الجمع والاستقراء):
يُقصد بالمرحلة الأولى: جمع ما تفرق من الحديث والسنة في بطون كتب السنة الموجودة في العالم، وهي كتب معروفة ومتاحة. ويجب أن يتسم الجمع بالاستيعاب، والدقة، والتحقق من الضبط الصحيح: على الأصول الخطية المعتمدة، والمطبوعات الُمصحَّحة، وتجمع فيها كل الروايات، ولو كان الاختلاف يسيراً، ويشمل الجمع السنَّة من مصادرها الأصلية كالكتب التسعة والمسانيد والجوامع المشهورة وغيرها.
وأرى أن يشمل الجمع في هذه المرحلة السُّنَّةَ في درجاتها الخمس المعروفة، باختلاف حجيتها وجواز الاستدلال بها، وهي: الصحيح لذاته، والصحيح لغيره، والحسن لذاته، والحسن لغيره، والضعيف غير الواهي؛ إذ المهمة الآن مهمة الجمع والاستيعاب.
2- المرحلة الثانية (الحكم على الأحاديث):
وركيزة هذا المرحلة جميع الأحاديث الصالحة للاحتجاج بها: الصحيحة والحسنة في مصادرها الأصلية، بالإضافة إلى أحكام علماء الحديث الذين عنوا بالحكم على الأحاديث من المتقدمين والمتأخرين، أو المعاصرين المعتبرين.
وقد ظهرت بعض الموسوعات التي جمعت فيها أحكام بعض الأئمة كالبخاري، والذهبي، وابن حجر، ويمكن تكملة هذه الجهود لكل علماء الحديث المشهورين، والإفادة منها في الموسوعة.
ومن أشهر الجهود المعاصرة السلسلة الصحيحة للألباني - رحمه الله - وأحكام الشيخين أحمد شاكر - رحمه الله - وشعيب الأرنؤوط في المصنفات التي خرّجا أحاديثها وحكما عليها، وغيرهم من المتخصصين والمشاركين المتميزين.
3- المرحلة الثالثة (التصنيف والتدوين):
وفي هذه المرحلة يتم تصنيف الأحاديث كافة على نهج محدد ومرسوم سواء كان على أسماء الرواة أو على الموضوعات، أو الدَّرجة.
ومن الأفضل أن يعتمد في ترتيبها نظام (الأبواب) على الموضوعات لأنه: (أهدى إلى الدليل). وأقرب إلى عامة المستفيدين. وأيسر عند المراجعة، إذ يستطيع المستفيد؛ حتى من غير المتخصصين، مراجعة الحديث في موضعه من الباب أو الموضوع الذي يريد دون عناء أو مساعدة. ويجمع النصوص كلها للباحث عن الموضوع الذي يريد في مكان واحد؛ مما يعينه على تكوين تصور صحيح، وحكم صائب.
ولكن هذا يتطلب صنع خريطة خاصة لتصنيف الموضوعات إلى موضوعات عامة وفرعية، يُراعى فيها الموازنة بين أسلوب القدماء وأسلوب المعاصرين، كما يُراعى فيها الاحتياجات المتنوّعة، والتقسيمات المعرفية الجديدة.
ومن اليسير جداً بعد أن يتم الجمع والتصنيف والتدوين، معاودة التصنيف للتغيير؛ حسب الحاجة في إصدارات أخرى؛ كاقتراح تصنيف جديد على أسماء الرواة، أو الكلمات، أو درجة الحديث من الصحة والضعف، أو الأحكام، أو المصنَّفات...إلخ؛ حسب الحاجة إلى كل تصنيف بواسطة التقنية الحاسوبية الحديثة، التي توفِّر كثيراً من الجهد والوقت.
وقد نجد أنفسنا بإزاء أحاديث تصلح لأكثر من موضع لتعدد أوجه الاستشهاد بها في أكثر من باب أو موضوع؛ فكيف يُتعامل معها؟! هل تذكر في كل موضع من المواضع، أو تذكر في الموضع الأول وتهمل في الباقي؟! ولعل الأولى: أن يذكر الحديث أول مروره كاملاً، فإذا وافق موقعاً آخر فيجتزأ منه ما يغني الموضوع نفسه حسب عنوان الباب الذي تكرر فيه الحديث، ويحال القارئ إلى النص كاملاً في موضعه الأول.
فمثلاً حديث: (بني الإسلام على خمس: شهادة ألاَّ إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً).
سوف يمر في أبواب: الشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فيذكر الحديث بتمامه في الموضع الأول، ثم يشار بحسب الشاهد في كل باب هكذا: - في باب الصلاة: (بني الإسلام على خمس:... وإقام الصلاة...) (ينظر تمامه: الحديث رقم...، ج... - ص...) - في باب الزكاة: (بني الإسلام على خمس:... وإيتاء الزكاة...). (ينظر تمامه: الحديث رقم...، ج... - ص...) - في باب الصِّيام: (بني الإسلام على خمس:... وصوم رمضان...). (ينظر تمامه: الحديث رقم...، ج... - ص...) وهكذا... إلا أن يتعسر ذلك لقصر الحديث أو صعوبة اجتزاء ما يفي بالدلالة دون خلل؛ فيعمد حينئذٍ إلى ذكر الحديث بتمامه.
هذه الطريقة: الاجتزاء والإحالة إلى موضع ذكر الحديث للمرَّة الأولى بتمامه؛ تخفف من حجم الكتاب، وتدفع التكرار، وتعين القارئ والمستفيد؛ سواء أكان متخصصاً أم غير متخصصٍ، على الوقوف على المتن كاملاً في الموضوع الواحد دون استثناء أو تكرار، وهو جانب مهم لا ينبغي التنازل عنه في نظري، ويمكن أن يفاد في ذلك؛ أي: في اختصار الأحاديث، وتقطيعها على الأبواب من طريقة الإمام البخاري - رحمه الله - في (صحيحه).
أمَّا تصنيف الأحاديث داخل الباب الواحد (الموضوع العام الواحد) فيمكن أن يكون على: عناوين جزئية، تعتمد على خريطة الموضوعات الجزئية المشار إليها سابقاً، أو أسماء الرواة، أو على الحرف الهجائي، أو درجة الحديث، أو بالنظر للمصنفات ككتب الصحاح وما في حكمها والسُّنن..إلخ، أو على أية طريقة ملتزمة. ويعطي كل حديث في الموسوعة رقماً يميزه ويحال إليه به.
ويذيل الحديث مباشرة وفي صلب الصفحة بالمراجع المستقى منها بواسطة رموز مختصرة مصطلح عليها في مدخل الكتاب، مع الإشارة إلى الجزء والصفحة ورقم الحديث، للتيسير على الراغبين في مراجعة النصوص في مصادرها الأصلية.
4- المرحلة الرابعة (الإصدار والنشر):
الإصدار والنشر ثمرة العمل السابق لأنه سوف يجعل من سُنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم المتفرقة في المراجع قريبة وفي متناول يد كل قارئ؛ وبذلك يتحقق حلم الأمة الكبير في جمع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتقرَّ أعين المسلمين بوجودها مكتملة بين أيديهم: في مكتباتهم المنزلية، وفي مراكزهم البحثية، وفي مؤسساتهم العلمية والتعليمية المختلفة.
وأرى أن يخرج العمل بادئ ذي بدءٍ في نسختين: النسخة الأولى: عامة للناس للانتفاع بها، وهي تشتمل على الحديث المقبول، دون الضعيف؛ لأنه بحاجة إلى مراجعة وتمحيص، ويُفاد في هذه النسخة من الجهود المبذولة في المراحل السابقة، وبخاصة المرحلة الثانية المُشار إليها آنفًا.
وتكون هذا النسخة مجردة من الأسانيد، ويُراعى فيها تأويل المشكل، وشرح الغريب، وبيان الناسخ من المنسوخ إن أمكن ذلك.
والنسخة الثانية: خاصة بأهل الاختصاص في الحديث والشريعة وغيرهم من العلماء، وهي: شاملة لجميع الحديث الشريف (الصحيح، والحسن، والضعيف) بالأسانيد، وذلك بغرض دراسة المتون والأسانيد.
المراحل الأربع السابقة، هي: مراحل العمل الأساسية في المشروع، أما المرحلتان التاليتان، وهما: المرحلة الخامسة، والمرحلة السادسة؛ فهما: مرحلتان تكميليتان مهمتان؛ لأنهما يزيدان من فاعلية المشروع وكفاءته، وتنوّع استخداماته، ويُيسّران الإفادة منه، ويسهمان في تحقيق الأهداف المرجوة:
5- المرحلة الخامسة (التوثيق والمحاكمة):
وهي مرحلة منفصلة تماماً؛ لأنها ذات منحى علمي تخصصي، وقد يشوبها كثير من الاختلاف؛ ولذلك فهي بحاجة للتمحيص والتحقيق، وقد يستغرق ذلك وقتاً طويلاً، ولكنه عمل ذومردود بالغ الأهمية.
بل إنه على المدى الطويل من لوازم اكتمال العمل، ولكن لا تظهر الحاجة إليه إلا بعد الفراغ من جمع السُّنة تماماً، وهذا قد تم على الإجمال في المراحل السابقة، ومن ثَمَّ يُؤخَذُ في تفحص الأحاديث سنداً ومتناً، والحكم عليها من قبل المختصين في علوم الحديث. ويشرع في ذلك حديثاً حديثاً، ويوماً بعد آخر، فما تنقضي مدة إلا وقد تم الإتيان عليها جميعاً. وكل ما يثبت حُجيته يلحق بالنسخة الأولى - العامة في طبعة تالية، وهكذا... ويكون الحكم، وتوجيه الُمشكِل، وشرح الغريب، في الحاشية؛ دفعاً للتشويش على القرَّاء، ومنعاً لاختلاط ذلك بالمتون.
وبذلك تتهيَّأُ للعلماء مراجعة السنة النبوية إجمالاً وفق ضابط منهجي وعلمي سليم واحد، ويتيسر للمسلمين الاطلاع على السنة النبوية، والإفادة منها في مجموعها، متى شاءوا بكل يسرٍ وسهولة؛ مع توفير حدّ أدنى مرضٍ من الحكم على كل حديث.
6- المرحلة السادسة: (الإفادة من الحواسب والبرمجيات): أعتقد أنه من الضروري الإفادة من أوعية المعلومات، ووسائل الفهرسة الإلكترونية، والبرمجيات الحديثة، لجعل هذا العمل العظيم ميسراً لجميع الاستخدامات المعرفية: الشخصية والمؤسسية.
وهذا لا يتطلب كبير جهد، إذا أخذنا في الاعتبار أن جميع خطوات المشروع السابقة معدّة ومحفوظة سلفاً على أجهزة الحاسب الآلي، مما يسهل كثيراً عملية نقلها - نسخها في صورة تمكن من التعامل معها مباشرة.
لكن يجب على العاملين في المشروع مراعاة جوانب الجودة والفاعلية، وتجنب عيوب برامج تصفح كتب التراث المصممة في السوق، وذلك يتطلب العمل على تصميم - إنشاء برنامج متطور خاص يجمع بين المقابلة الدقيقة للنسخة المطبوعة؛ من حيث: ضبط النص كاملاً بالشّكل، والمطابقة التامَّة لأرقام الأجزاء والصفحات، والسلامة من التصحيف والتحريف والسقط والاضطراب، وبين سهولة التشغيل، ودقة النتائج، وتعدد الخيارات المتاحة من: قراءة، أو إحصاء، أو نسخ، أو طباعة، أو بحث، أو تخريج، أو مقابلة... إلخ؛ حسب حاجات المستفيد، وحسب ما يستجد من مطالب.
ويمكن الإفادة في هذا من عمل بعض المؤسسات التي لها تجارب خاصة في مجال برمجة الأحاديث النبوية الشريفة، والتراث العربي، وأخص بالذكر هنا مشروع موسوعة الحديث الشريف (شبكة إحسان)، ومركز التراث للبرمجيات في عَمّان - الأردن.
وسنَخْلص في نهاية الأمر إلى موسوعة للسنة النبوية شاملة ودقيقة، مكتوبة ورقياً، ومبرمجة إلكترونياً. وعلى الله الاتكال وبنعمته تتم الصالحات.


أحمد علي آل مريع
باحث وأكاديمي سعودي
كلية المعلمين بأبها - قسم اللغة العربية
aaljooni@hotmail.com

الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
قضايا
حوار
تشكيل
كتب
مداخلات
الثالثة
مراجعات
سرد
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved