الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السياراتالجزيرة
Monday 20th March,2006 العدد : 145

الأثنين 20 ,صفر 1427

تعقيباً على ملف محمود درويش
وكان وقعه الأرحب.. إنه ملحق الثقافية الرائع،..

* ميرغني معتصم:
أنا لستُ مني إن أتيت ولم أصل،.. أنا لستُ مني إن نطقتُ ولم أقل،.. أنا من تقولُ له الحروف الغامضات: اكتب تكُن،.. واقرأ تجد،.. وإذا أردت القول فافعل،.. يتحد ضداك في المعنى،.. وباطنك الشفيف هو القصيد...*
***
أنبأتنا...
أنك من مفصل معقود بين البروة * 1 وهائل الأقاصي، .. ضوء لم يندلع من ثنايا صبر يستأثر بالإفلات من راحتيك أو طبيعتك الاستثنائية،.. بل من حافة رصيف في شواخص عكا التي صودرت عِفتها وذرات غسقها ونعاسها،.. ولكنها،.. أبقت رهانها عليك،.. أبقت حياءها المؤجل منذ غزاة الهاجناة، تنتظر أن تستضيف الفجر قرب نافذة انحسرت جدرانها،.. وبقيت جدران قلبك. انزلقت خافتاً،.. وسجلت عروبتك مع (رفاق الكدح في محجر) * 2 ثم تسللت إلى قساوة لا تغفو،.. تماماً كما يفعل الطفل حين يخاف أباه،.. وتيقنت أن لا تشكل لشجنين في وطن واحد،.. وصرخت،.. صرخت من فرط الدم: (أحمل بلادك أنى ذهبت..)،.. وذهبت إلى مأوى اليمام المطمئن.
***
أنبأتنا...
وليتنا مثلك تعلمنا (شموخ الشمس قبل قراءة الكتب)،.. تعلمنا خيبة المنافي والمرافئ يوم أصبح الاتفاق لا يوفر الأدنى من الإحساس بعنفوان الهوية،.. تعلمنا أن نرافق النهار قبل أن ندرك المساء ويحكمنا الرحيل إلى الغليل،.. تعلمنا أن الحزن ألماس يبيت في خلايا المتن فيتلاشى كل مُر،.. ونموت كي نمُر،.. وتعلمّنا أن شارون يفسد بحور الخليل وعذرية اللغة،.. لكننا لا نحسن التزامن ونتقن افتعالات الولاء.
هل تراهم يعلمون؟.. كيف تعددت حين غنى النشيج وياسمينات البيوت في قلب رام الله، فارتوى أقصى المدينة رغم الأحذية الغليظة أمام الحجر؟..
لم تك ضمن زمرة من ينتجون الوهم بجدارة،.. ولا ماهراً في تنفيذ الوصايا حين زعموا أن النداء ظل إلى كائنات من كواكب أسطورية تستأنس بخيباتنا وانكساراتنا وصدقنا الكاذب في غواية النصوص حول عطش نساء القبيلة،.. أو كأي عادة عربية قالوا،.. ثم وجمت مفصحاً أنك لم تخن جلدك، ففلسطين - سيدي - ليست وظيفة. ومألوف أنت،.. إذ تذهب إلى مصيرك وحدك في إيقاظ الصوت الذي يعاونك ثم لا يلبث أن يلغيك لحضورك،.. فيك الآف الأيام من أزمان التعويض منذ الرعويات الشفهية حتى الشعر المكتوب،.. فيك تباين الورق وبياضه الذي يعي العلاقة الدقيقة التي تعاير منهجياً كميات الدم والورد والطين،.. فيك الاعتراف أن اللغة أشد سيطرة عليك منك، فلها ذاكرتها ومنظومتها ونسقها وتاريخها وتراثها، وما تمارسه هو أن تهب الحياة للغة مألوفة وعادية،.. وتعلم أنك وسيلة اللغة وليست اللغة هي وسيلتك.
***
أنبأتنا...
أنك ستنبثق - يوماً - إن مللت الشعر في مقادير النثر،.. فإن اعتمدت الإيقاع التفعيلي في تقفيته الظاهرية،.. فلن تغفو تقفيتك الداخلية، وتلك هي الشراك المتبناة زمناً لإشاعة ضرب من الموسيقى اللفظية في بياناتك الشعرية،.. فتتجاوز عندئذٍ مزالق أن النثر ليس من أجنة الشعر إذ تعلم أن داخلية الموسيقى لا تأتي إلا من النثر. أما يتعين علينا أن نرفع الحدود بين خياراتنا الشعرية كافة ونتصالح مع جراحها العربية؟.
(.. يقول: القصيدة قد تستضيف الخسارة
خيطاً من الضوء يلمع في قلب قيثارة
أو على فرس مثخن بالمجاز الجميل،
فليس الجمالي إلا حضور الحقيقي في الشكل.
في عالم لا سماء له
تصبح الأرض هاوية،
والقصيدة إحدى هبات العزاء...)* 3
ولن ننكأ فيك ذاك الحنين،.. إلى ذاك الخبز،.. إلى تلك اللمسة التي تكبر في الطفولة،.. ولن نقودك إلى الخجل من دمع أمك،.. تلك الصبية التسعينية التي صمتت أربعين دهراً،.. في وطن يعج بالغبن والحزن والمعطلين عن التفكير،.. وطن كالبحر يتقيأ الغرباء من معدته ويلفظ وجودهم،.. بل نسوقك إلى التي تغني غيابك في كل عرس،.. وتبكي في كل عيد وتشبهك بالأرض،.. بالماء،.. بالزيتون والجنون..: (ع العيد بسكّر قلبي، بصير متل الفحمة،.. شو هالعيد اللي ما منشوف فيه أولادنا؟..):
(.. أحنُّ إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أُمي...
وتكبرُ فيَّ الطفولة
يوماً على صدر أُمي،
وأعشقُ عُمري لأني
أخجل من دمع أُمي...) *4
ولن نغتنم موت حديثنا العربي، ولا نبرر،.. فتكون كما لا أنت في الشرط الغريب،.. وتنهض إلى لا أين، تسافر أو تعود،.. قبل أن يغتصب الموتى سكونك،.. قبل تمسك أول حصاة من راجمين،.. فاختتم أزماننا بحلم قديم تخرج منه قباب الوقت، بعد أن تمنّعت المدن وهي الراغبة،.. تمنّعت بعد أن أفقدتنا النطق في أول طقوس سوادنا،.. فاغسلها،.. اغسلها في زمنك السبي، فبيدك كل عصورها وخيلائها،.. وأبعث شمسك من منبتها المصلوب لمنادمتنا.
***
هوامش
* الجدارية
* 1 قريته بالقرب من عكا
* 2 من قصيدة (بطاقة هوية)
* 3 من قصيدة (طباق)
* 4 من قصيدة (إلى أُمي)
الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
قضايا
تشكيل
كتب
مداخلات
الثالثة
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved