Culture Magazine Monday  28/01/2008 G Issue 231
الملف
الأثنين 20 ,محرم 1429   العدد  231
 
ناصر الدين الأسد من اللغة إلى الأدب
د. إبراهيم خليل

 

 

تعد مسألة البحث في اللغة، والعناية بخلوها من الشوائب، والأغلاط، والتنبيه عليها، وبيان أوجه الصواب فيها من المسائل التي عرفها الدرس اللغوي في الماضي السحيق. وقد طبعت كتب عدة تناولت ما تلحن فيه العامة، أو ما يشيع فيه التصحيف، أو التنبيه على أغاليط الرواة، أو تثقيف اللسان بما يصون عن الوقوع في اللحن، أو تتبع لغة الجرائد وما يظهر فيها من أخطاء الاستعمال في المفردة، أو في القاعدة من النحو، أو في الصيغة من صيغ الصرف.

ولما كان الدكتور ناصر الدين الأسد من المولعين بعلم العربية، ولم يحلْ تخصصه في الأدب العربي - قديمه وجديده - دون الخوض في مسائل اللغة الشائكة، ولا سيما في مجال التحقيق، والتمْحيص، وتدقيق النظر فيما هو خطأ حتى يرد إلى صوابه. فقد كتب غير بحث، ونشر غير مقالة، وألقى غير محاضرة، مما يندرج في باب التصحيح اللغوي.

من ذلك تلك الدراسة التي يسعى فيها للتحقق من صحة الجمع المتداول لكلمة (معجم) وهل هو معاجيم أم معجمات.وذلك أن بعض المختصين في التصحيح اللغوي ومنهم د.مصطفى جواد يقول في أحد كتبه إن (معاجيم) هي الجمع الصحيح، وليست معاجم، مع أنه لا يستعمل في كتبه كلمة (معاجيم) بل يستعمل (معجمات) وحجّته في هذه وتلك أنّ كلمة (معاجم) لم ترد في كلام الفصحاء من العرب، وأنّ القياس يتطلب أنْ تكون (معاجيم) على مثال مُرْسَل مراسيل، ومُسْنَد مسانيد.

وهذا في رأي الدكتور ناصر الدين الأسد غير دقيق؛ فليس بمقدور أحد الادعاء بأنه استعرض كلام الفصحاء كله، فضلاً عن جُلِّه، ليقطع في أنّ كلمة (معاجم) لم ترد في كلامهم. ومع هذا فإن لدى الدكتور الأسد شاهدا شعريا للقطامي (130هـ) يذكر فيه كلمة المعاجم:

ونادينا الرُّسومَ وهنَّ صمٌّ

ومنطقها (المعاجم) والسِّطارُ

وقد فسر شارح الديوان الكلمة بقوله: (المعاجِمُ كتبٌ معجمة). من جهة ثانية يثبت الباحث أن القياس لا يمنع أن يجمع (مُعْجم) على معاجم، فقد أورد الفيروز أبادي مؤلف القاموس المحيط أن مسند تجمع مساند، ومسانيد . وعلق الزبيدي صاحب (تاج العروس) بقوله: (مسند -كَمُكْرَم- جمع مساند على القياس، ومسانيد بزيادة - التحتية- إشباعا، وقد قيل إنه لغة).

وهذا نص صريح على أن القياس في جمع كلمة مسند: مساند.. وأورد المؤلف من كلام العرب ما يعزز هذا الرأي ويوطده. جاء في أشعارهم جمع ُمذهَب: مذاهب، ومُجْسَد : مجاسد، ومُطرف: مطارف، ومصعب : مصاعب، ومصاعيب، ومهرق : مهارق، ومهاريق. قال الحارث بن حلزة:

لمن الديار عَفَوْنَ بالحبْسِ

آياتها كمهارقِ ِالفُرْس ِ

وجمع مصحف مصاحف. وعليه فإن (معاجم) في نظر المؤلف هو الجمع الصحيح لكلمة معجم، وليس (معاجيم) أو (معْجمات). وهذا الأخير لا يعدّ خطأً محضا إذ لوحظ فيه جمع القلة، كالشأن مع جمع المؤنث السالم. ولا ينقض صحة الجمع (معاجم) وموافقة القياس فيه كون المعجم وصفا، أو اسما للفاعل، أو المفعول، لكونه جرى في استعمالهم مجرى الأسماء، وما جرى في الاستعمال مجرى الأسماء لا يُجْمع على مفعلات.

والشيء نفسه يساور المؤلف إزاء جمع (ناد) وهل الصحيح فيه أندية أم نواد. فقد وقف في ريّق من الشباب على كتاب يأبى فيه مؤلفه أن يجمع (ناد) على نواد. وقد ذهب كثيرون مذهب صاحب الرأي الآنف، بحجة أنه - وإن وافق القياس - إلا أنه غير مستعمل، ولا مسموع. وهذا الرأي في نظر الأسد غير دقيق. لأن أصحابه لم يقولوا به عن تتبّع، واستقصاء، لاسيما وأن مصادر اللغة، والنحو، والصرف - ومنها كتاب سيبويه- أجْمَعَتْ على أنّ (فاعل) إذا كان لغير الآدميّين، ومنه بالطبع ناد - تجمع على فواعل جمع تكسير. وقد نص على هذا غير واحد، منهم الاستراباذي في شرح شافيه ابن الحاجب.

أما مصنفو معاجم اللغة فإنهم حين عرضوا لهذا الجمع (أندية) ذكروا أنه جمع (نديّ) التي من وزن (فعيل) ولم يذكروا صراحة استبعاد الجمع الآخر (نواد) وقد سلك هذا المسلك لغويون بارزون منهم أبو العباس محمد بن يزيد المعروف بالمبرد (285 هـ).

وقياسا على كلمات تشبه كلمة (نادي) من حيث الدلالة على غير العاقل، والوزن الصرفي، والاشتراك في أنهما منقوصتان، يؤكد المؤلف جواز جمع (النادي : نوادي) فقد ذكر ابن منظور في مادة (صاري) حديث ابن الزبير قائلا: (فأمر بصوارٍ فنصبت حول الكعبة. وقال: هي جمع الصَّاري، وهو دقل السفينة ينصب في وسطها قائما ويكون عليه الشراع). وذكر الزبيدي في ( تاج العروس) أن (جمع صاري: صوار) وذكر ابن منظور أيضا أن كلمة (باز) وهي كنادٍ (تجمع بوازٍ، وبزاة).

ويستنتج المؤلف من هذا التمحيص أن كلمة ( ناد) تجمع على (نواد) مثلما تجمع أندية، وإن لم ينص المعجميون على ذلك نصا صريحا، مؤكدا أن المعاجم لم تكن تذكر الجموع كلها، وأن إغفال جمع منها لا يعني أنه غير صحيح، أو غير مستعمل ولا مسموع، وإنما كان إغفالهم إياه لأنهم لا يوردون عادةً الجموع القياسية المطردة.

ومع أنهم كرهوا جمع واد على وديان لا ضطرارهم إلى تكرار الواو في أوله إلا أنهم لم يستبعدوا ذلك. وقد عمد الباحث بأسلوبه العلمي للتحقق من صحة هذا الجمع (وديان) وأنه سائغ جائز. فأورد تسعة عشر لفظا مما يشبه كلمة (واد) تجمع على فعلان. منها: راكب ركبان، وفارس فرسان، وشاب شبان، وحائط حيطان، وواحد وحدان، وشاطئ شطئان. وهذه كلها من وزن (فاعل) التي أجريت في الاستعمال مجرى الاسم لا الوصف. ويستخلص من ذلك أن كلمة (واد) لا خطأ في جمعها وديان. وأن القدماء عندما نصوا على الجمع الثاني (أودية) فلأنه على غير القياس؛ بدليل أنهم ينبهون على أنَّ هذه الكلمة (أودية) جمع (وديّ) التي على وزن (فعيل) من مثل نصيب : أنصبة، ورغيف: أرغفة.

ويتتبع الأسد بمثل هذه الطريقة من الاستقصاء الدقيق استعمال كلمة حماسة - بالتأنيث المطرد - وبغيره. وذلك لأن بعض المحدثين يميلون إلى تخطئة من يستعملها من غير تأنيث. ومن هؤلاء الشيخ إبراهيم اليازجي في كتابه(لغة الجرائد) 1905. وتابعه في ذلك أسعد داغر، وزهدي جارالله، وآخرون لا يقلون عنهما حرصا على نقاء العربية من الدخيل والعامي.

والمؤلف لا ينكر أن معاجم اللغة لم تذكر هذه اللفظة إلا مؤنثة، عدا الزبيدي صاحب التاج (1205 هـ) الذي انفرد بذكرها غير مؤنثة فيما استدركه على (القاموس المحيط) فأورد فيما يستدرك عليه... (الحماسُ- كسحاب- الشدة والمنعة والمحاربة). ولعل الزبيدي وجد هذه اللفظة فيما ورد من شعر المتأخرين. ومنهم فتيان الشاغوري (615 هـ) الذي يقول شعرا:

وَبَلَغْتم بالرأي ما لم يستطع

إدراكه باللام أسدُ حماسِ

وقال أيضا:

يجود، فيُغني الموالي سماحا،

ويَسْطو، فيفني الأعادي حماسا.

ويذكرنا (الأسد) بما ذكره في السابق من أن إغفال بعض المعاجم أو كلها أحد الألفاظ لا يعني البتة أن ذلك اللفظ غير موجود. أو أن استعماله لا محالة خاطئ. ولم يدّعِ أحدٌ أنّ هاتيك المعاجم والكتب أحاطت باللغة جميعا فلم تغبْ عنها شاردة ولا واردة.

وبعيداً عن الاعتساف والتمحُّك يتحقق الأسد من صواب استخدام ألفاظ العقود مجموعة جمعا مؤنثا سالماً في قول المعاصرين: عشرينات وثلاثينات. مع أن بعضهم يميل إلى تخطئة هذا الاستعمال، مفضلا استعمال عشرينيّات وثلاثينيّات.

ويرى الدكتور الأسد الصواب في أن تستخدم ألفاظ العقود كما هي. فنقول مثلا: حدث ذلك في العشرين من القرن الحالي. ولكنه لا يخطّئ من يقول عشرينات وثلاثينات. فقد وردت في العربية القديمة تثنية ألفاظ العقود. ولعله إذا جازت فيها التثنية جاز الجمع. أما الزعم بأن لفظ العشرينيات أصح فانه زعمٌ لا أراه يميل إليه لأجل هذه الياء المقحمة التي قيل فيها إنها للنسبة. فاللفظ تراد به الدلالة العامة على حقبة من الزمن، ولا مكان فيه لتصور النسبة. لذا فإن ترك الياء أولى، واستعمال العشرينات والثلاثينات أقرب إلى ذوق العربية، وأدخل في أساليبها، وهو ما شاع استعماله، واستساغه العرف.

الذود عن ابن دريْد:

ومن تحقيقاته اللطيفة التي تلفت النظر البحث الموسوم بجمهرة ابن دريد وأثره في اللغة. والحقّ أنّ ابن دريد (223-321 هـ) الذي عرف بوفرة محفوظه من أشعار العرب وأخبارها وأنسابها، والعلم بلغاتها ولهجات قبائلها، والأخذ عن الشيوخ المبرزين في علوم العربية أمثال عبدالرحمن بن أخي الأصمعي، غير محظوظ فيما يتصل برأي أهل النظر فيه. فقد تكلم عليه الأزهري صاحب (التهذيب) ووصفه بالاعتساف والافتعال، وإدخال ما ليس من لغة العرب فيها. وأنكر إبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطويه ما يؤخذ عنه لغلبة السكر عليه، وميله إلى الطرب والغناء والسماع. ونُسِب إلى أحد غلمانه قولُه انه تصدق مرّةً على فقير بوعاء من نبيذ، فلما أنكره الغلام قال: ليس لدي سواه. وذهب هذا المذهب في الطعْن عليه، والقدح بروايته الدار قطني.

ومع هذا نجد من اللغويين من يشيد به، وبعلمه، وبكتابه الجمهرة. وهذا الاختلاف في الرجل وكتابه ربما قلل من شأن هذا الكتاب، وصرف كثيرين عن الاطمئنان إليه، وإلى ما فيه من مواد اللغة. بيد أن المؤلف، على عادته في رفض الأحكام السريعة الجائرة، وإن كان عليها إجماع أو شبه إجماع، يسعى في بحثه هذا إلى إثبات أن المعجم المعروف (بالجمهرة) واحد من المصادر المهمة جدا في تاريخ المعاجم العربية، وخير دليل على ذلك ما اقتبسه منه

مصنفو المعاجم الذين جاءوا بعده. ومن هؤلاء الأزهري (370هـ) صاحب معجم (تهذيب اللغة) الذي طعن عليه فيه وشكك في روايته. وابن فارس (395هـ) صاحب (مقاييس اللغة) و(مجمل اللغة) الذي اعتمد في جمع مادة كتابه الأول على خمسة كتب عالية، مشتهرة، الجمهرة واحد منها. وقد تكرر ذكره في كتاب ابن فارس نحو 400 مرة. وتكرر ذكره في (مجمل اللغة) نحو مئة مرة. ونقل عنه ابن منظور في الجزء الأول من اللسان في نحو أربعة وأربعين موضعا. وفي الأجزاء الخمسة عشر الأخرى نقل ما يربى على 764 اقتباسا.

أما الذين اهتموا بالكتاب فلخصوه، أو شرحوه، أو استدركوا عليه فكثيرون. يذكر منهم المؤلف أبا عمرو الزاهد والصاحب بن عباد الذي اختصره في كتاب سماه (جوهرة الجمهرة) والمعري الذي عني بشواهده. وشرف الدين بن عُنَين الذي لخصه في مجلد سماه (مختصر الجمهرة). ويكفي صاحب (الجمهرة) فخرا شهادة السيوطي فيه. فقد جاء في (المُزهر) قوله: (ومن طالع (الجمهرة) رأى تحريه في روايته). ونسب إلى غيره قولهم: (أحسَنُ الكتب المؤلفة على الحروف وأصحها لغة).

وعلى هذا يكون (الأسد) بدراسته هذه لموقع (الجمهرة) بين معاجم العربية قد أنصفه بعد الذي لحقه من الظلم والحيف والإجحاف. وحببَ إلى قرّائه هذا الكتاب ليرجعوا إليه عند الحاجة، وينتفعوا به قدر الطاقة.

وبعد، فإن (تحقيقات الأسد اللغوية) التي تضم بعض ما جادت به قريحة الدكتور من الكتب القليلة النادرة في البحث اللغوي، على الرغم من أنه لا يمثل بفصوله بنية متماسكة تقوم على ترابط الأجزاء، والموضوعات، بحيث يؤدي المتقدم منها إلى المتأخر، ولكنَّه بما يقدِّمه للقارئ من مأدبة علمية متعددة الأصناف، والألوان، يدخل إلى نفسه المتعة، ويحبِّبُه بتراثنا اللغوي، وهذا حَسْبُه.

وليس يعني ما سبق أن جهود الأسد تقتصر على التحقيق في مجالات اللغة حسب، فقد كتب ونشر بحوثا في التحقيق الأدبي، منها ما يتصل بالبطولة في الأدب الجاهلي، ومنها ما يتصل ببعض الشعراء المتقدمين أمثال حذافة بن غانم والعجَيْر السلولي وابن زيدون وأحمد شوقي، وتأثير التراث في شعره، إلى موضوعات أدبية قد لا تتعدى التفاريق في معيار التصنيف الأدبي، إلا أنها تمثل، كتحقيقاته اللغوية، وجبة دسمة لقارئ يتضور جوعا في زمن عزّ فيه الكتاب الجيد.

البطولة في الأدب الجاهليّ:

ومع أنّ موضوع البطولة في الأدب الجاهلي من الموضوعات التي كثر القول فيها وتنوّع، إلا أنّ الأسد يتطرّق من جديد لهذا الأمر، منطلقا من مراجعته الدقيقة للمفاهيم، فماذا نعني بالبطولة ؟ وما الذي يعنيه الأدبُ الجاهليّ ؟ فإذا فرغ من تحديد المفاهيم، واطمأنّ إلى مدلول ٍثابت ٍلكل منها يتفق عليه هو وجمهرة القراء، انطلق يتتبّعُ صورة النموذج البطوليّ مثلما تتجلى، وتتكشّفُ في الأدب الجاهليّ. فهو بطلٌ غيرُ خارق ٍ، ولا غيْبيّ، ولا تختلط فيه الألوهة بطبائع الناس، مثلما نجد في شعر الملاحم عند الإغريق، والرومان. هو - إذن - نموذجٌ بشريّ (واقعي ّ) غير سماويّ، وبطولته ليْستْ مقصورة ًعلى الشجاعة في القتال ،والحرْب، وإنما هو بطلٌ بالمعنى الواسع للفظ: بطل في العفة، والكرم، والإيثار، والوفاء بالذمة، والذود عن الحرمة. فالبطولة لدى النموذج الجاهليّ معنىً ينطوي على جوانبَ عدّة، تلخّصها عبارته القصيرة (بطولةُ النّفْس والخلُق).

يضاف إلى ما سبق أنّ النموذج البطوليّ الذي يتجلى في الأدب الجاهليّ، شعرِه ونثرِه، فيه من النوازع الإنسانية ما يجعله شديد التعلق بأدواته: من فرس، وسيف، ورمح، وقوس، ودرْع من الدّروع السّوابغ.. فذلك كلّه مما يتبادل فيه الشعور والإحساس مع هاتيك الأدوات، فهو، بهذا المعنى، نموذج تجتمع فيه ،وتأتلف، معاني القسوة، والرحمة، والأخلاق العالية الرفيعة.

حُذافة ُبنُ غانِم

ومما يستوقف القارئ البحث الذي يتصدّى فيه الأسدُ للتحقّق من شخصية الشاعر القديم حذافة بن غانم. ولهذا البحث حكاية يستطيع الدارس استخلاص العبرة منها، وهي أنّ المؤلف عثر في أساس البلاغة للزمخشري (538ه) باسم هذا الشاعر في مادة (ثجَجَ) فلفت نظره أنّ هذا الشاعر، الذي احتجّ الزمخشري ببيتٍ له، شاعرٌ غير معروف، فأراد التحقق من شخصيّته، ولم تكن المُهمّة سهلة، ولا يسيرة. إذ راح يستقصي في المصادر القديمة، والمعاجم ،وكتب السيرة، والأنساب، ما ورد من إشارت موجزة لهذا الشاعر، وشعْره، دونَ أنْ تفوته - في الوقت ذاته - احتمالات الخلط بين حذافة وحذيفة، فأنجده غيرُ مصْدر، في مقدمة ذلك تاج العروس للزبيدي. وقد أعادته إشارة صاحب التاج إلى نسب قريش، وإلى الاشتقاق لابن دريد (327ه) وإلى غيره وغيره... مما هيأ له أن يقدّم لنا في هذا البحث شاعراً كان قد مدح عبد المطلب بن هاشم، وابنه أبا لهب، وبني المغيرة، مؤكداً أنه جاهلي ّ، فيما يرجّحُ، وإنْ كان أدرك الإسلام، مثلما يُذكرُ في بعض المظانّ، فإنه أدْرَكهُ وهو شيخٌ كبير، ولم يُسْلم ..

ففي مثل هذا البحث، على قِصَرِه ِ، تتجلى منهجيّة المؤلّف في التحقيق، ويتجلى حرصُه اللافت على تقديم الجديد الذي لم يُسبق إليه، ولا تصدى للبحث فيه أحدٌ قبله.

العُجَيْرُ السّلوليّ:

وما استوقفنا في البحث السابق يتكرّر ثانية في مبحث له آخر وسمه بالعنوان : العُجَيْر السلولي ّ. وهو شاعر مقل ّ، إسلامي، من شعراء الدولة الأموية، له ترجمة في كتاب الأغاني. وقصة هذا البحث مختلفة عن قصة البحث السابق . فالذي دعاه إلى التحقيق، وإعادة النظر، هو الاختلاف في أبيات نسبت للعُجَيْر تارة، ونسبت لغيره تارة أخرى: زينب بنت الطثريّة، والأبيْرد الرياحيّ . والشعراءُ الثلاثة متعاصرون، ولا يُسْتبْعدُ أنْ يقع الخلط ُلدى الرواة بيْنهم في نسبة الأبيات مجتمعة، أو فرادى.

وقد حاول المؤلف التحقق أولا من أنّ الأبيات في الرثاء أو في المديح، فالمعنى العام يُظهرُ أنها في الرثاء، ولكنه لا يتنافى مع كونها مديحاً في الوقت نفسه. وهي أبيات ٌاستأثرت بإعجاب المؤلف حتى أنه ليقول عنها: (وفيها من جمال الصياغة، وأسرار البيان، وانسياب الموسيقى، وحلاوة الجرْس، وحُسْن التقسيم، وصِدْق العاطفة، ونبيل المعاني، ما تطرَبُ له الأسْماع، ويهزّ النفوس، ويأسر القلوب).

والحق أنّ تخليص هذه الأبيات من اضطراب النّسْبة من الصعوبة بمكان، بعد هذا الزمن الطويل . لذا لا بد من تتبّع الأخبار، ومقابلة الروايات، بعضها ببعض، وجمْع شعر كلّ من الشعراء الثلاثة، ودراسته، والوقوف على سماته اللغوية والفنية، لما في ذلك من فائدةٍ تسْفر عن مقاربة الأبيات لأسلوب واحد منهم بعينه، فضلاً عن الوقوف على شعر القبيلة التي ينتمي إليها العُجَيْر، فقد يكون في استعمالاته اللغوية، واستعمالات تلك القبيلة، ما يرجّح نسبة الأبيات إليه، أو نفيها. وهذا بابٌ من التحقيق، والتدقيق، في الشعر القديم، كانّ قدْ قرَعَهُ المؤلف بشدة في كتابه الأول (مصادر الشعر الجاهلي).

مع ابن زيدون في شعره:

واللافت للنظر أن كثيرين ممن درسوا شعر ابن زيدون، فيما درسوه من شعر الأندلس، اهتموا بما فيه من الغزل الرقيق، والمديح الرائق الأنيق، والاستعطاف الرشيق، لكنهم لم يحاولوا الإجابة عن سؤال يتصدى المؤلف للإجابة عنه في هذا الكتاب، تحت مسمّى (ليس في شعر ابن زيدون) وهو عنوانٌ صاغه على قياس (ليس في كلام العرب) لابن خالويه النحويّ المعروف. فإذا نحن تجاوزنا التوطئة التي تشير إلى علاقة المؤلف بشعر أبي الوليد؛ وجدناه يتساءل: لماذا لا نجد في شعره قصيدة واحدة يتناول فيها إحدى المدن الأندلسية التي سقطت بأيدي الفرنجة الأسبان في ذلك الزمان؟ ولماذا لا نجد في شعره نموذجاً واحداً من ذلك الذي أحدثه شعراء ذلك القطر، المعروف بالموشح، على الرغم من أن عصره كان عَصْرَ ازدهار الموشحات، وارتقاء شأن الوشاحين، أمثال ابن اللبّانة ،وابن رافع، وابن لبّون، وابن عمّار، وأبي الحسن الحُصَريّ الطارئ على الأندلس من القيروان ؟ ولم لا نجدُ في شعره قصيدةً واحدة أفرغها لوصف الطبيعة الأندلسية الجميلة على النحو الذي نجده في شعر معاصريه من مثل: ابن خفاجة، وابن شهيد، وغيرهما من شعراء الصّقع الأندلسي الضائع؟

يناقش الدكتور الأسد في بحثه هذا جلّ الفرضيّات التي طُرحتْ حول امتناع ابن زيدون عن نظم الموشحات. فرأى فيها حججاً غير مقنعة، وأدلة ًليستْ دامغة، وذرائع لا تؤول إلى يقين. فليس نسب ابن زيدون الباذخ، ولا منصبه السامي، ولا منزلته الاجتماعية، ولا صحّة ما يقال عن أنّ الموشح كانَ حتى ذلك الحين يُنظر إليه باعتباره من سِقط المتاع، بكافٍ لإقناعنا بأنّ ابن زيدون لم ينظم الموشح لهذا، أو لذاك. وأياً ما كان الأمْرُ، فإنّ من العسير القطعَ - على وجه التثبّت بسبب من تلكم الأسباب. وحسبُ المؤلف أن يلمّ بتلك الافتراضات، ويشير لهاتيك الاحتمالات، لعلها تدفع ببعض الباحثين إلى لاستقصاء، والتمحيص، والوصول بنا إلى بعض ترجيح، إذا عزّ اليقين الصريح.

أما عن المسالة الأخرى، فمن اليسير القول بأنّ الشاعرَ لم يتفاعلْ مع حوادث العصر، وظل نطاق اهتمامه محصوراً في عالمه الذاتيّ الشخصيّ . ولنا في شعراءَ آخرين عاشوا في المشرق إبّانَ الحروب الصليبية - مثلا - ولمْ يتفاعلوا بما جرّته تلك الحروب على محيطهم الاجتماعي والجغرافي من ويلات ونكبات، نموذجٌ يقاس عليه. أما وصف الطبيعة، وهو شيء شُغف به شعراء الأندلس أيّما شغف، فثمة بَدَواتٌ منه في شعر ابن زيدون، لكننا نجد ديوانه يخلو من قصيدة واحدة خصّصتْ لوصف الطبيعة. وهنا يجتهد المؤلف انطلاقا من نهجه القائم على التدقيق، والنظر الثاقب ؛ فابن زيدون فطر على جبلّة خاصة، هي ألا يرى الطبيعة، ولا يُحسّ بها إلا من خلال إحساسه العام بالجمال إحساساً ممزوجاً بأشواقه إلى المرأة، ولذلك قلّ أنْ يلتفتَ إليها إلا في صُوَرِهِ الغزليّة، أو تشوّقه للمرأة، أو تذكره، أو شكواهُ من الهَجْْر. ومن هنا جاء نظمه فيها مبثوثاً في ثنايا شعره، الذي يعبّر فيه عن ذوْب عاطفته، ولاهب تحنانه ووَجْده.

التخصّص الدقيق:

والحق أنّ المنصف، إذا أعاد النظر فيما نوهنا إليه من بحوث، وهي غيضٌ من فيض، يتّضح له أنّ الدكتور الأسد من القلّة النادرة من الجامعيّين التي لا تقيم وزناً لمفهوم التخصص الدقيق في البحث العلمي. فقد يبدو لنا في تحقيقاته اللغوية متخصّصاً في فقه العربية والمعاجم، وفي النحو، والصرف، ومناكفات اللغويين. وفي تناوله للشعر الجاهلي، وشعر صدر الإسلام، يبدوا كذلك متخصصا فيهما، وفيما يتعلق بهما من مصادرَ، وروايات. وفي بحثه حول ابن زيدون يبدو كما لو أنه متخصّص في الأدب الأندلسي، وفي بحوثه الأخرى، ومنها البحث الموسوم بالنقط والحرف العربي، يبدو لنا متخصصا في غير حقل من حقول الأدب، والقراءات. حتى في تناوله لعناصر التراث في شعر شوقي يفوق الكثيرين من المتخصّصين في الأدب الحديث دقة،ً وعلماً، ومعرفة بالشعر، إنْ كانَ من شعر المحافظين، أمثال شوقي، أو المجدّدين الذين جاءوا بعده.

نقول هذا ونحن لا نستطيع، الوقوفَ عند جلّ البحوث التي نشرها وهي كثيرة، فالرقعة المحدّدة لهذه المقالة لا تسمح بالإسهاب، فهي تضيق عن التنبيه على ما يستحق التنويه منها، وهي - في خلاصة وجيزة، مفيدة - من البحوث النادرة التي يتلقفها القارئُ بشوقٍ، في زمن عزّ فيه التدقيق في البحوث والتمحيص.

قسم اللغة العربية وآدابها الجامعة الأردنية Ibrahim_ju2004@yahoo.com


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة