Culture Magazine Monday  20/08/2007 G Issue 212
ذاكرة
الأثنين 7 ,شعبان 1428   العدد  212
 

في ذكرى رحيله....
كامل الشناوي: لا ترفعوا أصواتكم.. القاهرة نائمة!

 

 
* كل الأوصاف التي قيلت بحق كامل الشناوي لا تخرج عن تعبيره عن نفسه: بعضي يمزق بعضي

* قال عنه العقاد: لا تزال كما أنت.... لست صغيرا، ولا تريد أن تكون كبيراً

* ووصفه أنيس منصور: قصير القامة وله حضور العمالقة... لامع الوجه والكرافته والحذاء والزراير ولكنه بداخله منطفئ وإن كان الدخان يتصاعد من بين أصابعه، وهو قادر على أن يضحك حتى على نفسه ويبكيك أيضا... فهو إذا تكلم جرح وداوى.... وأوجع وواسى.

* أما مصطفى أمين فكتب عنه: كان في شبابه يرتدي العمامة والجبة والقفطان، وكان طالباً في الأزهر ثم لبس الطربوش وملابس الأفنديات والتحق بالحقوق، كان يهرب من الأزهر بجسده الكبير وقفطانه ويجلس على قهوة الفن بين كبار الممثلات والنقاد والصحفيين ثم هجر كل شيء وقرر أن يكون شاعراً ثم قسم نفسه بين الشعر والصحافة، إنه أول من رأيت ينام في النهار ويسهر في الليل. إنه الشاعر الرقيق كامل الشناوي... خفيف الدم... وهو دائم الضحك والإضحاك أيضاً.

* يقول النكتة فتصبح على كل لسان كأنها أغنية من أغاني أم كلثوم أو عبد الوهاب.

* يتحدث بجدية ثم يتضح أنه في قمة التهريج.

* فقد سأل العقاد يوما في صالونه الأسبوعي الذي كان يعقده. ما رأيك يا أستاذ في المدرسة الماليشية أو الماليشية به؟ فقال الأستاذ علي أدهم: تقصد النيشية نسبة إلى نيشة وقال الأستاذ العقاد: قد يقصد المانيشية وهي مذهب فلسفي منسوب للفيلسوف ماني الفارسي ومذهبه يقوم على الصراع بين الخير والشر وإن الخلاف هو في الانسحاب والزهد التام.

* لكن كامل الشناوي بمنتهى الرزانة قال: إن مذهب الماليشية يرى أن الإنسان أضعف من كل المسائل والقضايا وصراع الجنس والدين والمال والسلطة فأنا فيلسوف هذا المذهب فالماليشية هي اختصار لفلسفة ما ليش دعوه!! ها... هاها... هاها...

* وفي وقت قليل أصبح من ظرفاء مصر مثل حافظ إبراهيم ومحمد التابعي والبشري وفكري أباظة وغيرهم ولأنيس منصور في كتابه (صالون العقاد) هذه العبارة: لو كان لكامل الشناوي صالون لكان أرحب وأشهر من صالون العقاد نفسه!! وله في كتاب (أوراق على شجر) هذه العبارة: كان أصدقاء كامل المقربون ضحايا مقالبه حتى أني قلت له أنت يا كامل بك تزغزغ أصدقاءك بالسكاكين.

* مواهب أخرى

* ولمصطفى أمين في كتابه (شخصيات لا تنسى) كلام كثير عن كامل الشناوي فقد كان يجيد تغيير الأصوات وتقليد المشاهير وكان يوقع الشخصيات المعروفة في بعض عن طريق التلفون ثم يذهب لكل منهم لينشر الهجوم المتبادل في الصحافة.. إنه هو الذي فجر جبهة ضرب النار وذهب ليعلن أنه شاهد عليها فقط.

* وعلى الرغم من أنه كان كاتباً كبيراً فقد كان كاتباً كسولاً وكان شاعراً رقيقاً ولكنه كان نادر التدفق وحينما توفي وحاولنا جمع تراثه وكل ما كتب لم نجد إلا كتاباً واحداً متوسطاً.. يمكن أن يجمع فيه شعره ونثره ومسرحيته عن جميلة أبو حريد وفعلت ذلك مجلة جميلة أبو حريد وفعلت ذلك مجلة روز اليوسف التي كان نائباً لرئيس تحريرها، لكنه كان متحدثاً لو جمع تراثه لملأ مجلدات ومحباً نشطاً... وعاشقاً حقيقياً..

* فالعقاد يرى أن العاشق هو الذي أوقف حبه على امرأة واحدة ولم يعرف في حياته غيرها ولذا فهو يعتبر جميل بن معمر عاشقاً لأنه كتب عن (بثينة) وحدها، أما امرؤ القيس وغيره فهم محبون فقط؛ لأنهم يحبون المرأة في ذاتها وليست امرأة معينة فقد كان هذا كامل الشناوي حتى ظهرت هذه المطربة فعشقها وأوقف ما يكتبه عليها فانتقل بها من العشاق المحبين إلى الشاعر العاشق.

* كانت غزة الحب في قلبه تغرز باستمرار كما يقول الأستاذ مصطفى أمين كان كسينما مترو يغير كل أسبوع فتجده دائماً غارقاً في الحب لشوشته، لكن الحب الذي طال عنده كان للشاعرات والفنانات والمطربات وله عبارات تقطر جمالاً لكل واحدة، أحب يوماً نجمة سينمائية فاتنة وكان إذا حدثها في التلفون ولم ترد وعرف أنها نائمة قال لكل من يدخل عليه مكتبه (لا ترفعوا أصواتكم فالقاهرة نائمة) وكانت النجمة السينمائية وقتها مشغولة بحب أكبر مع الأستاذ عباس العقاد، وكان يعرف كامل الشناوي ولكنه يردد أنه لا يستطيع أن يقاوم قلبه ثم إن لها الخيار، وكان هو السبب في طرد هذه الفاتنة من دنيا العقاد ولكنها أبداً لم تخلق له.

* الطريقة الشناوية

* وقد خلق كامل الشناوي طريقة للحب خاصة به، طريقة أفلاطونية إنه يحب من جانب واحد ويفرض حبه على الطرف الآخر ولا ينتظر رأيها وأن يهاجمها بحبه ولطفه وقدرة حضوره، وهو متقلب يستطيع أن يتحول من محب إلى كاره من النقيض إلى النقيض، أما من يحب فهو يحب الجميلات والفارهات مع أنه قصير ضخم الجثة، ثم إنه يحب من تعيش في زحام لأن الفتاة الوحيدة لا تستهويه وإنما يلفت نظره من تقف وسط الرجال.

* وفي كتاب (شخصيات لا تنسى) يقول مصطفى أمين: وقد قلت له يوماً إنني ألاحظ أنه لا يحب السيارة الملاكي التي يستقلها وحده، وإنما يحب الأوتوبيس كامل العدد فيتشعبط على السلم أو يتعلق بالباب، فأنا لم أجده جالساً مستريحاً في أتوبيس رحب، كنت أراه واقفاً ينتظر أن يخلو مقعد ولم يجد مقعداً خالياً أبداً، هذه حالة الحب الخاصة بكامل الشناوي.

* وجاء حبه الكبير وكان لإحدى المطربات غير الصغيرات وأعطى في هذا الحب كل ما عنده، لكنه خدع فكتب قصيدته (لا تكذبي) ليقول فيها: أحبها فخدعته، جعلها ملكة فجعلته أضحوكة.

* وبعد عشر سنوات وبالتحديد في 21-2-1985 نشر مصطفى أمين وسيد عبد الفتاح (من قتل كامل الشناوي) وطلب من سيد عبد الفتاح أن يرسم لوحة تظهر فيها صورة كامل الشناوي والمقابر والجزء الأكبر من وجه المطربة المشهورة نجاة الصغيرة.

* وقاضت نجاة الصغيرة مصطفى أمين وسيد عبد الفتاح ورئيس تحرير أخبار اليوم إبراهيم سعده، ونشر وحيد غازي تفاصيل ذلك في مجلة فنية كانت تصدر وقتها وتسمى (البلاغ)، قال فيها إن مصطفى أمين قال لنجاة الصغيرة إنه كرهها منذ قصيدة لا تكذبي. فقد كان شاهداً عليها وقالت له: إنني لم أحبه، هو الذي أحبني، إنه كان صديقاً فقط وإنه طلب منها الزواج فرفضت، وإنها تختلف عنه في كل شيء هي صغيرة وهو عجوز، هي تحب الجلوس لكل الناس وهو لا يحب إلا الجلوس معها، هي لا تريد أن يعرف الناس من تحب وهو ينشر ذلك ويريد أن تعرف الدنيا كلها أنه يحبني، لم أقتله ولكن قتل نفسه بغيرته وانتهى الأمر وسحبت القضية.

* وسحب مصطفى أمين من الرسام سيد عبد الفتاح رسمة كان سيرسمها لفنانة مشهورة بجوار العقاد في كتاب شخصيات لا تنسى فقد قرر ألا يكرر ما حدث مع نجاة الصغيرة وفي مقالة أخبار اليوم: من قتل كامل الشناوي، قال مصطفى أمين عن قصيدة لا تكذبي: وكان كامل ينظمها وهو يبكي كانت دموعه تختلط بالكلمات فطمسها، وكان يتأوه كرجل ينزف منه الدم الغزير وهو ينظم وبعد أن انتهى من نظمها قال إنه يريد أن يقرأ القصيدة على المطربة بالتلفون، وكان تليفوني بسماعتين، أمسك هو سماعة وأمسكت أنا وأحمد رجب سماعة في غرفة أخرى، وتصورنا أن المطربة ما تكاد تسمع القصيدة حتى تشهق وتبكي وتنتحب ويغمى عليها وتستغفر وتعلن توبتها، وكان في رأي أحمد رجب ورأيي أن هذا منظر تاريخي يجب أن نحضره.

* وبدأ كامل يلقي القصيدة بصوت منتحب خافت، تتخلله الزفرات والعبرات والتنهدات والآهات مما كان يقطع القلوب، وكانت المطربة صامتة لا تقول شيئاً ولا تعلق ولا تقاطع ولا تعترض، وبعد أن انتهى كامل من إلقاء القصيدة قالت المطربة: كويسة قوي.... تنفع أغنية... لازم أغنيها.

* وانتهت المحادثة ورأينا كامل الشناوي أمامنا جثة بلا حراك! وقد علقت نجاة الصغيرة فيما بعد بأن هذه المكالمة كانت يوم الثلاثاء وأنها قالت أقصى ما يمكن أن تقوله أو تفعله فيوم الثلاثاء عندها يوم شؤم لا تفعل فيه شيء ولا تخرج من منزلها، أقصى شيء أن ترد على التلفون، وهو فعلها وقال القصيدة يوم الثلاثاء... يوم النحس عندي.

مالك ناصر درار- كاتب صحفي


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة