Culture Magazine Monday  12/01/2009 G Issue 266
فضاءات
الأثنين 15 ,محرم 1430   العدد  266
في رحاب الاثنينية ‏
لمياء باعشن

 

كرم الأستاذ عبد المقصود خوجة يوم الاثنين ‏ محرم‏، 1430 ودعاني لبيته العامر حيث يقيم اثنينته المعروفة والتي ثابر في التأسيس لها والحفاظ على رونقها بهياً مشرقاً منذ ما يزيد على ربع قرن.. وقد شرفني بالحضور كثير ممن أقدر وأحترم وأعز وأود، وتبقى الكلمة التي تفضل بالقاءها أستاذي عبد الفتاح أبو مدين شهادة أعتز بها وأفخر ما حييت. ثم طُلب مني أن أتحدث عن تجربتي في الحياة وتلخيصها في شكل محطات. شيء مخيف أن يطلب منا الحديث عن محطات في حياتنا! ننظر إلى الوراء فنجد سنوات عمرنا متراكمة، قابلة فعلاً للتقسيم على محطات عديدة.

لكن حياتي أنا ليس بها محطات:

في حياتي محطة واحدة فقط.. أبتعد عنها وأعود إليها..

تدور بي الطرقات وتقودني إليها:

كانت البداية في حارة المظلوم بجدة حيث ولدت ونشأت.

حارة المظلوم التي أنصفتني كثيراً بفضاءاتها المنفتحة، وبأجوائها الحميمية.

حارة المظلوم لم تكتف بإنصافي، بل أكرمتني بترابطها وتواصلها وأصالتها.

كان بيتنا الكبير وما زال يقبع في منتصفها، يطل على جميع جهاتها:

بحرية وقبلية وشامية ويمانية.

كانت الأزقة المحيطة بنا في حقيقتها ساحات اتصال بين البيوت.

كانت البرحات بمثابة الحدائق الملحقة بالمنازل، لكنها حدائق مشتركة يهرع إليها كل الناس للهو واللعب والبيع والشراء واللقاء والسمر.

ليس في حياتي محطات!

بل هي محطة واحدة، فيها زادي ومنها وقودي.

في بيتنا القديم القابع في قلب حارة المظلوم هناك كنزي ونبعي، هناك محطة انطلاقي.. موقع تشكيلي وبنائي.. بذوري وثماري. هناك عاش أناس صنعوني وهذبوني وعلموني أجدادي وآبائي.. جداتي وأمهاتي.. أعمام وأبناء عم.. عمات وبنات عم... لم نزرهم في الأعياد والمناسبات، بل كان لنا بيت واحد.. بيت كبير أبوابه مشرعة، يقطنه العشرات ويزوره المئات من البشر. كلهم حدثوني وحكوا لي عن الماضي الذي عاشوه، وعن الماضي الذي حكاه لهم أجدادهم من قبل: أوصلوا لي الأمانة.

عشت في بيت كبير في زواياه أسرار قديمة: هنا.. في هذه الصفة.. في ذلك المجلس، على باب هذا المبيت.. وفوق ذلك الروشان، أحداث ومواقف مذهلة مبهرة.. قيلت لي وحكيت. لكم أن تتخيلوا كمية الكلمات التي اختزنتها ذاكرتي، كم هائل من المحكيات استقر في عقلي وقلبي وتحت جلدي، حملوني أهلي إرثاً عظيماً.. وضعوه على أكتافي

استأمنوني على تفاصيله الصغيرة وكلهم ثقة أن الركب سيسير بحمولاته الثمينة

كانت تلك بداياتي... طفولتي ونشأتي

ثرية بعدد هائل من الناس... غنية بحكاياتهم وأساليب حياتهم.

كل مراحل دراستي جاءت لتصقل الجواهر التي غرسها في نفسي وعقلي أهل بيتي وزائريه.

حين رحلت عن بلدي للدراسة، كانت بطانتي قوية. ورغم اعتيادي على العيش المشترك والتقارب الأسري، إلا أن الغربة لم تشكل بالنسبة لي أي كربة، فنشوة التعلم آنسنتي بشكل غامر.

خلال تواجدي في الخارج تعلمت الاستقلال الذاتي والاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية، وكثيراً ما شعرت بأنني سفيرة لبلادي. وأدى هذا الاحساس إلى الرغبة في إعادة التعرف على تفاصيل دقيقة عن موطني وعادات أهلي وتاريخي وتراثي وديني، من منظورالأجنبي الناقد. تفاصيل كثيرة كانت من المسلمات التي لا تثير تساؤلاتي ولا فضولي، لكنها في ميزان الآخر أصبحت في بؤرة اهتماماتي. هناك في الخارج تعلمت أكثر قيمة الكنز الذي أحمل. أدركت معنى الانتماء إلى الوطن وأرضه وأهله، كما أدركت معنى الجذور وعلاقتها بالثقافة والحضارة

دراستي للأدب هي التي نبهتني لقيمة التراث الشفهي، ومن مقاعد دراستي للدكتوراه انطلق اهتمامي به ورغبتي في محاوطته ومنعه من التسرب والتلاشي. هناك عرفت أن ما كانت عمتي تهدهدني به كل ليلة هو لبنات الأساس للفكر والفلسفة ولفنون الغناء والسرد والمسرح كما نعرفه اليوم.

منذ عودتي من أمريكا وأنا في حالة توثيق مستمرة: ذلك أنني أرى أن حقبة زمنية بكاملها تأخذ في التلاشي أمام أعيننا.

راقبت جيلاً غنياً بالعطاء ينطوي على نفسه حسرة ويضمحل.

راقبت جيلاً قادماً يتطلع للأخذ... فينهل من منابع لا ينتمي إليها ولا تنتمي إليه.

راقبت جيل الوسط، يودع جيلا ويستقبل آخر وهو غارق في صمته، عاجز عن بناء جسر التواصل.

لقد انجرفنا مع تيارات التغييروالتمدن وتركنا خلفنا ثروتنا الحقيقية: الفكر التراثي الذي تم تناقله على مدى قرون طويلة: حصيلة ثرية من الأفكار والمفاهيم الأصيلة التي ميزت مجتمعنا وحددت معالم هويته وأصالته. يقيني أن أجدادنا لم يكونوا بسطاء ولم يكونوا جهلة، من سبقونا لم يكونوا عابثين أو لاهين، بل فكروا واهتدوا، ثم ضمنوا معارفهم في أشكال شعبية بسيطة المظهر عميقة المدلول: حكايات أجدادنا سجل حافل يشهد بخيال خصب وفكر جمعي حكيم، وحين نتأملها بشغف وتقدير سنجدها باذخة العطاء وقادرة على تسليحنا من الداخل. إن إحياء الموروث التعبيري الحكائي والغنائي الشعبي لمنطقة الحجاز هو إحياء إرثنا الإبداعي، ومنطقة الحجاز، مثلها مثل الكثير من مناطق المملكة، عريقة وممتدة في الزمن، ودليل تاريخيتها هو ما تركه ساكنوها من آثار تشهد بوجودهم وبفكرهم. التراث الشفاهي أثر غير ملموس، أي أنه تعبير كلامي، ولكنه لا يقل عن أي تركة حضارية جديرة بالحفاظ والتأمل والتنظير والإحياء).

منذ عودتي من الخارج وأنا في حالة توثيق مستمرة:

أحاول كل يوم لملمة شملنا المبعثر، أحاول صيد المعاني الجميلة التي غابت من حياتنا. كنا جيلاً نشأ في توازن متسق، كلما كبرنا تجذرنا.. هكذا بالتدريج: ثبات في الأرض يصاحبه ارتفاع طموح. لكن انقسام عائلاتنا الممتدة القديمة إلى وحدات صغيرة أفسد أجواء الحكي والتحاكي، كما أفسدها انفراد كل شخص بغرفة نوم فصلته عن طقس النوم الجماعي.. الآن أمامنا أجيال جديدة تشاهد العالم من راء زجاجات العرض الكريستالي، يراقبونها ليل نهار فتتسسلل إلى هشاشتهم وتسلخ جلودهم وتحولهم إلى مسخ ممثلة لثقافة غريبة.. جيل يجهل تراثه ويخجل من موروثاته ويتعالى على لهجاته، بل لا يتستسيغها: جيل غريب مستغرب!

يظن الكثير من الناس أن ما أقوم به هو مجرد إشباع للإحساس بالحنين للماضي، لكن مدخلي إلى التراث الشفاهي الحجازي علمي وجدّي، هو مدخل قائم على أسس البحث الميداني والجمع والتدقيق والتحقيق بغرض الإبقاء على معالم التعبير الشعبي وحفظها من الضياع. قد يكون تعلقي بالحكاية الشعبية أنني سمعتها كثيراً في سنوات طفولتي الأولى حتى تغلغلت في نسيج تكويني، لكنني فيما بعد وجدت في الحكاية قيماً فنية عالمية، وحين عرّضتها لقواعد الفن الحكائي استجابت بشكل مبهر. ثم وجدت فيها بعد كل ذلك قيماً فلسفية راقية تؤهلها للانضمام إلى كلاسيكيات الأدب الفلكلوري العالمي.

أطمح إلى فتح أبواب التواصل مع أسلافنا لتشكيل هوية ثقافية خاصة بنا. في اعتقادي أننا ننمو بلا أساس بعد أن أضعنا قديمنا، فكل قديم هو أساس وتأسيس. وأنا أريد التأصيل لنرسّخ أقدامنا جيداً في التربة المحلية حتى لا تقتلعنا رياح الثقافات الدخيلة والتي لا يصح بحال من الأحوال أن نواجهها فقراء من ثقافاتنا، عراة من كسائها الوثير. عندما نخرج إلى العوالم المحيطة يجب أن نتسلح بتراثنا حتى نكون على مستوى التبادل والمشاركة لا على مستوى التلقي السلبي لكل ما يعطى لنا. تراثنا الشعبي هو البطانة التي ستحمينا من التهاوي في مواجهة العولمة والانفتاح اللامحدود على العالم.

نحن نواجه أزمة ثقافية، لكننا ما زلنا في مرحلة زمنية تضعنا على حافة الاختيار، بمعنى أننا ما زلنا نتأرجح بين الماضي والحاضر. لكن لو استمرينا في تجاهل موروثنا والخجل منه والتعالي عليه، لو استمرينا في التفاخر باجادتنا وأطفالنا للغة الإنجليزية على حساب عربيتنا، لو استمرينا في التباهي بمتابعتنا لسندريللا وسنو وايت وبوكاهونتاس وطمسنا معالم لولوة بنت مرجان وفطيمة الغالية وبنت الفوال، عندها لن يعود لنا اختيار وسنقع فرائس سهلة في فخ الانبهار السلبي بكل ما يرد لنا من الخارج. هذه هي مرحلة الاختيار الحرجة، لو استمر فيها الإهمال فسننفصل عن أصولنا لا محالة لنصبح نسخاً ممسوخة عن غيرنا، تابعين وجدانياً لخارج مجتمعنا، منشطرين لا هنا ولا هناك.

ونحن لا ندعو إلى الانغلاق ومنع الأجيال الجديدة من التعرف على تراث الآخرين المستورد، لكننا نصر على أن نضع أشكالنا التراثية جنباً إلى جنب مع تلك الوافدة إلينا. كل المجتمعات المتحضرة تحافظ على تراثها وهويتها، كل المجتمعات الحديثة التي لا تاريخ لها تنشئ المؤسسات وتدعمها وتسعى لحفر الجذور لنفسها حتى لا يقال أنها مجتمعات طارئة لا عطاء لها. ولقد حظي التراث الحجازي الشعبي بجهود لا يمكن إغفالها بذلها عاشقوه من أمثال: محمد علي مغربي، حسن عبد الحي قزاز، صفية بن زقر، سامي عنقاوي، هند باغفار، محمد صادق دياب، إسحاق يعقوب، عبد الرؤوف خليل، محمد طرابلسي، عبد الله أبكر، أيمن فودة، فريد سلامة، أروى خميس، وعبد الله دبلول، ورائد علم الاجتماع الدكتور أبو بكر باقادر، كل في مجاله ودائرة اهتمامه. لكن المجهودات الفردية ستظل يداً واحدة عاجزة عن التصفيق. أتمنى بالفعل أن تكون هناك مؤسسة رسمية أو أهلية تدعم مشاريع إحياء التراث وإعادة تشكيله وتوظيفه تحت مظلة شاملة تؤمن بقيمة الارتكازعلى أسس التراث للانطلاق للمستقبل.

محطتي هي إرث عظيم،

حملوني إياه أهلي.. وضعوه على أكتافي

كم هائل من المحكيات استقر في عقلي وقلبي وتحت جلدي

استأمنوني على تفاصيله الصغيرة

وكلهم ثقة أن الركب سيسير بحمولاته الثمينة

محطتي، زادي ووقودي

هي نبع العطاء الأصيل

الإرث الشعبي العريق

التقيت به كما به التقيتم، ها أنا أعيده إليكم

وأعيد إلى ذاكرتنا الجمعية توازنها

أوصل الأمانة

أقدمها جسر للتواصل والتماسك.

جدة(lamiabaeshen@gmail.com)

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة